سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الحاجة تدفع الأهالي لمزاولة مهن غير صحية وطبيب محلي يحذر

جل آغا/ غزال العمر-

يرتاد الكثير من الفقراء من ريف ديرك بشمال وشرق سوريا مكب النفايات يومياً للعمل بجمع النفايات وبيعها وتأمين متطلبات الحياة ولقمة العيش في ظاهرة أجبرتهم عليها سنين الحرب القاسية والظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة.
أعوامٌ كثيرة قضاها البعض من أبناء ريف ديرك وهم يعملون بمهنة جمع المواد المعدنية والبلاستيكية الصالحة للبيع، فلهذه الأشياء سوقها ومشتروها الراغبون بها، حيث يتم إعادة تدويرها والاستفادة منها كمادة أولية مكررة لبعض الصناعات البلاستيكية والمعدنية ذات النوعية الأدنى يشتريها منهم “الحواج”.
رحلة بحث
يعمل عماد الحسن (٤٩ عاماً)، اسم مستعار لرجل من أهالي بلدة بريف كركي لكي، بمهنة جمع النفايات والخردة منذ عقدٍ ونيف ويعتاش منها؛ ليؤمن حاجة أولاده وزوجته المريضة، يغيب عنهم منذ طلوع الشمس إلى غروبها عائداً بحمولته؛ فتلك مهنته التي أجبرته الظروف عليها كونه يعاني من إعاقةٍ لا تخوله للعمل في أي مجال آخر، حسب تعبير الحسن.
“ما إن تضع سيارة القمامة حمولتها حتّى يتسابق الموجودون لجمع بعض المواد المستهلكة والمنسقة؛ ليستفيدوا منها، وسعيدٌ من حظي بحبات بطاطا أو برتقالة أثناء بدئه بعمله يسند بها جسده ريثما ينتهي من عمله” بهذا الشكل وصف الحسن بداية يومه برفقته بعض الفتيان والشبان الآخرين.
وينصح عماد الحسن منْ يستطيع العمل في مهنة أخرى ألا يعمل بمهنة جمع النفايات “إنها شاقة ومتعبة وبدأت أخسر صحتي”.
فالعمل في المكب هي المرحلة الأولى فقط من هذه المهنة، إذ يبدأ الحسن وغيره بعد العودة للبيت بعملية فرز البلاستيك عن المعادن “عملنا لا ينتهي هناك في القمامة فقط بل نستمر بالعمل في المنزل”.
وبعد الانتهاء من الفرز تبدأ عملية التسويق، إذ ثمة تجار مختصون بشراء ما يجمعه هؤلاء، وعن آلية البيع وسبله يقول الحسن “نبيعها للباعة الجوالين الذين يأتون بسياراتهم من ديرك وقامشلو، ولكلّ مادة سعر مختلف، فكيلو النايلون 400 ليرة ويختلف عن النحاس والحديد الذي نبيعه بسعر أعلى، كما نجمع الخبز “نجففه ونبيعه 600 ليرة للكيلو”، وهؤلاء الباعة الجوالون بدورهم يبيعون تلك المواد لتجار أكبر أو معامل تكرير النفايات ولاسيما معامل البلاستيك والزجاج.
أمهات يُعِلْنَ عوائلهنَّ
وفي الجهة المقابلة من بحر النفايات تجهز عائشة السلوم (57 عاماً) من ريف مدينة قامشلو كيسها استعداداً للعمل، فقد تركت ابنها المريض من ذوي الاحتياجات الخاصة الذي تعمل لأجله وحيداً في المنزل مرددة “درب المعيشة صعب” فهي تمارس عملها منذ سنة كما ذكرت.
وتحظى عائشة أحياناً ببعض الطعام والخضار من “بقايا” المطاعم والمحلات تعود به لبيتها ليشاركها ابنها وجبة الغداء وتقول “نعود بطعامنا”.
ولـ أمونة الخلف من ريف ديرك (80 عاماً) خبرة في العمل تتجاوز 15 عاماً، وتواجه مصيرها بمفردها، ومع كثرة منْ يعملون في هذا المكب الواقع على مقربة من كركي لكي، تزداد المنافسة بينهم للبحث والتفتيش لعلّهم يجدون شيئاً ثميناً يعوض تعبهم؛ فهم يخرجون من الصباح على أمل أن يوفقوا برحلة بحثهم اليومية، بهذه الكلمات وصفت أمونة التنافس الحاصل بينهم.
وفيما لو فكرت أمونة بممارسة عمل غير هذا العمل الذي بدا شاقاً عليها ويحتاج خفة ورشاقة وهي قد كبرت تقول “لولا الجوع لم نأت إلى الوسخ” متسائلة من سيشغلني وأنا بهذا العمر وهل قدم لنا أحد عروض عمل ورفضنا؟!”.
وعن دخلها اليومي الذي تجنيه من هذه المهنة “تتراوح يوميتي بين 2000 – 3000 ليرة سورية” وهي لا تغطي مصاريف البيت “فلتر الزيت بات بـ 6000 ليرة نحن مجبرون”.
وقعوا في براثن الفقر المدقع ولا يهابون الأمراض مستسلمين لقدرهم لتستسلم أمونة للقدر وتقول “ما حدا يموت إلا بيومو”، بهذه الجملة أكد عمال جمع النفايات تسليمهم المطلق للقدر فهل هم عاجزون عن تغيره.
أسعار مرتفعة
ولـ (أ.ع) (35 عاماً) من قرية اليوسفية بريف ديرك ستة أولاد من بينهم طفلة رضيعة وطفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة تركتها عند إخوتها، ورافقها اثنان من أبنائها للعمل ومساعدتها بعد أن تركوا مدارسهم وفشلوا في إيجاد عمل “الفقر أجبرنا على مزاولة هذه المهنة، غلاء أسعار المواد الغذائية والدوائية وغيرها أنهكنا”، متابعة “نعمل ونأكل ونلبس منه” في إشارة إلى مكب النفايات.
تحذيرات طبية شديدة اللهجة
ينظر أحد الأطباء في ناحية جل آغا فضل عدم ذكر أسمه إلى هذه المهنة ومنطقة العمل هذه، ويصفها كبؤرة للأمراض الجلدية والتنفسية ومسكن لذبابة الرمل التي تسبب لسعتها اللاشمانيا عدا عن التسممات الغذائية التي تحصل نتيجة تناول بعض الناس لمواد غذائية فاسدة وملوثة، بحسب الطبيب.
وتابع الطبيب مؤكداً بأنّ العاملين بمهنة نبش القمامة “عرضة لفيروس الكبد الوبائي” نتيجة تعاملهم مع أدوات حادة كشفرات الحلاقة والحقن الطبية التي قد تجرحهم فتجرثم الدم أثناء عملهم.
كما أشار الطبيب بأنّ الأضرار النفسية لا تقل ضرراً عن الأضرار الجسدية والصحية “نظرة المجتمع لهذا الشخص ونظرة الشخص نفسه للمجتمع بحقد لأنه لا يوفر له فرصة عمل”.
وأخيراً حمل الطبيب المنظمات وحقوق الإنسان جزءاً من المسؤولية لأنها تأخرت في إطلاق حملة تحت مسمى “يداً بيد لإنقاذهم”.
 الجهات المعنية تسعى للحلول
ولـمحمد الفارس عضو لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل في جل آغا رأي عام بخصوص هذه الظاهرة المجتمعية المستهجنة “هناك حالات فردية وقد اعتادت على هذا الأمر كمهنة”، مؤكداً بأن الإدارة الذاتية فتحت مجال عمل وتوفير فرص لكلّ من يجد في نفسه القدرة والكفاءة بشرط أن يكونوا في سن العمل.
أما من يتجاوز عمرهم سن العمل؛ فهناك مشروع لإحصائهم عن طريق اللجان والكومينات؛ ليتم تقديم العون والدعم المادي لهم، متابعاً “ننسق مع المنظمات التي تقدم الدعم ونزودهم بالأسماء بشكل دوري ودائم”.
أطفال وكبار سن يتسابقون للحصول على لقمة العيش في جبل من النفايات ضاربين عرض الحائط بكلّ ما يمكن أنّ يضر بصحتهم لتأمين معيشتهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.