سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الشعوب والطبيعة تدقان ناقوس الخطر

فوزي سليمان-

“الشعوب والطبيعة تدقان ناقوس الخطر”؛ لا أعرف أين قرأت هذه المقولة والتي أعتقد إنها حكمة صينية، ومفادها إنك تبني جيشاً لعشرات الأعوام، لكي تستخدمه في يوم واحد …! فإن قراءة هذه الحكمة تُعيد إلى الأذهان واقعنا في الشرق الأوسط والأدنى وعن جيوشها اللامتناهية والتي لا تجيد سوى تعليق النياشين كما عبرت عنها رئيسة وزراء بريطانية الأسبق مارغريت تاتشر واصفة جنرالات الجيوش الشرق الأوسطية بأنه إذا غابت النجوم عن السماء ستجدونها على أكتاف هؤلاء الجنرالات.
وهكذا فإن الأحداث الدراماتيكية المتتالية في العراق وسوريا وليبيا واليمن ومؤخراً في أفغانستان تؤكد هذه الحقيقة المؤلمة والدموية، وتصيب الإنسان بالذهول والجمود لترسم في مخيلته صور مرعبة يمكن ولا يمكن حتى تخيلها، بالأمس كان البعبع الداعشي الذي أطلق له العنان في الشرق الأوسط مكتسحاً العديد من الساحات حتى دون إبداء عناء النظر إليه، ومن قبل جيوش وقوات يفترض أنها (نظامية) مدربة وخبيرة ومهمتها معروفة للجميع، وقبل أي مهام أخرى هي مهمة أخلاقية أكثر من أن تكون واجباً.
ولكن اتضح أن هذه الجيوش لم تكون إلا أداة من أدوات قمع الشعوب بيد الأنظمة، وكلنا عايشنا بنفس الشكل أحداث شنكال المأساوية وقبلها أحداث الموصل، كيف أن قوات جرارة تخلي الساحات مولية الادبار ليترك الشعب فريسة لهمج ووحوش (العصر)، هنا لا يمكننا الحديث عن انتصار أو هزيمة عسكرية أو تكتيك واستراتيجية أو حتى سياسة، فالأمر لا يتعدى الانحطاط الأخلاقي بكل ما للكلمة من معنى، وبهذا الشكل نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام حقيقة هذا الانحطاط، وفي نفس الوقت هي حقيقة مجردة عن الواقع الدولي وتعبيراً مكثفاً عن هراء مصالح الدول المتغيرة، والتي أرادوا تحوليها إلى بديهة وما على الشعوب إلا أن يصدقوا ذلك، والمقصود هنا مقولة: “ليس هناك أصدقاء دائمين إنما مصالح دائمة”.
ورغم فظاظة هذا الموقف أو المقولة ولكنه يكفينا نحن الشعوب التي تسعى إلى حل قضاياها إلى استخلاص الكثير من الاستنتاجات منها والعمل وفق ذلك، لأنه يظهر جلياً أن الاعتماد الكلي على القوى الخارجية ما هي إلا سذاجة وغفلة قاتلة، وهذا ما شاهدناه مؤخراً في أفغانستان حيث الانهيار المذل، ليس للحكومة الأفغانية وجيشها المزعوم وحسب بل للمنظومة التي تدّعي قيادة العالم…! أجل أنه انهيار وليس هزيمة انهيار أخلاقي مخيف ولا يمكن لأحد النأي بنفسه عن مخاطر ذلك.
 في كل الأحوال لا بد من إعادة قراءة وتقييم ذلك ومن منظور القوى المهيمنة ذاتها، وليس فقط من منظور ضيق أحادي الجانب إذ لا يختلف اثنان بأن القوى (العظمى) تمر بأسوأ أزمة تعصف بها بعد الحرب العالمية الثانية، وتعتقد هذه القوى بأنه ومن خلال بعض الطروحات المعروفة والمريبة بإمكانها تجاوز أزمتها مثل مقولة (الفوضى الخلاقة) وحرب تكلفتها صفر و(الشرق الأوسط الكبير أو الديمقراطي).
وعلى الأرجح فإن الأحداث الأخيرة التي عصفت بأفغانستان جاءت نتيجة توافقات أمريكية معينة مع طالبان، وما هي إلا استمرار لتلك الطروحات الأنفة الذكر والتي ستتضح معالمها في الأمد القريب هذا مجرد تجريد للأحداث كما هي ، ولكن في نفس الوقت هي تأكيد على أنه لا يمكن تجاوز القوى المتواجدة على الأرض من خلال القضاء عليها فيزيائياً بالحروب مهما كانت اتجاهاتها الفكرية والعقائدية، ولا يتعدى الأمر سوى استنزاف للطاقات والإمكانات المادية والبشرية والتي لا يمكن لأحد تحمّل تكلفتها إلى ما لا نهاية، حتى لو كان هذا أحد أقوى وأعظم دولة في العالم أجمع.
بناءً على ما تقدم لا يختلف اثنان على أن العالم دخل مرحلة الانسداد التام، لتكون الأبواب مشرّعة أمام كل الاحتمالات وأغلبها تنذر بانفجارات كبيرة إذا ما لم يتم تدارك ذلك بخطوات أممية سريعة دون التغافل عن القضايا التاريخية للشعوب، وقد نوه إلى الأمر وقبل أكثر من عقدين ونصف المفكر والفيلسوف عبد الله أوجلان بما معناه: “إن لم تقم القوى العظمى بحل قضايا الشعوب في منطقة الشرق وعلى رأس تلك القضايا قضية الشعب الكردستاني والقضية الفلسطينية، ستضطر تلك القوى إلى المداخلة مباشرةً بالمنطقة لحماية مصالحها، فحتى حماية المصالح تُحتم على تلك القوى تغيير سياساتها الكلاسيكية، إذا لا مفر من البحث عن الحلول  وهو أمر بات ضرورة حياتية مُلحة للجميع فالشعوب وكذلك الطبيعة تدقان ناقوس الخطر والعِبرة لمن اعتبر”.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.