سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

العقد الاجتماعي عند هوبز

صلاح الدين مسلم_

يعدّ توماس هوبز (1588- 1679) أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر، فقد عمل في مجال الفلسفة والأخلاق والتاريخ، والقانون، وساهم بشكلٍ كبير في بلورة مفهوم العقد الاجتماعي.
ويعتبر من الفلاسفة الذين وظفوا مفهوم الحق الطبيعي في تفسيرهم لكثير من القضايا المطروحة في عصرهم. وضع كتابه الصادر عام 1651 تحت اسم لوياثان الأساس لمعظم الفلسفة السياسية الغربية من منظور نظرية العقد الاجتماعي.
كان مناصرًا للملكية المطلقة، وقام أيضًا بتطوير بعض أساسيات الفكر الليبرالي الأوروبي في حق الفرد والمساواة الطبيعية بين جميع البشر والشخصية الاعتبارية للنظام السياسي (التي أدت لاحقًا إلى التمييز بين المجتمع المدني والدولة)؛ وهو أيضًا صاحب رأي أنّ جميع القوى السياسية الشرعية يجب أن تكون “ممثلة” وقائمة على قبول الشعب؛ والتفسير الحرّ للقانون الذي يمنح الناس حرّية فعل ما لم ينص القانون على تجريمه صراحةً.
لم تُترجم كتب هوبز إلى العربية، بل ضاعت كتب له في الإنكليزية، واستطاع هوبز الذي تأثّر بنظريّة المنفعة، أن يعتبر أنّ الإنسان أنانيّ بالطبع، يتقبّل اللذة ويرفض الألم وينزع نحو استخدام القوّة، لأنّه يعيش في مجتمع يسوده قانون الغاب حيث حرب الكلّ ضد الكلّ، وهي صفة المجتمع الطبيعي البدائي، ولكن لمّا كان الإنسان اجتماعيّ بالطبع فإنّ عقله هداه إلى التفاهم والحوار والتوصّل إلى عقد اجتماعيّ يلتزم به جميع الأفراد، وعن طريق اختيار غول كاسر (ليفياثيان) يستطيع فرض القوّة والنظام في المجتمع. غير أنّ هذا الغول الكاسر تحوّل بتأسيس الدولة إلى وحش كاسر، وأصبحت سلطة الدولة في الأخير أقوى من كلّ الوحوش الكاسرة “يستخدم لوياثان كرمز لملوك الأرض الأشرار الذين يقاومون شعب الله، لا يمكن ربطه أو جعله أليفاً، فمجرد النظر إليه مخيف، فمن الأفضل أن يُترك وشأنه، يمتلك لوياثان جسداً جميلاً، لكنه محمي، له أسنان مخيفة، والموت ينتظر أي شخص يقترب من فمه، حتى الأقوياء يخشون لوياثان، لا يهزمه سيف أو رمح أو حربة أو درع، أو سهم، أو حجر، أو قوس أو مقلاع، لا يمكن حبسه لأنه يكسر الحديد مثل القش، على الأرض، يترك لوياثان آثاراً مثل النورج على الطين؛ وفي الماء يصنع دوامات خلفه، ينتهي وصف الله للوياثان بالقول إنّ هذا فعلاً ملك الوحوش: “لَيْسَ لَهُ فِي الأَرْضِ نَظِيرٌ. صُنِعَ لِعَدَمِ الْخَوْفِ. هذه هي أوصاف السلطة والدولة، أوصاف شهوة الدولة والشركات العملاقة، وليست أوصاف المجتمع الطبيعيّ.
إنّ العقد الاجتماعي الذي يتحدّث عنه هوبز موجود بالفطرة في المجتمع، والمجتمع الزراعي في ميزوبوتاميا الذي امتد إلى ما يقارب اثني عشر ألف عام لدليل على قوّة هذا النظام المجتمعيّ، فطوال هذه الفترة لم تكن هناك مجازر وحروب عالمية وإرهاب مُنظّم أو عنف اجتماعي، لكن مع مجيء الدولة جاءت السلطة معها أي قبل 5000 عام، وهنا يفسّر هوبز معنى السلطة فهي الغول الكاسر (لوياثان).