سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

كيف لأوروبا أن تقبل ما يفعلهُ أردوغان؟

علي قاسم-

المقارنة بما يجري في سوريا، عند الحديث عن تدخل الرئيس التركي أردوغان بالشأن الليبي، والتحذير من أن تنتهي ليبيا لتصبح سوريا ثانية، هو اعتراف من قبل الأوروبيين بفشلهم في التعامل مع المشكلة السورية، وخضوعهم للابتزاز الذي مارسه عليهم أردوغان، مستعملاً سلاح اللاجئين، الولايات المتحدة استمتعت برؤية قادة أوروبا في وضع العاجز، واكتفت بمراقبة ما يجري عن بُعد، بعد أن زرعت جيوباً لها في المنطقة، وتأكدت من قدرتها على حماية مصالحها هناك.
لم يبقَ لمواجهة طموحات أردوغان سوى رجل روسيا القوي، الرئيس فلاديمير بوتين، الذي سارع لاستثمار الفرصة السانحة مثبّتاً لروسيا موقعاً يضمن لها مكاناً استراتيجياً في المنطقة، خاصة بعد فشل إيران في لعب دور المنقذ، واختيار الأوروبيين التزام الحذر، خوفاً من التورط الذي قد يتسبب بخسارتهم أصوات الناخبين، قرارات الحرب لا تتخذها الشعوب المترفة، والأوروبيون اليوم مترفون، أدمنوا حالة الرخاء الاقتصادي والاجتماعي، بعد الحرب العالمية الثانية، وتخلوا عن مستعمراتهم، واكتفوا بالسيطرة الاقتصادية عن بعد.
الدكتور كوستاس مافريديس، رئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان الأوروبي، طرح خلال مشاركته في مؤتمر بروكسل الذي عُقد الثلاثاء، لمناقشة التدخل التركي في منطقة البحر المتوسط، السؤال الذي بقي مسكوتاً عنه فترة طويلة: كيف لأوروبا أن تقبل ما يفعله أردوغان؟ تحدث مافريديس عن سياسات التطهير العرقي، وعمليات القتل الجماعي، التي مُورست بمباركة من أردوغان، ووصفها بالسياسات العثمانية التوسعية، مشيراً إلى أن أردوغان يستخدم خطابات ومصطلحات عدوانية لم تستخدم حتى خلال الحقبة النازية.
وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، اعترف بالصمت والعجز الأوروبيَّين، وهو إن لم يصل إلى حد الإدانة إلا أنه وجّه انتقاداً واضحاً وصريحاً للتقصير في مواجهة المخاطر، مؤكداً على أهمية انخراط الاتحاد الأوروبي في حل النزاع الليبي، محذراً في حال عدم انخراط الأوروبيين على نحو أقوى، من أن النهاية ستكون سوريا ثانية، مطالباً بالتعلم من أخطاء الأزمة السورية، منتقداً تقاعس المجتمع الدولي الغربي عن المساهمة في إيجاد حل للنزاع هناك.
على رأس القائمة، وضع رئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان الأوروبي، سياسات الرئيس التركي أردوغان ونظامه، الذي دعم منظمات إرهابية مثل داعش والنصرة والإخوان المسلمين، مقدما لها العون اللوجستي والعسكري وكذلك السياسي في المحافل الدولية. التدخل الروسي وضع حداً لشهية أردوغان في سوريا، وحال دون أن تتحول الأخيرة إلى إمارة عثمانية، بعد أن خيّل للأوروبيين أن ما يحدث في سوريا هو امتداد للربيع العربي، وهو ما شجع المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، على قبول أعداد هائلة من اللاجئين ظناً منها أن إقامتهم لن تطول.
يعكس موقف ماس ليس فقط قلق ألمانيا، بل قلق أوروبا من فشل مؤتمر برلين بشأن ليبيا، وهو ما يفضح تراجع الدور الأوروبي في إدارة الملفات الإقليمية ومعالجة الأزمات الدولية، في وقت يزداد فيه إصرار تركيا على اقتحام الملف الليبي، تماماً مثلما فعلت في الملف السوري. هناك بالطبع ما يبرر المخاوف الأوروبية، التي برزت إثر تسلل أردوغان إلى ليبيا، فالأمر ليس فقط مجرد اتفاقية تعاون عسكري مع حكومة طرابلس، المشكلة أكبر من ذلك، وهي أن حكومة الوفاق تُدارُ من قبل الإخوان المسلمين، وتدعمها ميليشيات مرتبطة بمنظمات إرهابية.
أوروبا التي لدغتها الأزمة السورية، محقة اليوم في خشيتها أن تتحول ليبيا إلى سوريا أخرى على مرمى حجر منها، الأمر الذي سيترتب عليه استقبال المزيد من قوافل اللاجئين عبر البحر، والمزيد من الإرهاب داخل المدن الأوروبية، الدكتور كوستاس مافريديس، أشار بذكاء إلى كتاب “الموت الاستراتيجي” لمفكر تركي يجلّه أردوغان ويحاول تطبيق نظريته فيما يخص السياسة الخارجية، عبر إعادة إحياء السياسة العثمانية التوسعية.
ويعمل أردوغان على تطبيق هذه السياسة بحذافيرها في العالم الإسلامي منذ عدة سنوات، كما يقول كوستاس، وهو ما يضعه في مواجهة مباشرة مع باقي دول المنطقة، وبالتالي فإن هذه السياسة التوسعية التي لا تراعي القوانين الدولية هي جوهر المشكلة. التدخل التركي في سوريا، والآن في ليبيا، يجسد مرحلة ما بعد سياسة “صفر مشاكل”، وهي مرحلة مليئة بالعقبات، وصفها الدكتور ماغنوس نوريل الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، بالسياسة التوسعية التي تهدد الأمن والاستقرار، خاصة مع تنامي خطر الإسلام السياسي، الذي يتمدد في شمال إفريقيا، على الرغم من سقوط ما يعرف بخلافة داعش.
ويرى ماغنوس أن أردوغان قد نجح في تجميع أعداد كبيرة من الإرهابيين في شمال إفريقيا، أكثر مما كان عليه الأمر في كل
من سوريا والعراق، منبهاً إلى أن تركيا تستخدم المهاجرين لابتزاز الأوروبيين قد يشكل المؤتمر الذي شاركت فيه أكثر 80 شخصية وجمعية من 22 دولة بينهم 15 دبلوماسياً يمثلون عشرة بلدان أوروبية ومتوسطية، فرصة للأوروبيين كي يتذكروا أن أكبر الخسائر والكوارث البشرية تسبب بها أشخاص من أمثال رجب طيب أردوغان.