سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

في مفهوم الثورة.. شمال وشرق سوريا نموذجاً

دلشاد مراد-

ربما يستهزئ البعض من تسمية ما تشهده مناطق روج آفا وعموم شمال وشرق سوريا بـ “الثورة” بعد تحريرها من نظام البعث والتنظيمات الإرهابية، ولكن يكفي مقارنة إنجازات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا مع نهج وأفعال نظام البعث تجاه “الكرد والعرب والسريان” ومناطقهم، لنتأكد أن ما يجري بالفعل هو ثورة سياسية وثقافية واجتماعية بكل المقاييس، لأنه لا يمكن فصل الظروف والواقع المعاش مع المتغيرات الحاصلة، وكذلك مع الذهنية الجمعية في المجتمع.
الثورة هي الانقلاب على الموجود السيئ وإحداث تغييرات بكافة المفاصل لصالح المجتمع، ولا ينبغي أن تحمل طابعاً لقومية واحدة في منطقة متعددة القوميات، إذ كان نظام البعث يطبق سياسة التمييز العنصري والإجراءات القمعية بحق الشعبين الكردي والسرياني من كافة النواحي السياسية والاجتماعية والثقافية، ويطبق سياسة “فرق تسد” بين الشعوب السورية، أي إحداث النعرات القومية والطائفية لصالح تسيدها للبلاد، وفرضت حكماً بوليسياً على البلاد. بينما الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا اتبعت سياسة ومنهج المساواة التامة والتأكيد الدستوري على الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية للشعوب والطوائف في شمال وشرق سوريا، وتطبيق مفهوم الديمقراطية واللامركزية السياسية بتشكيل الإدارات الذاتية في المناطق والأقاليم ذات الخصوصية.
وقد تحققت في ظل ثورة شمال وشرق سوريا وإدارتها الذاتية معظم المطاليب المحقة لشعوبها، إذ توقفت جميع السياسات والإجراءات العنصرية التي كان نظام البعث يتبعها، وسُن دستور “عقد اجتماعي” ديمقراطي للمنطقة بالتوافق بين الشعوب، وباتت اللغات الأم لغات رسمية في التعليم والنشر، ورخصت الأحزاب والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية والثقافية، وجرى تفعيل دور المرأة ومشاركتها في الشأن العام… إلخ. أي أنها ثورة ديمقراطية إنسانية لا تحمل أي تعصب قومي أو انحياز لهذه القومية أو تلك. فالكردي والعربي والسرياني متساوون في الحقوق والواجبات. فليس من الصواب أن نطلق على الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بالإدارة الكردية أو أن يتم فرض مصطلحات جغرافية على عموم شمال وشرق سوريا.
الأمر الآخر الذي ينبغي إدراكه أن الثورة والإدارة الناتجة عنها من الممكن أن تفشل وتؤدي إلى نتائج كارثية إن لم تستند إلى تنظيم ونهج وفكر وأيديولوجية ديمقراطية أو إذا انحرفت عن مبادئها الديمقراطية أو إذا تغلغل الفساد الأخلاقي والإداري في هيكليتها ومؤسساتها الرئيسية، كما أن النظر إلى الواقع بمثالية مفرطة، سواء من جانب قيادة الثورة والإدارة أو الجمهور، له تأثير في مستقبل الثورات، وظهور ردات فعل مجتمعية لبعض قرارات الثورة والإدارة يعود إما إلى حسابات خاطئة أو عدم قدرة الأخيرة في إقناع الجمهور بوجهة نظرها وأفكارها، ولذا من الحكمة أن تتلاءم قرارات الثورة والإدارة مع ظروف المجتمع وبالتناسب مع درجة تقبل المجتمع لها ولمصلحتها. والنقد الإيجابي من جانب الجمهور والمجتمع إجراء صوابي ومفيد لتصحيح مسار الثورة والإدارة، كما أن الإداريين في هياكل الإدارة ينبغي أن يكونوا القدوة في حمل وتبني وتطبيق أفكار ومبادئ وقرارات الثورة، وإلا ستنتشر مظاهر الفساد واللامسؤولية واللامبالاة، وستصبح حينها الثورة مجردة من أي روح ومبادئ ديمقراطية ومجتمعية، وبالتالي تكون نتيجتها الفشل وتدهور المجتمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.