خلاصة بيدرسون… لا أحد مسؤول في سوريا

34
عبدالوهاب بدرخان / صحيفة الحياة –

ليس كبيراً الاختلاف في اللغة بين المبعوثَين الأمميين الحالي والسابق إلى سوريا، فكلاهما ملزم بحكم ما يمثّل اعتبار النظام في سوريا، ركيزة المهمّة التي انتدب لها والعملية السياسية “الجادة” التي يُفترض أن تؤكّد جدوى الأمم المتحدة ونجاحها في وظيفتها الدولية. لطالما وُصفت لغة ستافان دي ميستورا بأنها “جوفاء” أو “سطحية” و”خشبية”، ولطالما عبّر وبعضٌ من فريقه عن مجاملة مكشوفة للنظام على رغم الأهوال التي ارتكبها بعلمهم وكانوا يتجاهلونها خشية ألا يتعاون معهم. ومع أنه لم يكن متعاوناً حقّاً بل مضللاً ومتحايلاً في الجانب السياسي الذي يعنيهم، ولا متعاوناً في الجانب الإنساني والحقوق-الإنساني الذي يعني الهيئات التابعة للمنظمة الدولية ومع كل أسف كان الجميع يعلمون ذلك، فإن تقاريرهم دأبت على تجهيله كـ “طرف” أو كـ “فاعل” ينبغي إدانته أو لومه على أقل تقدير، تحديداً لأنه “الدولة المعترف بشرعيتها دولياً”، ما كرّس مفهوم أن الدولة والحكومة والشرعية يمكن أن تُقدِم على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأن تُعاملها الأمم المتحدة باعتبارها غير مسؤولة ومؤهّلة للإفلات من المحاسبة والعقاب.
عام وبيدرسون يراوح بالمكان
في قراءة للإحاطة الأخيرة للمبعوث غير بيدرسون، وهو يقارب إنهاء عام على تولّيه مهمته، كان واضحاً أن هناك إصراراً وتوسّعاً في التجهيل وإغراقاً للمعلومات في العموميات، حتى أنه يكاد يبدو محتقراً ذكاء مَن يصغي إليه، ولا سيما السوريين، مع أن الرجل مشهود له بالحصافة والرزانة أكثر من سلفه. فعلى سبيل المثال، استهلّ تقريره بعرضٍ سريع ومقتضب للوضع في شمال غربي سوريا، والحملة العسكرية التي تشنّها “القوات الموالية للنظام السوري في إدلب. حيث لا وجود ولا دور لروسيا إلا عندما يقفز فوراً إلى اجتماع الرئيسين الروسي والتركي و”تفاهمهما” على “كيفية تثبيت الوضع في إدلب”، ثم يحيي هذه الديبلوماسية رفيعة المستوى مع أننا نعلم ما حدث بين بوتن وأردوغان، في حين بم يتحدث عن العنف الشديد للقصف الروسي وسياسة الأرض المحروقة التي تحبذها موسكو عندما تبدأ كل صفقة، لا شيء عن مشاركة قوات روسية وأخرى لـ “حزب الله” وميليشيات إيرانية، وكأنها لم تطلق رصاصة واحدة، ولا شيء في العمق عمّا في اتفاق سوتشي من نفاق وتكاذب وتعهّدات حيث لا تستطيع تركيا الإيفاء حتى بجزء من إلتزاماتها.
كانت محنة إدلب ولا تزال تستحق من المبعوث الأممي أن يدعو المجتمع الدولي إلى العمل لتفادي تكرار نموذجَي الموصل أو الرقّة اللتين كان وجود “داعش” فيهما سبباً لتدميرهما واستحالة عودة السكان إليهما بعد “تحريرهما”، قال بيدرسون أن محاربة الإرهاب ينبغي ألّا تعرّض ملايين المدنيين للخطر، معتبراً أن الوضع في إدلب “يتطلّب حلاً سياسياً في المقام الأول”. كانت أطراف دولية عدة توصّلت إلى هذا الاستنتاج غير أن روسيا بديبلوماسيتها “رفيعة المستوى” ترى غير ذلك، وتريد إعادة إدلب إلى كنف النظام، علماً بأن سيطرة النظام في هذه الحالة لن تختلف عن “داعش” أو “هيئة تحرير الشام” تؤدّي في نهاية المطاف إلى التدمير والتهجير. وكانت “الهيئة” قدّمت نفسها على أنها مختلفة عن “داعش” لكنها لم تتمكن من إثبات ذلك بأي شكل، فهي ساهمت بفاعلية في تصفية فصائل المعارضة العسكرية، وكوادر المعارضة المدنية للنظام وتدافع الآن عن سلطتها أو بالأحرى تسلّطها، ولا مشروع آخر لديها، ومن أجل بقائها، ولن تبقى، تقيم علاقة مصالح مع تركيا وتمرّر إحداثيات ميدانية للأميركيين ليقصفوا “حراس الدين” و”أنصار التوحيد” وفصائل أخرى، علّها تعزّز وجودها، لكن وظيفتها ستنتهي يوماً.
أمن الحدود مع تركيا مغيّب
لم يبدُ بيدرسون معنيّاً بـ “المنطقة الآمنة” بل بالتوتر في شمال شرقي سوريا وكيف أن تفاهمات أميركية – تركية “ساهمت في تفادي انفجار الموقف”، ومع أنه يعرف جيداً أن ثمة ترابطاً بين إدلب والشمال الشرقي بسبب استياء روسيا من عدم اشراكها بمشروع “المنطقة الآمنة”، إلا أن المبعوث الدولي يتحاشى أي إشارة إلى ذلك ويفضّل الهرب إلى صيغة “الحاجة إلى تسوية سياسية حقيقية تضمن احترام سيادة سوريا”، وكإن هذه المنطقة لا تعني الحل في سوريا، مع أنها صارت مفرغة من أي معنى. وفي عرضه لما يسمّيه “التوتر بين إيران وإسرائيل” يعود إلى حثّ الأطراف على “احترام سيادة سوريا”، ولا رأي له بطبيعة الحال في أن النظام هو مَن وزّع تلك السيادة قطعاً لضمان بقائه.
أورد بيدرسون عشرة مخاطر قال إن العائلات السورية تواجهها في الداخل، وأضاف إشارة إلى ملايين اللاجئين الذين يواجهون عقبات أمام عودة آمنة وطوعية “بشكل يحفظ كرامتهم”… وعلى قاعدة ألا أحد مسؤول في سوريا، تبدو هذه المخاطر أو المآسي كأنها جاءت من المجهول وتمضي إلى المجهول، بلا محاسبة. وعلى بعد أيام من اليوم العالمي للمخفيين تطرّق بيدرسون إلى المفقودين السوريين، وهم يقدّرون بنحو 90 ألفاً بينهم أطفال ونساء أمكن توثيق حالاتهم، من دون أن يفصح عن المسؤولية المباشرة للنظام في إخفائهم، وهو الجهة التي ترفض إعطاء أي معلومات عنهم أو تمكين هيئة الصليب الأحمر الدولي من زيارة السجون والمعتقلين.
كان الرئيس الروسي وصف “مسار آستانا” أخيراً بأنه الأكثر فاعلية ونجاحاً، إلا أنه تجاهل كيف أن هذا المسار سجّل فشلاً فادحاً في معالجة ملف المسجونين والمفقودين، والكثير من الملفات الأخرى، أما الأمم المتحدة التي راقبت هذا المسار عن كثب فلم تستطع أن تحرّك هذا الملف الذي يُفترض أنها تحتاج إليه فيما تسمّيه “إجراءات بناء الثقة”. لكن المبعوث الأممي متفائل بحصول تقدّم من خلال اللجنة الرباعية (روسيا وإيران وتركيا والأمم المتحدة) وإشراك الصليب الأحمر، إلا أن المعتقلين الذي أفرج عنهم بعمليات تبادل يبقى عددهم رمزياً بالمقارنة مع العدد الحقيقي، وسط إغفال للذين تمت تصفيتهم بالتعذيب ولا يمكن الوصول إلى ما يوثّق مصيرهم، أما بالنسبة إلى المفقودين فلم يسبق للنظام أن تعاون جديّاً في ملف كهذا، فالمخفي عنده نادراً ما يظهر أو لا يظهر أبداً.
آستانا تقاسم للنفوذ بين ضامنيها
كالعادة، لا بدّ أن تتكرّر لازمة أنه “لا يوجد حل عسكري في سوريا”، وهذا ما فعله بيدرسون على رغم يقينه بأن ما يحصل منذ منتصف 2011، وتحديداً منذ خريف 2015 مع التدخّل الروسي حتى الآن، هو بالتأكيد حلٌّ عسكري يُستخدم لرسم معالم الحل السياسي. لا شك أن بيدرسون اطلع على الملفات وأدرك أن المبعوثين الثلاثة السابقين واجهوا عمليات تضليل من جانب النظام دائماً ثم الإيرانيين والروس، سواء للتلاعب بالقرارات الدولية أو لتوجيه المفاوضات بقصد إفراغ الحل السياسي من أي مضمون تغيير أو انتقالي. لم يغادر هؤلاء اللاعبون “مربع الحل السياسي” الذي رسمه النظام منذ البداية وتبنّاه الروس من دون أي تعديل، وهو الحلّ داخل النظام الذي لا يزالون يتحايلون لتمريره بمشاركة تركيا في “مسار استانا” واختزاله بـ “اللجنة الدستورية” والانتخابات، وليس خافياً أن التوصل إلى “إطار الحلّ” هذا، بما فيه التلاعب بتركيبة اللجنة الدستورية”، تمّ بالضغط العسكري الروسي الأقصى وليس بالعمل السياسي.
في النهاية يعترف المبعوث الأممي بأنه لا يستطيع عمل أي شيء إذا لم تتحمل الأطراف الدولية مسؤوليتها، لكن أي “مسؤولية” يمكن توقّعها فيما يتنافس اللاعبون على الخريطة السورية، فالروس يكرّرون في كل مناسبة تمسّكهم بـ “وحدة أراضي سوريا، وإذا تمكنوا من ذلك فإنهم يصرّون في المقابل على بقاء النظام الذي يديرون سيطرتهم من خلاله، علماً بأن “مسار استانا” ولد واستمرّ كإطار لتقاسم النفوذ أكثر مما هو للحفاظ على وحدة البلد، فأي وحدة ممكنة مع عمليات التفريس والتشييع، كذلك التتريك والأخونة، في العمق السوري لما لتلك الدول من مطامع قديمة وحديثة في سوريا. أما الاميركيون فهم أكثر اهتماماً بالوضع المستقبلي لشمال شرقي سوريا، وهم يحاولون إيجاد صيغة لتوافق ما بين الكرد والأتراك، وصيغة توافقية بين شعوب المنطقة، كل ذلك يختصره بيدرسون بـ “تشجيع” الولايات المتحدة وروسيا على “تعميق الحوار الثنائي” بينهما، وهو ما جُرّب ولم يفلح إلى الآن.