د. صبري صيدم (كاتب)-
لست طبيباً ولا أدّعي الخبرة الطبية لكنني أدعي اطلاعي على دقائق كورونا وتفاصيلها اليومية خاصةً بعد إصدار 400 نشرة يومية حول الوباء وتطوراته العلمية، حملت وتحمل اسم “يوميات الفيروس” ونشر ما يصل إلى أربعين مقالة علمية صاحبت تلك النشرة وشملت كل جديد، هذا الاطلاع المتزايد إنما يرسخ في الوجدان عدة قناعات لا بد أن أدونها لمنفعة الناس:
القناعة الأولى تكمن في الشعور العارم والمخطئ والصادم في آن واحد بأن من حصل اللقاح قد بات محمياً من الإصابة بالوباء وإمكانية نقله له وهذا ما يُشكّل قمة السذاجة باعتبار أن اللقاح لا يمنع العدوى بل يخفف من آثارها، لذا فإن القناعة الثانية بالتخلي عن الكمامة إنما يُشكّل إمعاناً في الخطأ والسذاجة، إنما يعني بالضرورة تسلح الناس بالكمامات.
القناعة الثالثة تكمن في خطأ أيضاً بأن جرعتي اللقاح ربما تكون كافية وهذا غير دقيق أمام فحوصات المناعة التي أثبتت تراجع مناعة الفرد الذي حصل على جرعتي التطعيم، واتجاه العالم الآن نحو التطعيم الثالث ليصل إلى فئات عمرية أصغر من تلك التي اقتصر عليها التطعيم في جرعتيه، بل إن الوقائع التي ترفدنا بها الأوراق العلمية اليوم وما يرشح عبر وسائل الإعلام وما يصلنا عبر الإحصائيات، يؤكد على أن البشرية ربما تتجه نحو جرعة سنوية مدى الحياة وهو ما يعني استدامة الوباء واللقاح، وما يصاحبه من تبعات وألم معنوي وصحي واقتصادي سنحتاج للتعايش معه طيلة عمرنا! وإن أياً من مجتمعات العالم لا يستطيع الادعاء المطلق بأنه أمتلك ناصية التعامل المحكم مع الوباء.
القناعة الرابعة إنما تكمن في شعور خاطئ لدى الناس بأن الحصول على التطعيم إنما يعني إمكانية المشاركة في اللقاءات الجماهيرية والتجمعات على اختلافها، وهو ما يعني حتماً اتساع رقعة الإصابة وانتشار المتحورات بصورة تأخذنا إلى موجات وبائية لا متناهية، أمام هذه الحال فإن العالم الثالث وأمام رفض معظمه لمكونات الأنظمة الحاكمة، إنما يعاني من الشعور الفاقع بأن إجراءات الإغلاق والوقاية والحماية ما هي إلا نتاج عقليات تآمرية وقمعية وجاهلة لا تفقه في إدارة الأزمة وتناولها والتعامل معها، أما المجتمعات المتقدمة فقد وصمت الإجراءات الوقائية الحكومية بالإجراءات الموجعة اقتصادياً والتي تعزز معها الشعور بأن مناعة القطيع إنما هي أجدى من الإغلاقات والإجراءات الوقائية اللازمة.
حقيقة الأمر أن أيّاً من مجتمعات العالم لا يستطيع الادعاء المطلق بأنه أمتلك ناصية التعامل المحكم مع الوباء، بما فيها الدول الاسكندنافية ونيوزيلندا التي لجأت من جديد إلى الإغلاق الكلي أمام وجود مصاب واحد على أراضيها، وحقيقة الأمر أيضاً أن الوعي المجتمعي ورغم وفاة حوالي ثلاثة ملايين شخص حول العالم بفعل الوباء وإصابة الملايين به، وحملات إعلامية ضخمة وما صاحبها من تبعات مهنية واقتصادية واجتماعية وتعليمية وصحية وحتى ثقافية، لم يولّد ثقافة وقائية كافية حول العالم بل استمر بالاستهتار والاستخفاف وببشاعة سائدين في نهج الحياة اليومية للبشرية، وعليه لا أستغرب أن تلجأ الدول إلى تطبيق فعلي للقمع الوقائي عبر سلسلة قوانين وقرارات وإجراءات متشددة جداً، توقف نزيف كورونا وما ترتب وما سيترتب عليه من أوجاع ونكسات.
إن الحزم والحسم والشدة ستأتي لا محالة أمام حالة كهذه ما لم تستوعب البشرية بشاعة الوباء ومتحوراته اللامتناهية، خاصةً عندما تعي بأن الوباء معنا ليستمر مدى الحياة أو هكذا يتوقع العلماء على الأقل!