سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

هل ترضخ أوروبا لتهديدات أردوغان؟

اميل أمين –

لم تعرف تركيا في صورتها القديمة أو المُحدّثة إلا لغة التهديد والدم والنار، هكذا كان ديدنها طوال قرون العثمانيين الظلاميين والذين قادوا العالم العربي في طريق الانسداد التاريخي الذي لا تزال بعض من آثاره قائمة حتى الساعة، لم تكن أوروبا أقل نصيباً وإن فشل الأتراك في احتلالها رغم حروبهم الطويلة معها، وهذا ما يجعل عقلية أردوغان ممتلئة بالأحقاد التاريخية، تلك التي ترسخت بنوع خاص بعد رفض الاتحاد الأوروبي قبول بلاده كعضو فاعل ومشارك في مسارات ومساقات الحياة هناك.
لا يجيد أردوغان سوى لغة التهديد، ففي 2016 وفي إشارة للحدود التركية مع بلغاريا صاح السلطان المتوهم بالقول: “لقد بدأتم بالصياح عندما وصل 50 ألف لاجئ إلى حدود كابيكول، وبدأتم البحث عما ستفعلون إذا فتحت تركيا بواباتها انظروا جيدا إذا تابعتم سياساتكم ستفتح تلك الحدود يجب أن تعلموا ذلك، يتلاعب أردوغان بأوراق اللاجئين والمهجرين الذين لجأوا إلى تركيا هرباً مما جرى في الحرب الأهلية السورية، ومن جراء الدمار والخراب اللذين خلفهما مرتزقة داعش وسواها، وفي ظنه أن العالم غير مدرك الدور الخبيث الذي أذكى به الإرهاب الدموي في تلك المنطقة، والخطط الماورائية التي زخم بها الدواعش، ناهيك عن الدعم اللوجستي الذي لا يزال يقدمه لهم.
مرة جديدة يعيد الفاشي أردوغان تهديداته وإن كان الأمر مختلفاً بعض الشيء في الشهر الأخير، إذ جاءت تهديداته لمواجهة تحديين باتت أوروبا تمثلهما بالنسبة إليه، الأول خاص بما ترتكبه يداه من سفك جديد للدماء في مناطق شمال سوريا، والثاني موصول بالتنقيب عن النفط والغاز خارج المياه الإقليمية التركية، وبالقرب من اليونان وقبرص الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، خلال عملية غزو شمال سوريا تحدث أردوغان من جديد قائلاً: “أفيقوا يا دول الاتحاد الأوروبي، أقولها من جديد، إذا حاولتم وصم عمليتنا بالغزو ستفتح الأبواب ونرسل لكم أكثر من ثلاثة مليون مهاجر.
لا يتوقف إرهاب أردوغان عند حدود اللاجئين، بل تخطاه إلى إعادة تصدير الدواعش إلى أوروبا، لا سيما الأوربيين منهم، وهذا ما أعلنه وزير داخليته “سليمان صويلو” الذي أشار في خطاب له في أنقرة نقول لكم الآن إننا سنقوم بإعادتهم إليكم”، وتاليا باشرت تركيا بالفعل ترحيل الإرهابيين الأجانب من عناصر داعش الذين تعتقلهم معلنة إبعاد أميركي على أن يتم قريباً إبعاد 24 آخرين بينهم 11 فرنسيا و10 ألمان. منذ العام 2016 وأردوغان يتلقى من الاتحاد الأوروبي 2 مليار دولار كل عام من أجل استضافة المهجرين واللاجئين، أي أنه كان يتكسب من ورائهم، والمثير في المشهد إلى حد العجب أن أياً من تلك الأموال لم تنفق على هؤلاء البؤساء بل كانت تجد طريقها لتمويل الحرب في سوريا، الأمر الذي جعل الاتحاد الأوروبي مؤخرا يوقف دفع تلك الأموال، وهو ما أدى بأردوغان الديكتاتوري في واقع الحال للتهديد بفتح الحدود، بأكثر من قلقه وصف عملية شمال سوريا بالغزو التركي.
ما يخيف أردوغان بنوع خاص هو الوضع الاقتصادي بعد الأداء الأكثر سوءا لنظامه في الأعوام الأخيرة، وربما هذا هو ما يهمه بالدرجة الأولى، فالشعوب أيضاً تمشي على بطونها وليس الجيوش فقط كما قال إمبراطور فرنسا نابليون بونابرت ذات مرة قبل قرنين من الزمن. في هذا السياق يفر أردوغان من الداخل إلى الخارج، يسعى إلى تصدير مشاكله وانهياره السياسي إلى جيرانه، من خلال البحث والتنقيب عن الغاز في مناطق مياه تقع ضمن حدود قبرص واليونان، ويرفض إنذارات الاتحاد الأوروبي وعقوباته المتوقعة.
يجاهر كبير الفاشيين أردوغان خلال مؤتمر صحفي أخير له في أنقرة بقوة عضلاته المسلحة مُحدثاً الأوربيين “ليس لديكم مصلحة في توجيه إنذارات لتركيا بخصوص علاقاتنا مع قبرص لا نعلق أهمية كبرى على ذلك وسنواصل طريقنا، ومن جديد يذكر بأن تركيا تؤوي حوالي أربعة ملايين لاجئ، وإنها يمكن أن تفتح الأبواب أمامهم لكي يتجهوا إلى أوروبا”.
السؤال الجوهري هنا هل سترضخ أوروبا لتهديدات السلطان الدموي؟ ألا يوجد لديها من الأوراق ما يمكنها من الدفاع عن كرامتها أم أن صمتها الطويل على أردوغان وخططه الخبيثة في الداخل الأوروبي قد أضعفت من مقدرتها على الصد والرد والتحدي في مواجهة العثمانيين الجدد بقيادة الخليفة أردوغان؟ ويعلم رجل تركيا المريض الذي يشابه السلطان الأحمر عبد الحميد في نهايات أيامه، أنه وفقا للقانون الدولي فإن أوروبا يمكنها فعل الكثير على الصعيد المالي القادر على إصابة قلب تركيا العليل، أفعال من قبيل تجميد أصول وممتلكات وأرصدة، ضمن حزمة عقوبات اقتصادية، ودون التهديد بالتلويح باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي، أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة.
يمكن لأوروبا أن تصيب الاقتصاد التركي إصابة جسيمة تتسبب في شلل كبير لقطاعات معينة فيه، ذلك أنها إن أوقفت الاستيراد من أنقرة فسوف تخسر الأخيرة ما قيمته 76 مليار يورو أي أكثر من 80 مليار دولار كل عام، وهو أمر سوف تستتبعه ولا شك عقوبات على تصدير الأسلحة الأوروبية إلى تركيا. وأشار المؤلف الإيطالي والمحرر الثقافي لدى صحيفة “إل فوليو”، جوليو ميوتي بأن الأوروبيون تركوا أردوغان ينتشر ويتوغل في داخل أوروبا عبر أذرع الإسلام السياسي بنوع خاص، من خلال شبكة من الجمعيات والمراكز الثقافية، والمساجد التي تستخدم كمنصات إطلاق لأفكاره والتهيئة للقبض على روح أوروبا في لحظة بعينها، الأمر الذي اعتبره البعض بمثابة نشر لجواسيسه في أركان القارة الأوروبية بأكملها. الصدام الأوروبي التركي قادم لا محالة حيث يتكشف للأوروبيين أن أردوغان يسعى لبلورة نفوذ تركيا داخل الدول الأوروبية، فعلى سبيل المثال تسيطر تركيا على 900 مسجد من إجمالي 2400 مسجد في ألمانيا، والمثير أن مساجد أردوغان لا تخدم سوى الجالية التركية فقط، وتمنع أفرادها من الاندماج في المجتمع الألماني.
والمعروف أنه حين خاطب أردوغان الأتراك في ألمانيا فقد طالبهم برفض الاندماج، ووصف اندماج المهاجرين في أوروبا بالجريمة ضد الإنسانية، أما في النمسا فقد تحركت الدولة لإغلاق عدد من المساجد التي تستغلها تركيا لأهداف سياسية، بعد إعادة تمثيل أطفال في مسجد تموله أنقرة معركة “غاليبولي” في الحرب العالمية الأولى، ويواجه 60 إماما تركيا الطرد مع عائلاتهم. والخلاصة: المواجهة الأوروبية التركية قائمة دبلوماسيا وربما عسكرياً ولو على المدى الزمني المتوسط.