إرادة الشعوب هي من تنتصر في النهاية

102
مصطفى الخليل –

تشهد الساحة السورية تجاذبات سياسية على الجهات كافة، وما يزيد من معاناة الشعب السوري هو التدخلات الدولية والإقليمية في شؤون سوريا، وذلك من خلال تجنيد المرتزقة لمحاربة السوريين. والذي يسمح لتركيا أن تتجاوز الخطوط الحمراء في المنطقة هي النفوس الضعيفة التي تركض وراء الدولار مقابل بيع الوطن، وشرف العيش فيه. وهم يعلمون أن الوطن لا يُباع ولا يشترى ولكن الذي يبيع الشرف والإخلاص للوطن يخون، فهذه خيانة عظمى تستوجب العقوبة القصوى؛ لأن هناك شهداء أفدوا روحهم مقابل أن يبقى الوطن حراً، والشهيد تخلى عن كل ما يملك حتى تستمر المقاومة، وهناك مقولة تقول “من لا يدافع عن الوطن لا يستحق العيش فيه”.
 لن نخوض كثيراً في مسائل الإخلاص للوطن وبيعه للآخرين؛ لأن هذا الأمر أمر أخلاقي يتعلق بضمير الإنسان، الذي عاش في ظله وتنعم من نعيمه، وفي هذه الأيام التي نعيشها والتي تصادف الذكرى الأولى للعدوان التركي ومرتزقته بشنّ هجمات على مدينة الزيتون عفرين، الواقعة في الشمال السوري والتي يسكنها جميع المكونات مع الغالبية للمكون الكردي، وتقاسمت هذه المكونات خيرات الأرض وعاشت خلال السنوات الماضية في سلام وأمن مع جيرانها، وكذلك مقاومة أبناء هذه المدينة مدة شهرين تحت القصف والهجمات. ومن هذه المنطقة؛ كان الاحتلال التركي يهدف إلى زعزعة وخلخلة التعايش السلمي لأهالي المنطقة التي يقطنها أناس تحلّوا بالأخلاق السورية أكانوا كرداً أم عرباً أو شركساً، فالكردي كالعربي يمدون يد الأخوة والتواصل مع غيرهم لتجمعهم أخوة شاملة لكل الأجناس والقوميات منطلقة من فكر أخوّة الشعوب والعيش في ظلها كما عاشوا منذ فجر التاريخ سوية. لكن؛ المحتل التركي ليس له أية وجود في تاريخ المنطقة، وهذا الأمر بات معروفاً لدى كل باحث في التاريخ؛ لأن تاريخ تركيا في المنطقة تاريخ أسود، ويتميز العصر العثماني في مناطقنا بعصر الانحطاط.  وفكر الأمة الديمقراطية الذي ينادي به أوجلان والذي عبّر فيه عن أهمية امتلاك الرؤية السليمة للقيادة رغم وجوده في غياهب السجون التركية، وشكل هذا الفكر خطراً ليس فقط على تركيا وإنما على الدول الرأسمالية بشكل عام، فكان الحل الوحيد أنهم تكالبوا عليه ووضعوه في جزيرة نائية. ولكنهم؛ لم يستطيعوا سجن فكره، فكسر قوانين الاقتصاد الرأسمالية الاحتكارية ليحل مكانه الاقتصاد الاجتماعي وليجعل من قيود وعبودية المرأة، سلاحاً تدافع به المرأة عن نفسها، لتبني شخصيتها الحرة، وتصبح نموذجاً للمرأة الحرة التي تقود المجتمع، كما ربط فكر أوجلان حرية المجتمعات بحرية المرأة وجعل اللوحة الرأسمالية ومثلثها العام المال ثم المال ثم المال ضرباً من الماضي في مراكز الاحتكار وجعل المرأة إنساناً لا سلعة تشترى وتباع، لتكون اليوم قوة تضرب بها المثل.
ولا تكمن أسباب الاحتلال التركي للأراضي السورية في فكر الأمة الديمقراطية فقط، وإنما تحقيق أطماعها الاستعمارية التي لم تتخلَ عنها، بعد خروجها من سوريا ولسلخ مناطق جديدة منها لتضمها لأخرى محتلة سابقاً كلواء إسكندرون، وممارسة سياستها فيها من التغيير الديمغرافي ونشر اللغة التركية وفرضها في المدارس، وتسمية المناطق بأسماء تركية، وقد ظهر ذلك جلياً ليس فقط  في احتلال عفرين، بل احتلال جرابلس والباب وإعزاز، حيث من المعروف أن تركيا تبيع وتشتري وتقايض المناطق مع اللاعبين السياسيين والعسكريين على الأراضي السورية، لتحقيق مصالحها بدون التشاور مع حلفائها أو بالاصطلاح الصحيح مرتزقتها فقد باعت حلب و بعدها الغوطة بالرغم من الخطوط الحمراء التي رسمها أردوغان في سياسته مقابل  صفقة سياسية على حساب فصائل ما سمي بالجيش الحر لتحتل مدينة عفرين بعد مقاومة استمرت أكثر من خمسين يوماً شارك بها جميع فئات المجتمع في مدينة عفرين بالتعاون مع حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، وقد ظهرت خلال المقاومة نقاط إيجابية تمثلت في وقوف الشعب إلى جانب المقاومة، والتي أعطاها القوة والعزيمة للتصدي للعدوان الذي استخدم كافة أنواع الأسلحة والطائرات والمدافع الحديثة، التي تم تصنيعها في مصانع الرأسمالية لقتل الشعوب التي ترفض الخضوع لقوانينها وجعلوا من المقاومة قلعة صمود تقف في وجه المعتدي الغاصب؛ ما أنزل خسائر كبيرة في المحتل ومرتزقته، والنقطة الأخرى هو صعود مقاومة المرأة وتصديها للمحتل ومحاربتها في الخطوط الأمامية لجبهات القتال، وتمثلت في استشهاد الكثير من المقاتلات اللاتي نفذن عمليات فدائية قل نظيرها في التاريخ، أمثال الشهيدة أفيستا خابور وبارين كوباني. وقد قدمت المرأة كل ما لديها من قوة للوقوف في وجه الغزاة، حتى تثبت للعالم أن المرأة السورية سواء أكانت كردية أو عربية أم سريانية أم شركسية، مستمرة بالوقوف في وجه الدبابة المجنزرة من المحتل لتقول كلمة حق لا للاحتلال، نعم للصمود والمقاومة. وقد كان لها الدور الفعال في المقاومة وسيفتخر العالم بالتضحيات التي قدمتها ضمن صفوف وحدات حماية المرأة في مدينة عفرين خلال التصدي للعدوان التركي.
وبعد الاحتلال بدأ مسلسل جديداً من الاحتلالات بفصولها الجديدة التي تمثلت بنشر الكراهية و المآسي والتي بدأت بسرقة ونهب أموال الأهالي وطرد السكان الأصليين وتوطين المرتزقة في المنطقة، ولم تسلم منهم حتى الحيوانات والشجر والحجر في عفرين، حيث كانت هناك عدة مواقف عن المرتزقة مثل سرقة الدجاج العفريني، وهم في الحقيقة ثعالب ولكن ثعالب بهيئة بشر وكان المحتل التركي هو من يوجه تلك الثعالب الماكرة إلى عفرين، وتم  تغيير اسماء المناطق بأسماء تركية في محاولة لتتريكها وفرض اللغة التركية لمحو ثقافة المنطقة، التي تعد أعرق من ثقافة الأتراك الدموية، وقامت بسرقة موسم الزيتون، حيث تعد عفرين من المناطق السورية المعروفة بأشجار الزيتون التي تنتشر فيها بشكل كبير. ولكن؛ القرار الذي اتخذ من قِبل أهالي عفرين هو المقاومة حتى النصر، وهو مستمر على الجبهات والميادين كافة، حيث تضرب المقاومة المستمرة سواء بالصمود في مخيمات اللجوء بمناطق الشهباء أو الصمود في قلب عفرين مع الإصرار على تحرير الأراضي من المحتل وطرد الغزاة ومحاسبة المرتزقة الذين باعوا ضمائرهم وقتلوا أبناء الوطن وسرقوا الأموال.
ومع مرور عام على المقاومة؛ لا بد أن تنتصر إرادة الشعوب وينهزم المحتل خائباً يجرّ أذيال الهزيمة تحت ضربات أبناء شعوب المنطقة التي لا ترضى بالخضوع للمحتل وكما قال الشاعر:
          إذا الشعب يوماً أراد الحياة                فلا بدَّ أن يستجيب القدر.