سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الاحتلال التركيّ ومشروع قبرصة عفرين

 رامان آزاد-

في نظرةٍ إجماليّةٍ إلى كلِّ الإجراءاتِ التي اتخذتها سلطاتُ الاحتلالِ التركيّ في عفرين، يتضحُ أنّها تتجه إلى تكرارِ نموذجِ قبرص فيها، وتسعى لتجاوزِ العائقِ الأساسيّ المتعلقِ بالتركيبةِ السكانيّةِ، وارتفاعِ نسبةِ السكانِ الأصليين الكرد بالمنطقةِ والتي كانت تصلُ إلى 96%، والنسبةُ التي تحدثَ عنها أردوغان في 22/1/2018 بأنّ نسبةِ الكردِ في عفرين لا تتجاوز 35%، كانت إشارةً أوليّةً لخطة “قَبْرَصَة عفرين”.
العدوان على عفرين والتهجير القسريّ
اتبعت أنقرة خطةً متدرّجةً للتغييرِ الديمغرافيّ في عفرين، لتخفيضِ نسبة الكردِ، بدأت مع تفاهماتٍ غير معلنةٍ مع الجانبِ الروسيّ، أسفرت عن خروجٍ جماعيّ لأهالي عفرين قبيلَ إعلانِ الاحتلال، بعد تأكيدِ أنّ القواتِ التركيّة التي حاصرت المدينة من كلّ الجهات ستدخلُ المدينةَ، وبقي الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى بلدتي نبل والزهراء. وبذلك خرج الأهالي تفادياً لوقوع مزيدٍ من الضحايا وتحوّلِ المدينة إلى ميدانِ معارك، ولم يكن واضحاً يومها السقف الزمنيّ لعودة الأهالي، بدون وضوح الرؤية لإمكانية عودة الأهالي، أو التفاهماتِ التي يمكن التوصلُ إليها بعد خروجِ القواتِ العسكريّة، وفقاً للادعاءِ التركيّ بأنّ سبب الحرب المباشر كان لضمان الأمن القوميّ التركيّ، والذي عبرت كثيرٌ من الدول تفهمها لتلك الذريعة دون أن تقدم أنقرة أدلة على تهديد أمنها القوميّ.
التضييق على الأهالي الباقين
في أولى خطوات الاحتلال تم نهب المدينة وسرقة الممتلكات العامة والخاصة، والاستيلاء على البيوت التي تركها الأهالي خلفهم، لتبدأ بعدها مرحلة الاستيطان.
بالمقابل أُغلقت الطرقاتُ المؤدية إلى عفرين أمام أهلها الأصليين الكرد، واتُّبعت سياسة التهجير القسريّ لما تبقى من الأهالي عبر الاختطافِ والاعتقال وبحجج واهية، وفرضت عليهم الإتاوات الباهظة، وتم تضييق سبل المعيشة أمامهم وسرقة المواسم، والاستيلاء على حقول الزيتون التي تضم مئات آلاف أشجار الزيتون، وتجاوزت نسبة الاستيلاء 60% من ممتلكات الأهالي، وقطع وحرق آلاف أشجار الزيتون.
 إقامة المستوطنات والمخيمات
اعتمد التغيير الديمغرافيّ على إسكان المستقدمين من الغوطة وحمص وريف إدلب وحماة وحتى من الجولان وريف دير الزور، كما استوطنت في عفرين أعدادٌ كبيرة ممن ينحدرون من بلدات مارع وحيان وتل رفعت وسواها من بلدات ريف حلب الشماليّ، وفي عدة مراحلَ من التصعيد العسكريّ الروسيّ في إدلب تدفقت من موجات من المستوطنين إلى عفرين.
ومن أجل استيعاب المزيد من المستوطنين وترسيخ التغيير الديمغرافيّ بوشر ببناء المستوطنات في مناطق مختلفة من منطقة عفرين (ثلاث مستوطنات في ناحية شيه، ومستوطنة في بافلون، ومستوطنتان في جبل ليلون ومستوطنة في قرية شاديريه ومستوطنة في آفرازيه) عدا إقامة المخيمات في العديد من القرى.
وبعد زيارة قبرص قال أردوغان في مؤتمر صحفيّ يوم الأربعاء 21/7/2021 في معرض إجابته على أسئلة الصحفيين: تركيا انتهت من بناء 50 ألف منزل من الطوب في شمال سوريا من أصل 100 ألف منزل مؤقت تنوي توطين بعض اللاجئين فيها بمناطق المخيمات شمالي سوريا.
ونقلت وكالة الأناضول رد أردوغان على رئيس حزب الشعب الجمهوريّ المعارض كمال كليشدار أوغلو، الذي وعد إن فاز في الانتخابات القادمة سيعيد اللاجئين السوريين إلى بلادهم في حال اعتلائه السلطة وصفه بناء المنازل في مناطق شمال سوريا بأنه “نهجٌ إسلاميّ وإنسانيّ ووجدانيّ لا يوجد عند هذا الرجل كمال كليشدار أوغلو”.
إلا أن الخطة التركيّة الأبعد تتمثل بإعادة أعدادٍ كبيرةٍ من اللاجئين السوريين إلى عفرين ليحقق عدة أهداف في آن واحد يستثمرها في الانتخابات القادمة عام 2023، وبخاصة مع تراجع عامٍ في شعبيته.
الربط الإداريّ والاقتصاديّ والأمني
مجمل السياسة التركيّة تهدف إلى تجاوز العائق الديمغرافيّ، وأما على الصعيد الإداريّ فقد تم ربط عفرين بولاية هاتاي التركيّة، وأُوجدت مؤسسات أمنيّة تابعة للاستخبارات التركيّة وكذلك مؤسسات خدميّة (التعليم والاتصالات والكهرباء والمياه) ترتبط بتركيا، وفرضت التعامل بالليرة التركيّة، وفي 9/11/2019 افتُتح طريقٌ مباشرٌ بين معبر “غصن الزيتون” الحدوديّ بولاية هاتاي، وبلدة جندريسه. إضافةً إلى الزيارات المتكررة للمسؤولين الأتراك إلى عفرين، والتي تأتي ضمن مراسم توحي بالتبعيّة إلى تركيا، من حيث رفع العلم التركيّ وصور أردوغان ومصطفى كمال أتاتورك، وآخرها زيارة سليمان صويلو وزير الداخليّة التركيّ يوم الثلاثاء 20/7/2021، أول أيام عيد الأضحى.
العامل القوميّ والمذهبيّ
بدأت أنقرة مبكراً في صنع قضية تركمان سوريا، وأسست كتائب مسلحة لهم في مدينة حلب وريف حلب الشمالي، وبمرور الوقت تحولت هذه الكتائب إلى ألوية، وحظيت بالدعم العسكريّ والتسليح وكانت أداة أنقرة للتدخل العسكريّ في سوريا وصولاً إلى احتلال جرابلس والباب وعفرين وكري سبي/ تل أبيض وسري كانيه، وشجعت توطين التركمان في القرى الحدوديّة ليكونوا حزاماً تركمانيّاً وفاصلاً ديمغرافيّاً، كما استثمرت التركمان في سياسةِ التدخل العسكريّ في ليبيا وأذربيجان في إطار سياسة التحول التركيّة على مستوى المنطقة، وتجري الاستعدادات لإرسال مرتزقة سوريين إلى أفغانستان، فقد أضحت عفرين في ظلِّ الاحتلال التركيّ خزاناً للمرتزقة.
التتريكُ واستهداف الرموز
اتبعت سلطات الاحتلال والمرتزقة التابعون لها منذ اللحظات لإعلان احتلال عفرين سياسة استهداف الرموز التي تؤكد خصوصيّة عفرين القوميّة والاجتماعيّة والثقافيّة، فكان التطاول على تمثال كاوا، ورفع العلم التركيّ وفرض اللغة التركيّة وإدراجها في التعليم الذي تبنّى مناهج تمجّد تركيا والتاريخ العثمانيّ، واتباع سياسة التتريك لتفاصيل الحياة وتغيير أسماء الساحات وبعض القرى، وكذلك عبر خطة بناء المساجد في مدينة عفرين والريف حتى في القرى الإيزيديّة، لتكون منابر نشر الفكر المتطرف وشرعنة الاحتلال، كما استهدفت آثار عفرين بالحفر والتنقيب وسرقتها، وكذلك نبش مزارات الشهداء لما تمثله من رمزيّة وعامل تحريضٍ لرفض الاحتلال، وتم تجريف مزار الشهيدة أفيستا خابور وتحويله إلى سوق للمواشي، وخلال العدوان قصفت مزار الشهيد سيدو في جبل قازقلي ومزار الشهيد رفعت في متينا، وفي 14/7/2021 قامت بطريقة مروّعة بنبش وإخراج جثامين الشهداء الذين تم دفنهم في المدينة، وفبركت قصة حول ذلك، والغاية من كلّ ذلك ضرب العوامل المعنويّة لأهالي عفرين الكرد.
 نموذج لواء إسكندرون
في 7/7/1939 صادق البرلمان التركيّ على اتفاق 23/6/1939 بين تركيا وفرنسا وأصدر القرار 3711 والذي نص على اعتبار لواء إسكندرون محافظة تركيّة، وتم ابتلاع اللواء وضمه، رغم أنّ نتائج ثلاثة استفتاءات عامي 1936ــ 1938، لم تفضِ لصالح الضمِّ، ورغم أنّ الأممَ المتحدة لم توثّق الاتفاقَ المبرمَ حتى اليوم، وسبقت كلَّ ذلك إجراءاتُ التغيير الديمغرافيّ في اللواء، وأما في عفرين، فإنّ سلطات الاحتلالِ تسعى إلى إيجادِ نسبة مرتفعة من الموالين لها، والذين يعوّل عليهم بالمطالبة بالضمِّ أو إنشاءِ كيانٍ تابعٍ لها. ولذلك تحرصُ سلطات الاحتلال على تمكين التركمان من الاستيطانِ في القرى الحدوديّة، ويبدو واضحاً رغبة التركمان بالانضمام إلى تركيا بعد تحريض العاملِ القوميّ لديهم، ويشاطرهم الرغبة نفسها الموالون لتنظيم الإخوان، إذ إنَّ أنقرة هي مركزُ ثقلٍ بالنسبةِ للتنظيم، ويُضاف إليهم من أحرقوا مراكبَ العودةِ وانخرطوا في العملِ العسكريّ ضد دمشق التي أغلقتِ الأبوابَ في وجوههم ولا مشكلة لديها في بقائهم في المناطق الحدوديّة.
نموذج قبرص
في 20/7/1974 تدخل جيش الاحتلال التركي في شمال قبرص لدعم القبارصة الأتراك، وبررت ذلك بمنع ضم الجزيرة إلى اليونان.
في 15/11/1983، أعلن القبارصة الأتراك بقيادة زعيمهم رؤوف دنكتاش من جانب واحد إنشاء “جمهوريّة شمال قبرص التركية” على مساحة 3355 كم2، (وهي تعادل مساحة منطقة عفرين) وتمثل ثلث مساحة الجزيرة البالغة 9251 كم2، واعترفت بها تركيا فوراً.
تدير جمهورية شمال قبرص علاقاتها الخارجيّة بوساطة تركيا، ويرتبط اقتصادها بالاقتصاد التركيّ بشكلٍ كامل، وتستخدم العملة التركية عملةً رسمية، ويعتمد اقتصادها على تمويل تركيا لها بنحو 700 مليون دولار سنويّاً.
وعلى مدى عقود، نظمت عدة جولات من المفاوضات الرامية إلى إعادة توحيد الجزيرة رعتها الأمم المتحدة. وتعثرت المفاوضات الأخيرة عام 2017 في سويسرا، بشكل خاص بشأن مسألة انسحاب 30 ألف جندي تركيّ متمركزين في الجزيرة.
أردوغان زار قبرص في 15/11/2020، وشارك في احتفال الذكرى الـ 37 لإعلانِ الجمهوريّة، وجاءت زيارته حينها بعد فوز “أرسين تتار” برئاسة قبرص في 18/10/2020، وهو سياسيّ قوميّ مقرّبٌ من أنقرة، ينادي بحلِّ الدولتين ويرفضُ توحيد الجزيرة، ضد منافسه “مصطفى أكينجي” الرئيس القبرصيّ الأسبق الذي بذل جهودًا كبيرة لتوحيد الجزيرة، بصيغة دولة اتحادية وتخفيف روابط الشمال مع أنقرة. ورفض التدخل التركيّ بالشأن القبرصيّ خلال فترة ولايته. وقد دعم أردوغان وصول “تتار” في الانتخابات الرئاسيّة بوسائل عدة، أبرزها فتح القواتِ التركيّة جزئيّاً منتجع “فاروشا”، الأمر الذي عزّز خطابه القوميّ في الحملة الانتخابيّة. وأما زيارته الحالية فقد جاءت للمشاركة في احتفال الذكرى الـ 47 للتدخل العسكريّ التركيّ في الجزيرة، وأمام مجلس ممثلي “جمهورية شمال قبرص التركيّة” قال أردوغان “لا يمكن استئناف عملية تفاوض جديدة إلا بين دولتين”، مضيفاً “من أجل هذا، يجب تأكيد السيادة والمكانة المتساوية مع جمهورية قبرص”.
وقال: إنَّ “الحلَّ العادل والمستدام في قبرص لا يمكن أن يكون إلا بمقاربة تأخذ في الاعتبار الحقائق في الجزيرة”.
وتابع الرئيس التركي “لا يمكن إحراز تقدم في المفاوضات من دون التسليم بوجود شعبين ودولتين (…) فليس لدينا خمسون عاماً نضيّعها في مفاوضات من أجل توحيد الجزيرة على نماذج ثبت بطلانها”.
وأضاف أردوغان “ندعم اقتراح (إقامة دولتين) الذي يدافع عنه إرسين تتار. لن نقدّم أي تنازل على هذا الصعيد”.
وفي كلمة له الأربعاء خلال تبادله تهاني عيد الأضحى مع أعضاء حزبه “العدالة والتنمية” قال أردوغان: “سنبذل قصارى جهدنا لجعل دولة قبرص التركية تحظى باعتراف واسع النطاق بأسرع ما يمكن”.
على منحدرات جبل كيرينيا الجنوبية يمكن ملاحظة العلمين التركيّ والقبرصي، بحجم كبير جداً، وإلى جانبها عبارة مصطفى كمال أتاتورك Ne Mutlu Türküm Diyene ومعناها “ما أسعدني لأني تركيّ”… وفي عفرين وُضِع العلم التركيّ على سفح جبل غر وهو أعلى جبلٍ في عفرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.