سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

خطاب الهجرات التاريخية كنقيض لتعايش القوميات

آزاد أحمد علي (كاتب)-

أثرت مسألتان تاريخيتان بشدة على الذهنية، أو العقل العربي المعاصر، إن جاز هذا التعميم، فحدثان أو ظاهرتان مازالتا تساهمان في توجيه وتأطير المسار العام للتفكير العربي السياسي، الحدث الأول السياسي والتاريخي الذي ساهم في صياغة العقل العربي هو حدث مفتاحي مؤثر ومسيطر عليه ظاهراً وباطناً؛ وهي الهجرات التاريخية، فمن البديهي أنه تمت هجرات عربية تاريخية من قلب الجزيرة العربية باتجاه الجوار الجغرافي عموماً وإلى سوريا ومنطقة الهلال الخصيب بشكل خاص، لكن لم يتم تناول هذه الهجرات بموضوعية علمية لا في المناهج الدراسية ولا في البرامج السياسية، وعلى ما يبدو وظفت هذه الهجرات بطريقة أيديولوجية سطحية لتساهم في توجيه مسار الحركات والأحزاب السياسية العربية، سواء الإسلامية منها أو القومية، لدرجة أن صاغت وأطرت تفكيرها بطريقة صلبة فتخشبت آليات التفكير وما زالت تصطدم بحقائق التاريخ ومعضلات الواقع.
السردية العربية العامة، وباستثناءات نادرة، تتلخص في أن هذه الهجرات تمت في مناخات سلمية، وكانت ضرورة للبشرية أيضاً، وهي ذات خلفية قومية وروحية، فقد تمت الهجرات من الجزيرة العربية نحو جوارها الفارغ الخالي من البشر أو من مجتمعات منظمة لها خصوصيتها أو هويتها، وحيناً آخر يتم تصوير دفعات الهجرة على أنها جاءت استكمالاً لدفعات سابقة، إذ كانت تنتظر المهاجرين جماعات عربية مضطهدة من قبل المحتلين للبلاد العربية فأنقذتها، بل يتم المبالغة في الترويج لقصص متخيلة: كاستقبال مجتمعات مسيحية (عربية) للعرب الفاتحين.
أين تكمن المشكلة بالنسبة لهذا التناول؟ تكمن فيما يترتب على هذه السردية الرومانسية والكاريكاتورية من حيث اختزالاتها، والمثالية المتخيلة أنها أسست لأكبر عملية تزييف لتاريخ المنطقة، كما ترتب على هذا التناول أسوأ قراءة محتملة للواقع، لماذا؟! لأن الحقيقة تختلف كثيراً عن هذه السرديات المتخيلة، فالمجتمعات في المحيط العربي كانت منظمة ضمن ممالك وإمبراطوريات كبرى، تستمد جذورها من بيئات حضارية مكتفية اقتصادياً ومنظمة سياسياً، كانت مجتمعات قديمة، فمجتمعات بلاد ما بين النهرين وشرق البحر المتوسط كانت مجتمعات إنتاج وعمران، انبثقت عنها مدن وحضارات كانت متقدمة كثيراً على مجتمعات قلب الجزيرة العربية البدوية والفقيرة.
إسرائيل وأرض الميعاد (الحقوق التاريخية)
وبالتداخل كان المشروع الإسرائيلي الذي قام على أكبر فكرة إشكالية في تاريخ البشرية، وهي فكرة (الحقوق التاريخية)، فالنخب العربية بقدر ما ترفض فكرة الصهيونية المستندة على أسبقية الحقوق التاريخية تعطي لنفسها هذا الحق هنا وهنالك، وتصر على أحقيتها وأسبقيتها التاريخية في أرض فلسطين، فضلاً عن استمرار التغني بأمجاد أندلس الضائعة، وبالتالي عدم القدرة على التخلص من المشهد الذي أنتجته الغزوات والفتوحات الإسلامية، وهو إرث ثقيل.
فالتسليم بالفرضية الصهيونية عملياً، أو إعادة إنتاجها عربياً، بمعنى إحالة مشروعية الحقوق السياسية والسيادية في المقام الأول للأسبقية التاريخية، فثمة حقيقة تاريخية تبين أن أغلب المدن السورية هي يونانية ورومانية التأسيس، فهذه المدن لم تكن خياماً ولا مضارب للبدو، وإنما كانت مدناً كاملة المواصفات الحضرية بمجتمعات مدنية منظمة، تزدهر بالمسارح والملاعب والمكتبات، وبمباني للحكم والإدارة، هذه المدن ليست أسطورة ولا مجرد سردية متخيلة، فهي آثار وتدوين تاريخي ومعطى عياني مشخص لا يمكن إنكاره، صحيح أن تلك المدن والمدنيات كانت ناتجة عن تمدد الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية، لكنها كانت في الوقت نفسه نتاج تفاعلات وسيرورة اجتماعية، بمعنى كانت هنالك مجتمعات يونانية رومانية حاكمة أو متفاعلة مع المجتمعات الأصلية المحلية كحد أدنى.
الحدود والتنوع في الدول العربية
معالجة وتناول بعض النخب العربية لدراسة اجتماع ومستقبل البلدان العربية بعد استقلالها عن الحكم العثماني وتحررها من الاستعمار الأوروبي جاءت مشوهة لا تتمتع بالشجاعة لإعادة قراءة التاريخ ولا حتى مقاربة تضاريس الواقع، فتلخص هذا القصور في إنتاج فكر قومي مضاد ومتأثر في الوقت نفسه بالصهيونية السياسية والفكرية، وبالدولة القومية الأوروبية الصلبة فضلاً عن الايمان بسرديات تاريخية متخيلة بفعل الإسقاطات الأيديولوجية، بمعنى اعتبار كل الهجرات العربية سلسلة من هجرات أزلية لقبائل تتحرك من أرضها في قلب الجزيرة العربية الى أرضها التي انتظرتها بفارغ الصبر خارج الجزيرة العربية، هذه الأرض التي كانت خالية من البشر وتنتظر بشوق الفتوحات والهجرات البدوية العربية، في صيغة أقرب إلى الخيال منها إلى أي حقيقة موضوعية.
بناء على هذه الأفكار التي باتت منهجاً بل ثقافة سياسية ومعارف بديهية تتناقلها الأجيال، وقياساً أيضاً على الفكر العربي الذي يفسر الحاضر بدلالة الماضي وعبر أحداثه فكل الشعوب لا بد أن تكون مهاجرة؛ حيث فكرة الشعوب الأصلية مغيبة وتم تغييبها عن الذهنية العربية، فالكرد لابد أن يكونوا مهاجرين وكذلك الشركس والأرمن والأمازيغ، فإن لم تكن مهاجرة فيجب أن تكون بالضرورة عربية أو سامية أو أي تصنيف لا يفصح عن حقائق التاريخ الصادمة.
ترهات سياسية بصدد الهجرات الكردية
في السنوات الأخيرة سمعنا وقرأنا الكثير من الترهات بخصوص هجرة الكرد إلى سوريا بدءًا من المتفلسف الأول (رئيس الجمهورية) في دمشق، وصولًا إلى أي مراهق سياسي مروراً بمنتسبي (المعارضة) وجميع المتطفلين على التاريخ والسياسة معاً، كل هذا التناطح والتناول الجاهل للتاريخ جاء لتبرير مواقفهم المؤازرة للظلم والعدوان المتهربة من حق المساواة والعدالة، ناسين أن الحقوق لا تستند على بعد تاريخي فقط، فليس بالضرورة أن يكون الفرد من سلالة تسكن سوريا منذ ستة آلاف سنة حتى يكون له حقوق سياسية بصرف النظر عن الكم الهائل من التناقضات والقراءات المشوهة لتاريخ سوريا والمنطقة وصعوبتها العلمية.
إن الجهل وعدم قراءة التاريخ والواقع معاً باتت سمة من أبرز سمات النخب السورية، سنذكر من جديد أن الهجرات كانت دائمة في كل أصقاع الأرض وليست في سوريا، كما أن اتجاه هذه الهجرات ومساراتها قد غيبت لأهداف سياسية وعنصرية ودينية بحتة، فالكرد قد هاجروا من أرض سوريا الحالية إلى خارجها بعدد هو أضعاف من هاجر من خارجها إلى مناطقها الداخلية الحالية.
لذلك سنورد مثال واحد مأخوذ من نص نادر لمؤرخ كبير وموضوعي يعد حجة في تاريخ القرون الوسطى هو شرفخان البدليسي، إذ ورد في كتابة (شرفنامة)، الذي كتبه بالفارسية قبل أكثر من أربعمائة عام وترجم إلى العديد من اللغات منها العربية، يكشف النص أدناه عن هجرة كبرى لقبائل وطوائف كردية من جغرافية غرب محافظة إدلب الحالية إلى إقليم في غرب إيران يتاخم الخليج العربي، إلى منطقة لورستان تحديداً. كانت هذه الهجرة الكبرى من محيط جبل السماق شمال غرب محافظة إدلب الحالية وجنوب منطقة عفرين في سنة 500 هـ / 1106م فقد نزحت زهاء أربعمائة أسرة كردية من جبل السماق ببلاد الشام إلى لورستان إثر نزاع بينهم وبين زعيمهم في موطنهم الأول، فآثروا الجلاء عن الوطن على الإقامة، وهناك دخلوا في رعاية عشائر وقبائل أحفاد محمد خورشيد المذكور (بدليسي، 1959، ص25)، ثم تابع البدليسي سردية التاريخية مبيناً استمرار الهجرات ونزوح (27) طائفة وقبيلة كردية إبان حكم هزار أسف من غرب سوريا إلى لورستان، فهرع إليه أقوام كردية كثيرة من سكان جبل السماق للإقامة، وذلك كجماعة العقيلي من نسل عقيل بن أبي طالب، والهاشمي من سلالة هاشم بن عبد المناف، وطوائف مختلفة مثل أستركي، مماكويه، بختياري، جوانكي، بدانيان، زامديان، علاني، لوتوند، بتوند، بوازكي، شنوند، راكي، خاكي، هاروني، اشكي، كولي، ليراوي، مولي، بحسفوي، كمانكشي، مماستي، أومكي، توابي، كداوي، مديحة، اكورد، كورلاد، إلى غير ذلك من العشائر والقبائل الأخرى التي لا يعرف لها نسب، فازداد شأن هزار أسف وإخوته بقدوم هذه الجماعات عليهم والتقائهم بهم، إذ قوي جانبهم بهم فهاجموا مقاطعة شولستان. (ص28) علماً أن هزار أسف هذا قد توفي سنة 1275 ميلادية.
الخلاصة في كل ما ذكر
في قراءة أولية لهذا النص نستنتج أن هذه الوثيقة التاريخية تدل أولاً على أسبقية الوجود الكردي في شمال غرب سوريا الحالية وخاصة محافظة إدلب ومنطقة عفرين ولواء إسكندرون، نظراً للعدد الكبير من القبائل والطوائف التي هاجرت منها، وهي كردية في أغلبيتها الساحقة، فقد كانت هذه المنطقة مولدة للسكان الكرد تاريخياً، وليس كما روج له سياسياً بأنهم قد هاجروا إليها.
الكرد هاجروا من مناطق الشمال وشمال غرب سوريا الحالية والجزيرة الفراتية بأضعاف من قدم إليها، فقد كانت هجرة الكرد من شمال غرب سوريا إلى لورستان كبيرة بحسب عدد القبائل والطوائف المذكورة في الشرفنامة، لذلك وبدلالة العديد من المصادر والوثائق الأخرى فالوجود والجذر التاريخي للكرد في غرب سوريا الحالية وقرب الساحل السوري أقدم من كل التوقعات، علماً أن شرفخان البدليسي قد عد العقيليين أكراداً، وهذه مسألة تدرج ضمن المشتركات، كما يمكن الافتراض أن المهاجرين من جبل السماق كانوا شيعة آل البيت أو علويون وقد تكون الصراعات المذهبية أحد مسببات هذه الهجرة، فالهجرة لم تكن بسبب خلافات قومية بالتأكيد.
أخيراً نؤكد على أن قراءة التاريخ بشكل موضوعي ودقيق من قبل المختصين يجب أن تخدم المشتركات وتؤسس لمشاريع التعاون والتحالف، وليس كما تعود عليه أنصار فكرة (أسبقية الحقوق التاريخية) لترسيخ العداوات والدعاية للتكنيس الديمغرافي وبناء مجتمعات ودول النقاء القومي والديني، التي لا يمكن أن تستند سوى على الأكاذيب الكبرى، فالانتقال من مشكلات التاريخ إلى الحاضر قلما يؤسس للمشتركات، لكن الانتقال من مشتركات الحاضر نحو المستقبل يمكن أن تشكل حجر الزاوية في تأسيس الدول الديمقراطية المستقرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.