توصيات لحماية المرأة من الانتهاكات التركية في عفرين

25
ألقت الدكتور في القانون الدولي وعضوة منظمة نداء وأستاذة القانون زوزان إبراهيم محاضرة في ملتقى الحوار السوري ـ السوري حول “التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي في عفرين”؛ الذي انعقد في عين عيسى في الثاني والثالث والرابع من شهر كانون الأول الجاري، وجاء في المحاضرة:
“حررت وحدات حماية الشعب والمرأة مقاطعة عفرين من قوات النظام السوري، وتم الإعلان عن  الإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعات روج آفا الثلاث “الجزيرة، كوباني، عفرين ” وأخذت المرأة مكانتها ضمن الإدارة واستطاعت أن تلعب دوراً هاماً في نظام الإدارة الذاتية وأن يكون لها دور فعال في اتخاذ  القرار في المقاطعات الثلاث، وشغلت مناصب عُليا ومنها منصب الرئاسة المشتركة في أغلب هيئات ومؤسسات الإدارة، ولعبت دوراً متميزاً في  بناء الأسس الديمقراطية للإدارة مستندة إلى التنظيم التشاركي، وبناء المجالس والأكاديميات والجمعيات الخاصة بالمرأة، هذا بالإضافة إلى تشكيل قوة خاصة من النساء (وحدات حماية المرأة) مهمتها الدفاع عن نفسها ضد أي خطر يهدد وجودها، ولدورها ومكانتها  العظيمة  سُميت  ثورة روج آفا باسمها.
وكذلك صدور قانون خاص بها يحفظ لها حقوقها، ويعيد إليها كرامتها حيث مُنِع بموجب هذا القانون تعدد الزوجات، وزواج القاصرات، ومُنحِت حقَّ الحضانة والولاية على الأطفال، وكذلك مُنِع الطلاق بإرادة الزوج المنفردة.
لم تتقبل الدولة التركية فكرة مشروع الإدارة الذاتية في مناطق شمال وشرق سوريا، وحاولت بشتى الطرق ضرب المشروع الديمقراطي وقامت بشن حرب على المنطقة وبالتعاون مع 20 ألف مرتزق من الفصائل الإسلامية المتطرفة بتاريخ 20/1/2014 بحجة محاربة الإرهاب، والمحافظة على أمنها القومي, وخلال هجومها انتهكت جميع القوانين والمواثيق الدولية، وكان للمرأة النصيب الأكبر من هذه الانتهاكات. وعليه سنتطرق إلى انتهاكات الدولة التركية لحقوق المرأة أثناء الهجوم على عفرين، والانتهاكات التي اُرتُكِبت بعد احتلال عفرين.
انتهاكات الدولة التركية لحقوق المرأة خلال الهجوم على عفرين
على اعتبار أن تركيا جزء من معاهدات جنيف الأربعة، فهي مُلزمة بتطبيق القانون الدولي الإنساني، أو بما يُعرف بقانون النزاعات المسلحة، وهذا القانون يضع قواعد السلوك التي يجب أن تُتبع في النزاعات المسلحة. ولهذه القواعد طابع إنساني وتهدف إجمالاً إلى الحد من المعاناة الناجمة عن النزاع المسلح. ويبدأ قانون النزاعات المسلحة بفكرة إن النزاعات المسلحة لا بد أن تقع. وهو لا يهتم بأسباب النزاع أو بالتبريرات المتعلقة به، أو إذا كان استخدام الأطراف للقوة مشروعاً أم لا.
بتعبير آخر، لا يكترث هذا القانون بمعرفة من هو على صواب ومن هو على خطأ  بكون أحد  الطرفين الطرف الأضعف مادياً في النزاع المسلح، فإن هذا الواقع لا يعفيه من التزامه باحترام القانون الدولي الإنساني للتخفيف من ويلات الحرب سواء على المدنيين أو المقاتلين الذين أصبحوا عاجزين عن القتال، وهي تدعو إلى حصر العمليّات بالأهداف العسكريّة دون سواها، وعدم توجيه هجمات ضدّ المدنيّين أو الأعيان المدنيّة، وعدم استخدام أسلحة محظورة، وجمع الجرحى والموتى، وتقديم الرعاية اللازمة لهم، بالإضافة إلى معاملة جميع الأشخاص معاملةً إنسانيّة، والامتناع عن أخذ الرهائن، أو استخدام الدروع البشريّة، وعدم ترحيل السكان المدنيّين، واحترام الممتلكات المدنيّة، والامتناع عن السلب أو السرقة، وحماية الأطفال وتقديم الرعاية لهم واحترام وحماية الطواقم الطبيّة والأعيان الطبيّة، بما في ذلك تلك التي تحمل شارة الصليب الأحمر (الهلال الأحمر) الكريستالة الحمراء، والسماح بعمليات الإغاثة الإنسانيّة المحايدة وتسهيل وصولها إلى المدنيّين الذين يحتاجون إليها، والامتناع عن الثأر وأعمال الانتقام التي تنتهك قانون النزاعات المسلّحة. أما النساء فلهن الحق في المعاملة الإنسانية، وفي المحافظة على حياتهن وعدم التعرض لهن وممارسة التعذيب بحقهن أو المعاملة المهينة أو العنف أو التحرش أو أخذهن كرهائن، وهناك حماية خاصة للنساء على الحالات التي يتعرضن فيها للحجز أو الاعتقال. وُيمنع إصدار أحكام وتنفيذ عقوبات بحقهن دون إجراء محاكمة عادلة سابقة تم تشكيلها وفق القانون  بموجب المادة 27 الفقرة 2 من اتفاقية جنيف الرابعة.
ومن أهم المبادئ في اتفاقيات جنيف والبروتوكولين الملحقين هو عدم التمييز بين الرجل والمرأة أي المساواة بين الاثنين وهذا ما أشارت إليه المادة 12 من الاتفاقية الأولى والمادة 16 من الاتفاقية الثالثة والمادة 27 من الاتفاقية الرابعة والمادة 75 من البروتوكول الأول والمادة 4 من البروتوكول الثاني. ولكن منذ بدء هجوم الدولة التركية والفصائل الإسلامية المتطرفة الموالية لها على مدينة عفرين  بتاريخ 20/1/2018 أصبحت المدينة خاوية من سكانها الأصليين، واستوطنتها مجموعات محتلة تابعة لدولة الاحتلال التركي، ويعيثون فيها خراباً إذ قاموا بسرقة ونهب ممتلكات الأهالي، وأحرقوا البساتين، ودمروا الطبيعة وانتهكوا الأعراض، وقاموا بتغيير أسماء المحال التجارية والشوارع، أما العنف بحق النساء فكان له النصيب الأكبر فأصبحت أجسادهن امتداداً لأرض المعركة ومُورس عليهن العنف الجسدي والنفسي والمعنوي كوسيلة لإذلال الخصوم وتدمير مجتمعات بأكملها، وتغيير ديمغرافية المناطق، وأرغموا النساء على ارتداء الحجاب والنقاب وبذلك حدوا من الحرية الشخصية.
التهجير القسري والموت نتيجة الهجمات العسكرية
إضافة إلى حالات الوفاة الناجمة عن القصف، والأسلحة، وإطلاق القذائف وهناك عوامل أخرى ارتبطت بالوفاة، فالكثير من النساء فقدنَ حياتهن متأثرات بأعمال العنف والتهجير، مثل الافتقار إلى الخدمات الأساسية الضرورية والجوع والجفاف والأمراض ونقصان الأدوية والعقاقير والمؤن الرئيسية. وقد فرَّت الكثير من العائلات هرباً من مناطق الصراع دون اصطحاب أية أمتعة أو متعلقات، ولذلك فهي تفتقر إلى المستلزمات الرئيسية والضرورية. مثلاً فقدت خديجة خليل ذات الستين عاماً حياتها، وهي من أهالي قرية “بافلور” التابعة لناحية جندريسه على طريق كيمار أثناء هروبهم، فقد كانت تعاني من مرض السكري. بينما كانت برفقة زوجها وابنتها التي سارعت إلى البحث عن الماء في القرى القريبة، لكن ابنتها فوجئت بوفاة أمها عطشاً فقاموا بدفنها في الطريق بين الأراضي الزراعية وبعدها أكملوا طريق العودة إلى قريتهم مع القافلة مشياً على الأقدام بانتظار تقديم الأوراق للحاجز التابع للاحتلال التركي وإخراج الجثة مجدداً لدفنها في قريتها. وكذلك فقدت المواطنة صباح زينل 62 عاماً من قرية تلف التابعة لناحية جندريسه حياتها بعد معاناتها مع مرض الفشل الكلوي في مدينة نبل الخاضعة لسيطرة النظام، نتيجة ضعف الرعاية الطبية اللازمة. وكذلك تزايد حالات الوفيات بين كبار السن من أبناء عفرين وذلك نظراً لعدم سماح الدولة المحتلة والفصائل المرتبطة بها بدخول المنظمات الإغاثية الإنسانية إلى هناك.
الخطف والتعذيب
تم خطف النساء على نطاق واسع، وذلك منذ اندلاع الصراع في عفرين، بما فيها الاختفاء القسري والخطف مقابل فدية أو بهدف الإتجار، وحتى في حالة إطلاق سراح الضحية، فغالباً ما يترتب على الخطف عواقب وخيمة، فالمخاوف المرتبطة بشرف العائلة ستُحتّم وصف النساء المخطوفات مدى الحياة في أفضل الظروف بأقبح الأوصاف، وقد يتعرضن للقتل على أيدي ذويهن، حيث أنه كثيراً ما سيُفترض بأن المرأة التي تم اختطافها قد تم أيضاً الاعتداء عليها جنسياً، بغض النظر عما إذا كان ذلك قد حدث بالفعل أو لم يحدث. وقد سُجِلت 36 حالة خطف، ومن المُرجح أن تكون الأعداد أكبر من هذا بكثير، حيث تمتنع العديد من العائلات عن الإبلاغ عن اختطاف بناتهن.
العنف الجنسي والاغتصاب
لحساسية هذا الموضوع فقد تعذر الحصول على معلومات وإحصائيات دقيقة من الجهات المختصة، حيث تحول الأفكار والمعتقدات القديمة المتعلقة بالشرف دون إبلاغ الغالبية العظمى من الضحايا عن تلك الوقائع، وبالأخص من يمتنعنَ عن الإفصاح عنها لعائلاتهن. وبحسب الاحصائيات المتوفرة فقد بلغ عدد ضحايا الاعتداءات الجنسية بـ 46 حالة.
انتهاكات الدولة التركية بعد الاحتلال
بموجب لائحة لاهاي لعام ١٩٠٧ (المواد من ٤٢-٥٦) واتفاقية جنيف الرابعة (المواد من ٢٧-٣٤-٤٧-٧٨) إضافةً إلى بعض أحكام البروتوكول الإضافي الأول، والقانون الدولي الإنساني العرفي، أصبحت عفرين منطقة محتلة من قِبل القوات التركية، والفصائل المعارضة لها بتاريخ 18/3/2018، وبناء على ذلك يترتب على الدولة التركية المحتلة والفصائل المسلحة الموالية لها العديد من الالتزامات بموجب هذه الاتفاقيات ولا سيما أحكام الاتفاقية التي تُوجِب على القوة المحتلة حماية الوضع الراهن وحقوق الإنسان، كما تُلزم الاتفاقية جميع الدول والأطراف المعنية بتنفيذ الاتفاقية في مواجهة الانتهاكات الخطيرة  في الأراضي التي احتلتها. مع ذلك نجد أن تركيا مارست منذ اليوم الأول من احتلالها سواءً بشكل مباشر أو عبر فصائل سورية مسلحة مرتزقة موالية وتابعة لها، العديد من الجرائم والانتهاكات الخطيرة وبمختلف صورها وحدّتها وصولاً إلى أكثرها قسوةً وبشاعة، من سرقةٍ وسلبٍ ونهبٍ وقتلٍ و تعذيبٍ واعتداءاتٍ وتصفياتٍ جسدية واختفاء وتهجير قسري للسكان وتغيير ديمغرافي ممنهج، وغيرها من الجرائم التي تندرج في أغلبها تحت ما يعتبره القانون الدولي الإنساني جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وهذا ما أكدته تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، فمثلاً تعرضت طفلة تبلغ من العمر عامين في عفرين للقتل بعد اغتصابها وقتل والدتها من قِبل ثلاثة شبان، وسط سخط من الأهالي من تردي الأوضاع الأمنية في المنطقة. ووجدت قوات الشرطة والأمن العام الوطني الحر الطفلة، وأمها مقتولتين، بمنزل في قرية “كوركا” التابعة لناحية معبطلي بمدينة عفرين، وأفادت مصادر محلية في عفرين بأن رئيس فرع ما يسمى «مكافحة المخدرات» في المدينة «محمود سلو» قام بعمليات اغتصاب طالت عدة نساء في المدينة، آخرها فتاة قاصرة وامرأة حامل في شهرها الثالث، مما أدى إلى إجهاض جنينها، كما تم أيضاً استهداف النساء المهنيات في شتى أنحاء عفرين بسبب مشاركتهن في المجال العام، سواء من خلال عملهن كفنانات أو طبيبات أو صحفيات أو ناشطات.
فخلال الفترة اللاحقة للاحتلال، أصبح من الخطر ممارسة النساء لأدوار خارج النطاق المنزلي، فمثلاً أطلقت الفصائل التابعة للاحتلال التركي الرصاص الحي على الفنانة التشكيلية بهارين بيرنو على حاجز ترندة في عفرين، حيث اخترقت الرصاصة صدرها، ونقلت على أثرها إلى المستشفى ولا توجد أخبار عن حالتها الصحية حتى الآن.
إذاً :هناك دولة احتلال لا تتعاطى بالمطلق مع الجزء المحتل وسكانه بمنطق القانون، بل أطلقت يد العناصر المسلحة لتفعل ما تشاء، أولئك العناصر الذين يحملون أفكاراً وأمراضاً وعقائد متطرفة، وتشدداً، دينياً ومذهبياً وطائفياً وعرقيّاً وقومياً وغيره، ويرون في المكوّن الكردي الذي تنتمي إليه الغالبية العظمى من سكان عفرين، ويرون في الديانة الإيزيدية التي يؤمن بها إخوة لنا في عفرين، كفرة ملحدين انفصاليين خونة ودماؤهم مستباحة.
وكما نعلم فإن ذلك الواقع وبتلك الصورة المأساوية والوصف والحقيقة يعتبره القانون الدولي الإنساني جريمة ضد الإنسانية، وهذا ما ورد في صريح مواد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها ١٣٣/٤٧ تاريخ ١٨/١٢/١٩٩٢ (11)، وهو ما أكدته أيضاً المادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ١٧/٧/١٩٩٨. أضف إلى ذلك المواد ذات الشأن بمعاملة النساء وفق ما تم ذكره سابقاً في اتفاقيات جنيف 1949 وبروتوكولاتها لعام 1977م.
الخاتمة والتوصيات
وختاماً؛ وسنداً لكل ذلك وبإسقاط أو مقارنة تلك المواد والقوانين والاتفاقيات مع الواقع أو الوقائع والأحداث في عفرين حتى لحظة إعداد هذا الموضوع نرى أنّها مطابقة ومتطابقة، وأنّ ما يحدث يمكن اعتبارها جرائم واضحة ومستمرّة ضمن الإطار الذي تناولته تلك المواد والاتفاقيات. والأغرب من كل ذلك برأينا هو أن التثبّت من تلك الجرائم وحقيقتها وجمع الأدلّة وحقيقة ما يجري في عفرين ككل ليس بالأمر الصعب أو المهمّة الشاقّة متى توفّرت النيّة والرغبة الدولية عبر أطرافها وجهاتها ومنظماتها ومؤسساتها ذات الشأن. فقد بات لزاماً ووجوباً على تلك الجهات الدولية أو الأممية تحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية قبل كل شيء تجاه ما يجري  في عفرين. وإجراء تحقيقات عادلة ونزيهة وشفافة بمعايير القانون الدولي، وإحالة تلك الملفّات والتحقيقات ومرتكبي تلك الجرائم أصولاً إلى المراجع المختصة وعلى رأسها محكمة الجنايات الدوليّة.
وعليه نورد بعض التوصيات:
ـ يجب اتخاذ الخطوات التي من شأنها منع نقل الأسلحة والموارد المالية للجماعات التي ترتكب انتهاكات جسيمة بحق المرأة.
 ـ مراعاة الاحتياجات المحددة للنساء المُهجرات في سياق برامج المساعدات الإنسانية وزيادة مخصصات الدعم الطبي والعاطفي والنفسي لضحايا العنف الجنسي.
 ـ العمل على تشكيل لجنة تقصّي حقائق وإرسالها إلى عفرين للتحقق والتثبت من الإساءات والانتهاكات التي تمس القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ومصدرها ومرتكبيها، بغية تقديمهم لمحاكمات عادلة.
 ـ إلزام تركيا كدولة عضوة في المؤسسة الدولية باحترام العهود والمواثيق الدولية، وأن يعترف المجتمع الدولي بأن تركيا دولة محتلة للقيام بواجباتها (كدولة احتلال) على مختلف الأصعدة كما تحددها المواثيق الدولية. ـ مطالبة تركيا بإفساح المجال لوسائل الإعلام واللجان والمنظمات الدولية الإنسانية والإغاثية والحقوقية كافة ومنظمات المجتمع المدني بدخول عفرين وإدخال كافة المستلزمات، والمواد الإغاثية، وتأمين الحماية والضمانات الكافية للجهات المختصة.

وكالة هاوار