سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

حماية الحدود بين الواقع والمطلوب

 رفيق ابراهيم –

يتحدث الجميع في هذه الأيام عما يسمى بالمنطقة الآمنة، ما هي، كيف ستكون، وما المطلوب كي تكون فعلاً هذه التسمية حقيقية على أرض الواقع. المنطقة التي يريدون إقامة ما يسمونها بالآمنة عليها هي الوحيدة التي ليست بحاجة إلى حماية لأن أبناءها يحمونها بكل شجاعة واقتدار، وهي ليست بحاجة إلى قيام منطقة آمنة، فهل يعقل بالفعل قيام ما تسمى بالمنطقة الآمنة ضمن الشمال السوري الآمن بالأصل؟ فمنذ سبع سنوات مضت قام أهالي شمال سوريا بكردهم وعربهم وسريانيهم، وبقية الشعوب الأخرى بحماية أنفسهم وقيادة مناطقهم وبناء مؤسساتهم وإدارتهم الذاتية، التي حققت إنجازات هامة على جميع الأصعدة، وبخاصة الشق العسكري والأمني. ويشهد العالم أجمع على ما حققته قوات سوريا الديمقراطية، ووحدات حماية الشعب وحماية المرأة، وما لعبوا من دور كبير في حماية وتحرير المنطقة من دنس الإرهاب الداعشي وأخواته، هذا الإرهاب الذي أرهب البلاد والعباد لأكثر من أربع سنوات خلت، إذاً مناطق شمال وشرق سوريا بالأصل آمنة وبخاصة بعد القضاء على مرتزقة داعش عسكرياً. وبالفعل بعد انتهاء المرحلة الأولى بدأت المرحلة الثانية وهي مرحلة القضاء على الأفكار المتطرفة التي زرعتها داعش في المنطقة خلال سنوات تواجدها، ولولا التهديدات التركية المستمرة لشهدت المنطقة بأكملها ازدهاراً وانتعاشاً كبيراً، وفي جميع المجالات، ولكن هذه التهديدات أثرت بشكل كبير على جميع مفاصل الحياة.
ولذلك أن أي اتفاقية سلام بين الإدارة الذاتية والدولة التركية ستكون بمثابة بداية مرحلة جديدة، لهذا كان لا بد من المفاوضات الغير مباشرة وعبر وسيط هذا ما تفعله أمريكا الوسيط، الذي يحاول منع حدوث صدام بين حليفيها في المنطقة التي قد لا تتحمل حدوث حرب فيها، فقد تكون نهايتها طويلة إن حدثت. وباعتقادي أن الأمريكان ودول التحالف ليسوا بتلك السذاجة كي يفتحوا الطريق أمام هذه الحرب التي لا أحد يتوقع ما يصدر عنها من نتائج كارثية، وأظن أن الطرف التركي يدرك هذه النقطة تماماً، والتهديدات التركية تصب في خانة أطلب الكثير كي تحصل على اليسير، وإذا كان هدف تركيا بالفعل هو حماية حدودها وأمنها القومي، فإقامة مثل تلك المنطقة بموافقة ومشاركة ومراقبة دولية هو الحل الواقعي والمناسب. وإن لم تكن كذلك فلن يسمح لها بأي شكل من الأشكال، وهي تعلم أن طلباتها التعجيزية من المستحيل تحقيقها والقبول بها، لأن مصالح الآخرين لا تسمح بالتوغل التركي لاحتلال المنطقة، والسيطرة على شمال وشرق سوريا وبخاصة أن الجميع ينادي بوحدة الأراضي السورية هذا أولاً، والناحية الأخرى الأهم هي وحدة الصف والكلمة التي تنادي بها شعوب المنطقة للتصدي لأي عدوان محتمل، لذلك فأن أية عملية تركية ستؤدي بالنهاية إلى تقسيم سوريا عملياً، وهذا ما لا يمكن تطبيقه في هذه المراحل، وهناك الآلاف من مرتزقة داعش في سجون الإدارة الذاتية، وآلاف أخرى في غرب الفرات أي مناطق سيطرة النظام السوري، وأي هجوم تركي سيفسح المجال لهؤلاء للعودة مرةً أخرى، والقيام بعمليات انتقامية في المنطقة وسيشكلون خطراً كبيراً على العالم بأسره وهذه ناحية هامة جداً. وستؤخذ هذه الناحية بعين الاعتبار لأن جهود أكثر من أربع سنوات في مكافحة الإرهاب، لا يمكن التنازل عنها لمجرد إرضاء تركيا، والتي كانت ولا تزال لها يد في تقوية شوكة داعش والمجاميع الإرهابية الأخرى.
إن إقامة منطقة لأمن الحدود بين دجلة والفرات وتحت إشراف دولي سيشكل نقطة التحول في الحفاظ على مكتسبات الإدارة الذاتية والأمن في المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى سيبدد المخاوف التركية التي تتذرع بها، وفي نهاية المطاف ستستفيد منها شعوب المنطقة، وستقلل فرص المواجهة العسكرية التي لن تجلب إلا الخراب والدمار والكوارث، وهذا ما ترفضه جميع الأطراف إلا الطرف التركي المُصِر على التهديد. وما تسمى بالمنطقة الآمنة بالعرف التركي وما تطلبه بعمق أكثر من ثلاثين كيلومتراً، وتكون تحت إشرافها المباشر ومساهمة المرتزقة فيها، هي مرفوضة جملةً وتفصيلاً من قبل جميع الأطراف المتداخلة في الأزمة السورية، وبخاصة الطرف المعني بالمسألة بشكل خاص، الإدارة الذاتية، ومجلس سوريا الديمقراطية، وشعوب شمال وشرق سوريا كافة. ونحن كشعوب شمال وشرق سوريا هدفنا ليس قتل الناطور، ولكن الحصول على العنب، كما إننا لسنا هواة حرب وقتل وتدمير كما أثبتنا غير مرة، والسنين الماضية تؤكد ذلك، ودائماً سعينا وكان هدفنا السلام والحلول السياسية، حيث نبذنا لغة السلاح وسلكنا طريق الحوار والأخوّة الصادقة، وكنا السباقين في تطبيق مبدأ الحلول السياسية للأزمة السورية، وكان موقفنا دائماً موقف المدافع عن الحقوق والأرض والمبادئ، ولا زالت شعوب المنطقة تقاوم شتى أنواع التهديدات الداخلية والخارجية، وهي مصرّة على المضي قُدماً في تحقيق أهدافها في العيش بسلام وأمان وكرامة.