سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

وحدة الكُرد عمق استراتيجي لكلِّ السوريين

سيدار رشيد-

هذه كتابتي الأولى عن السياسة وما سأكتبه ليس «جلدًا للذات»، ولكنه محاولة لمواجهة الحقيقة، وأننا ما زلنا في شمال وشرق سوريا تفصلنا أشواط بعيدة عن السلوك الحضاري المتقدم في التطور الفردي والجماعي للحاق بركب الأمم التي سبقتنا بأشواط، نحن أكثر الناس معرفة بالقانون ومقتضياته، ولكننا أقل الشعوب تمسكًا به واحترامًا له خاصةً داخل المدن الكبيرة والتجمعات البشرية التي دفعها اللجوء والتشرد خلال سنوات الحرب في سوريا إلى التكدس في كانتونات تفتقر إلى أقل مقومات الحياة البشرية الكريمة من تعليم وصحة وأمن وتعايش مشترك بين كل مكونات المجتمع السوري.
نحن لم نكن هكذا لقد أورثنا النظام البعثي المستبد هذه الأمراض، حيث الفوضى وعدم الانضباط والسرقة والرشوة وكل الموبقات التي تأنفها النفس البشرية السوية، فتحول الوطن السوري إلى مهرجان كبير يلهو في ساحاته الفاسدون والمهرجون وسارقو قوت الشعب.
ما نحتاجه حقًا في هذا المنعطف الحضاري جرعات مكثفة من الوعي ومعرفة تامة بالحقوق والواجبات والتزام صارم بالقوانين والضوابط والتشريعات وإلا سيتحول الوطن إلى حظيرة، تلهو فيه البغال والوحوش البشرية وتسكنه الفوضى والعبث بكل المُقدرات، وتغطي شوارعه القمامة والقذارة وكل السلوكيات غير السوية، وقد لعبت سنوات التيه دورًا كبيرًا في هذا العبث، بعد أن باتت تُروج المخدرات والحبوب المنشطة لتحولهم إلى وحوش بشرية.
انهيار المنظومة التربوية والأخلاقية خلال سنوات الحرب المستمرة في سوريا أورثنا هذا الغثاء وضرب بالقيم عرض الحائط عبر مشروع حضاري كاذب ومزعوم، والآن نعيش وضعًا كارثيًا حيث لا سلطة لإنفاذ القانون ولا عدالة مُنجزة تضع الحق في نصابه، وبات الجميع يتآمر على الجميع، حتى أننا بتنا دائمي التساؤل (مَن مع مَن ومَن ضد مَن؟) ولا أحد يدري الآن كيف ستكون عاقبة الأمور وإلى أين سيقودنا هذا التيه بعد أن أنجزنا في شمال وشرق سوريا الإدارة الذاتية الديمقراطية بدماء الشهداء ومحاربة داعش والمجموعات الإرهابية وأشاد بذلك العالم.
أنا على يقين أن سنوات الانهيار تحتاج إلى فسحة من الزمن حتى نعيد ترميم ما دمره النظام وأن يكون هناك انضباط على مستوى الشارع والمؤسسات الرسمية، وأن هذا الوطن يحتاج إلى حركة نهوض واعية تستوجب الالتزام بالقوانين واللوائح والموجهات العامة، وأن نتيقن جميعًا أننا يمكن أن نحيا حياة حرة وكريمة إذا تعلمنا كيف نحترم الآخر، وكيف نحافظ على نظافة أنفسنا وشوارعنا وأسواقنا العامة.
هذا ليس (جلدًا للذات) كما أشرت آنفًا ولكنه صرخة لنستعيد رشدنا الوطني ونبتعد عن المكايدات والمحاصصات وحب الذات القاتل، فالوطن هو مكان يتسع للجميع بلا كراهية وبلا أنانية وبلا معاول للهدم، فالبناء يبدأ بالعمل والالتزام بنظافة الطريق العام والبيوت والأحياء والذات الشخصية.
نحن لا ينقصنا الإيمان لأننا بطبعنا شعب متدين ولكننا نحتاج إلى إنزال هذا التدين في حياتنا اليومية دون ادعاء، وأن يكون سلوكًا قائمًا بيننا في كل شيء في التعامل والتعايش وتأهيل واقعنا حتى نعيش حياة كريمة ملؤها العطف والتراحم والاحترام.
تمنيت أن أرى في بلادنا سلوكيات حضارية على كل المستويات، خاصةً في المعاملات الرسمية وحتى في الاصطفاف لانتظار الحافلات العامة وأن نراعي النظافة في كل شيء وألا تكون الطرقات والشوارع مشاعًا للفوضى وعدم الانضباط مع عدم احترام القوانين المرورية، وهذا بدوره يحتاج إلى إعادة تأهيل رجال الأمن العام، وأن تكون هيبة الإدارة الذاتية حاضرة وأن يكون القانون نافذًا على الجميع دون محاباة أو أساليب ملتوية وخبيثة.
نحتاج حقًا إلى جرعات مكثفة من الوعي ومن الغيرة على المصلحة العامة وأن نراعي الله في أنفسنا وفي أوطاننا وأن نكون صادقين في أعمالنا وأن نكون منتجين ومفيدين في أي موقع أو مكان نعمل فيه، ونحرّم على أنفسنا المال الحرام لأن تهتك الأخلاق يقود إلى دمار الأمم وتخريب الأوطان.
علينا أن نوظف كل إمكاناتنا في تنمية الوعي لدى الأطفال والشباب وهن فتياتنا الشابات واليافعات حتى يصبحن قدوة ومثالًا يُحتذى في القيم والأخلاق وحسن التعامل مع الآخرين بأدب واحترام.
على الشباب والشابات الذين أنجزوا هذه الثورة الرائعة أن ينظموا صفوفهم وأن يشكلوا فرقًا بالتعاون مع الإدارة الذاتية في نظافة الأحياء والطرق والسعي إلى جانب القوى الأمنية إلى حماية الأمن في الشوارع والطرقات والأحياء وأن يحصنوا أنفسهم من الدخلاء والعملاء والمرتزقة الذين يشعلون النار في أطراف الوطن ليعيدوا عجلة التاريخ إلى الوراء.
الإصلاح يحتاج إلى وقت وقد صبرنا على النظام المستبد قرابة خمسة عقود من الزمن فلا أقل من أن ننتظر بعض الوقت حتى نحقق العبور إلى ما نصبو إليه من تقدم ورقي في وطن مُعافى من المكائد والمؤامرات والتخريب، فالبناء على ما مضى من تخريب ممنهج ليس بالأمر السهل ولكننا بالإرادة سنكون قادرين على السير في طريق التقدم.
إن وحدة قوى الثورة الحية من النساء والرجال وكل القوى الثورية وقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة المقاومة، هي الضامن الوحيد لإفشال مؤامرات خفافيش الظلام وبائعي الوهم وناهبي حليب الأطفال وقوت الأمهات، والأوطان العظيمة تبنيها الإرادات العظيمة، والانكسار في منتصف الطريق ليس من شيم الأبطال والمناضلين، وعلى أبناء الشعب الكردي وأصدقائه من كل مكونات الشعب السوري أن يتحدوا وأن يقفوا وقفة رجل واحد في مواجهة كافة المؤامرات الداخلية والخارجية، وما نحتاجه الآن في سوريا أن نتسلح بالوعي والمعرفة وألا ننخدع بالشائعات والأكاذيب، وعلى الأحزاب السياسية الكردية أن تعي وتدرك أهمية المواقف والمستجدات القادمة الصعبة والحرجة في هذه المرحلة الخطيرة وحدة الكرد ضرورة ملحة وهي عمق استراتيجي للشعبين الكردي والسوري.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.