سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

التحليق باكرا في فضاءات الإعلام والفن

"رونا عكيد نموذجاً"

آراس بيراني_

ونحن منهمكون في مواكبة الكتب الأدبية الصادرة وقراءتها نقدياً، إضافة إلى رصد الحالة الفنية في المرحلة الراهنة، التي تمر بها البلاد، ربما ونحن في زحمة تلك القراءات في الأدب والفن قد أهملنا هذه البراعم النضرة، التي اعتلت أغصان شجرة الأدب والفن في غفلة منّا، فالطفولة مرحلة جميلة وعذبة لا تفارقنا مهما توغلنا في دروب الحياة وسنواتها.
تفاجئنا الطفولة بمواهبها الثرية والمدهشة، على صعيدي الفن والأدب، تلك الموهبة التي كانت نتيجة عمل دؤوب، واهتمام دقيق من والديها وخاصة من قبل والدها الكاتب، والإعلامي قادر عكيد، ووالدتها، التي وفرت لها مقومات الحياة من سكن وتعليم ورعاية، تلك البيئة الحاضنة التي مهدت للطفلة رونا عكيد أن تزهر باكراً، وأن تنثر عبق أدبها وفنها، بما تمتلك شخصيتها الذاتية جوانب من الذكاء والموهبة، التي تمازجت مع براءتها، وعفويتها، وأيضا بما صبغتها الحياة المتوارثة من أدب جم، وتواضع جميل.
فاعتادت أن تقود “بسكليتها” في بيئة اجتماعية لا تتسامح مع قيادة فتاة لدراجة هوائية، في تلك البيئة فتحت رونا عكيد عينيها على الحرب السورية، وعاصرت يوميات الحرب، وشهدت تراجيديا العنف وفقدان الأمان، والتقت وجهاً لوجه مع الوجع والموت، وعاشت مراحل درامية البؤس والفرح، ومن الخيبة والنجاح.
تلك الظروف ساهمت في تكوينها العاطفي والنفسي ووعييها المبكر بأهمية اللغة الأم في التعبير عن مكنوناتها، جذبتها الموسيقا، تعلمت العزف على “الطنبور”، وغنت أغنيات جميلة مستوحاة من عوالم التراث والطفولة، وقنوات تلفازية عدة تعرض فيديو كليباتها، كما أنها جذبت أنظار المسرحيين والسينمائيين فأدت أدوار في مسرحية مع فرقة “الهلال الذهبي”، كما أدت دوراً في فيلم صامت حمل “لأجل أطفال عفرين” عنوانا له، كما أنها وقفت أمام كاميرا المخرج السينمائي الكردي مانو خليل في فيلمه (الجيران).
تفوقها بالمدرسة، وعشقها للغتها الأم خلق لديها حب القراءة وجذبتها حكايات الأطفال، فانطلقت لتأسيس مشروعها الأول، فافتتحت مكتبة فريدة من نوعها، وضمت رفوف مكتبتها الكتب الكردية الخاصة بأدب الأطفال، وشاركت في معارض الكتب مديرة لقسم كتب الأطفال، وكانت لمثابرتها والدعم اللامحدود من والدها، والتشجيع المستمر من محيطها الحافز الأقوى لمغامرتها الجميلة، لتكون أصغر طفلة تترأس تحرير مجلة خاصة بالأطفال باللغة الكردية، فقد كان لصدور العدد الأول من مجلة “رونا” أهمية قصوى، وشكل الخبر مادة إعلامية مميزة، وخاصة إن هذا الإنجاز شهد النور في جغرافية قلقة تعيش ظروفاً جيوسياسية عصيبة.
كان التفوق دوماً الوجهة الأساسية لها، وكان الأمل البوصلة التي توجهها نحو حقول الإبداع لصناعة المستقبل، ولصناعة الفرح. تنطلق عبر أثير الأعلام نحو عوالم الطفولة البديعة، وهي تتحسس أوجاع وآلام أبناء وبنات جيلها، واقتربت من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ومرضى السرطان، كما أطلقت حملة “دفيني” لتحمل الدفء إلى المخيمات تقاسمهم الوجع وتشاركهم الفرح.
رونا عكيد ظاهرة ثقافية، وملهمة لآلاف الفتيات، بما تملك من إرادة وقدرة على تحدي الصعاب. إنها الطفولة حين تتفوق وتنتصر على نفسها، فتحلق في فضاءات الأمل فراشات بحجم ربيع كامل.