سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

عبد الباري أحمه ينحت الزمن على جدران المنفى ـ1ـ

 آراس بيراني-

بداية، وإزاء حالة الكتابة الشعرية، وعند قراءة النص قراءة استهلالية أو نقدية بالمعنى الواسع للنقد، وبعيداً عن مدارس النقد وأسسه التفكيكية في بنية النص الشعري أو ممارسة النحت في أسس المفردة التي تتموضع في النص لتأخذ معانيَ تراتبية عميقة موغلة في الفكر التاريخي أو تاريخية الفكر؛ نجد أنفسنا نمارس كتابة جديدة للنص، ونصنع له سماءً ثانية، بل وسابعة، وتنهض أمامنا جداريات الشعر العالية، جدران تماهت مع الزمن والتاريخ ومارس الحبر أسراره في ارتكاب اللغة.
ذاك الجدار الذي يعلو في زمن الحرب والنزوح والخيام، جدران بنيت على عجل في منافي الصقيع، ومحارق الوطن.. الشعر لغة تأويلية سرية شبيهة بلغة الكهنة وبلغة النصوص الدينية القديمة، مما يكسبها قداسة ما وعمقاً وأكتر من بنية، حيث يكاد يكون حمال أوجه حسب تعبير علي بن أبي طالب بصدد تعريفه للقرآن الكريم.
لذلك لا يمكن أن نفهم حالة ممارسة الشعر، والشعر الحداثوي تحديداً، حسب المنظور النقدي الأوربي دون معرفة شاملة بالتاريخ وأحداثه وشخصياته وأساطيره وأديانه وجغرافياه، وحروبه وهزائمه وخيباته، كما لا بد من الإلمام بحكاياته وأحجياته ورموزه لدى أي شعب، فلكل طائر تأويله ورمزه، ولكل مكان معناه، وكتاب “جدارية المنفى في زمن التأويل” لكاتبه عبد الباري أحمه لا يمكن فهمه دون الغوص في واقعيته والتحليق بخياله، فقد لجأ الشاعر إلى تحطيم طوق النمطية البالية، واستطاع بناء جسر تواصلي بين أنساق النصوص لتكون نصاً ملحمياً طويلاً، وإن قام الشاعر بوضع عناوين لكل فقرة، فالنصوص لها ذات البنية الإبداعية من صور شعرية ولغة بنائية ومفردات تتواكب وترتص لبناء الجدار الشعري، أو لمد الجسر عميقاً نحو المدى، وقد جاءت النصوص بمقدمات سردية روائية مضادة، تحمل في جوهرها بنية النص اللاحق، حيث التمازج ما بين السرد الروائي والغنائية الشعرية برومانسية واقعية ثورية، ممارساً التناص الأسطوري في أكثر مواضع النصوص، ففي سفر البدء وفي أولى نصوص الكتاب نقرأ:
“من زوايا ضفافه الوجع
ها أنذا آلهة الخصب
خارطة أمزق القحط
اغزل لجسدك الغيم بالقبل”
حيث يمنح للنص بعداً ملحمياً أسطورياً ينطلق من أساطير ميزوبوتاميا.
ولغة الوجع والألم واليأس لا تغيب عن فضاءات النصوص وعناوينها، حيث الأكفان الرمادية التي غطت عذرية أمكنة هشة، ومحاريث صدئة رمتها الشيخوخة في قحل الأرض والحياة، والبيادر تحترق، وفي مكان آخر تعلو أصوات خطابات مبتورة ما بين “جارمو” و”شرمولا”، تصطف أحجار الرحى وترتفع ابتهالات الصوفيين في حلقات الذكر إزاء صلوات لالش حيث يسقط الإنسان المعاصر من الفردوس…
خلال ما يقدمه الكتاب من نتاج شعري تظهر أمامنا تجربة كتابية جديدة عبر خطوطه على جدار الزمن في تفاعل تأويلي منطلقاً من عنوان نصه الطويل البارز وهي محمّلة بشيء من المغامرة، والكشف الجديد يُبرهن على أنه ما يزال يبحث عن التجديد، ربما هي جينات متوارثة عبر مراحل تاريخه الطويل، له بصمة مؤثرة بشكل ما، وقبل الدخول إلى تجربة الشاعر ومجموعته لا بد من الإشارة إلى أن الشعر بوصفه خطاباً يتعامل مع اليومي أو الحياتي بلغةٍ مكثفةٍ، تختلف عن لغة السياسي في خطابه أو عن المؤرخ في كتابته عن التاريخ. فالشاعر أدرك اللّعبة حين اطلعت على تفاصيل تقنياته الكتابية….      يتبع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.