الدولة التركية اللعب مع الكبار… والأطماع التاريخية

28
رفيق ابراهيم –

لم يَعُد بخافٍ على أحد ما تقوم بها الدولة التركية من خلط للأوراق في المنطقة وبخاصة في الأزمة السورية، فبعد ما ساءت العلاقات التركية ـ الروسية عقب إسقاط تركيا الطائرة العسكرية الروسية، وجميعنا نعلم أين وصلت العلاقة بين الدولتين، حيث فضحت روسيا الأعمال التركية بخاصة علاقاتها مع الإرهاب ومرتزقة داعش، وبشكل واضح ووصل الأمر بينهم إلى تهديد روسيا لها بأنها ستنتقم لطائراتها بالشكل والوقت المناسب الذي تريده. وعندما أحست الدولة التركية بأن الروس جادين في تنفيذ أقوالهم، وبخاصة أن العلاقات التركية مع الولايات المتحدة والأوربيين في ذاك الحين لم تكن بالمستوى المطلوب، بل يمكننا
القول أنها كانت علاقات سيئة. ولذلك؛ رأت تركيا بأنها ستبقى خارج قواعد السياسة الدولية، وستخرج من سوريا صفر اليدين وستخسر كل شيء مع سوء العلاقة مع موسكو، ولعل أملها في دعم ومساندة الإخوان المسلمين في سوريا الذي ذهب أدراج الرياح كان أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى رضوخها، وتقديمها تنازلات كبيرة للروس كي تسد الباب أمام أي عمل عسكري روسي ضدها. وكان عليها أن تضحي بحليفها الأساسي الولايات المتحدة الأمريكية وبوجودها في حلف الناتو، وكذلك كان عليها اختيار البقاء مع الطرف الأمريكي والتحالف الدولي من عدمه، وعند ذلك سيكون الخطر الروسي أكبر في حال بقائها مع الحلف الأمريكي، وقد تنفذ روسيا تهديداتها لتركيا. وأيضاً المسألة الأخرى الهامة هي القضية الكردية وحلها في سوريا والمشاريع المطروحة في روج آفا وشمال سوريا ومحاربة تركيا بشتى الوسائل الممكنة لتلك المشاريع التي يمكن أن تؤثر على الداخل التركي بشكل كبير وكان هذا هو الهاجس الأكبر للحكومة التركية.
أردوغان وهواجس الخسارة والربح

كان على أردوغان وحكومته أن يتخذوا قراراً حتى ولو كلف ذلك الكثير، ففي ظل عدم رضوخ أمريكا والأوروبيين للدعوات التركية، والتنسيق معها ومشاركتها في الحملات العسكرية ضد داعش في سوريا، ورفض هذه القوى وبخاصة أمريكا مشاركة القوات التركية في العمليات داخل الأراضي السورية، بعدما حققت هذه القوات انتصارات باهرة مع قوات سوريا الديمقراطية، ابتداءً من معركة العصر في كوباني وانتهاءً بتحرير مدينة الرقة العاصمة المزعومة للبغدادي وأردوغان؛ ومن أجل كل ذلك لم تكن أمام تركيا أي طرق أخرى سوى تقديم تنازلات للروس ومهما كانت النتائج، مع الأخذ بعين الاعتبار عدم إيصال إقليم كوباني بعفرين وضرب المشروع الديمقراطي لشعوب شمال سوريا والذي يقوده الشعب الكردي، وهم من ضحوا بالكثير من الشهداء في سبيل تحقيق هذا المشروع وإيصال الأقاليم الثلاثة ببعضها والذهاب باتجاه فيدرالية شمال سوريا. ولهذا كان قرار أردوغان بالذهاب إلى الروس حتى ولو كانت الخسائر كبيرة، وبالفعل رضخت الدولة التركية للمطالب الروسية وكان من أهمها تسليم مناطق المعارضة السورية الموالية لها تباعاً، مقابل تعهد الروس بعدم نجاح المشروع الكردي، بل أكثر من ذلك، حيث تم تسليم عفرين بقرار روسي إلى الدولة التركية ومرتزقتها، عبر مقايضة وعمليات بيع وشراء بين الدولتين بعدما انسحبت القوات الروسية وفتحت الأجواء للطائرات التركية، بموافقة مبطنة من التحالف الدولي وأمريكا.
مساعي تركيا في السيطرة على منبج وشمال سوريا
بعدما احتلت تركيا عفرين توسعت مطامعها في الأراضي السورية، وبات عينها على منبج في البداية وعملت الكثير من أجل دخول تلك المدينة، التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية من مرتزقة داعش وسطّرت فيها أروع الملاحم البطولية ونكران الذات العامل الذي أدى إلى تحقيق النصر المؤزر في النهاية. والسؤال هنا؛ لماذا لم تسعَ تركيا إلى تحرير المدينة من داعش أثناء تواجدها هناك؟ ألم تكن على حدود تركيا؟ وبعدما تم تحريرها من الإرهاب خرج علينا المسؤولون الأتراك وعلى رأسهم رأس النظام الفاشي أردوغان ليهدد منبج بالاجتياح، وبخاصة بعدما احتل عفرين بتواطؤ دولي ولم يتوقف للحظة واحدة عن تهديد تلك المدينة الآمنة وأهلها الذين أوضحوا رفضهم المطلق لأي تدخل تركي. وحتى تسيير الدوريات المشتركة مع الأمريكان في المدينة وهذا ما يسري على جميع شعوب المنطقة أيضاً، فالكل أجمع على الرفض والتصدي لأي عدوان تركي محتمل والرسالة هذه وصلت للأتراك، ويجب أن نذكر هنا الاتفاق الذي وقع بين الأمريكان وتركيا بشأن تلك المدينة، حيث اتفق الطرفان على تسيير الدوريات على الخط الفاصل بين مناطق مرتزقة تركيا ومجلس منبج العسكري، كي لا يحصل بين الطرفين ما لا يُحمد عقباه، وأمريكا رفضت أي تنازل جديد في هذا الاتفاق. وعندما خسرت تركيا ما أرادت تطبيقه في منبج حاولت لفت الأنظار إلى مناطق أخرى، واعتدت على كوباني وكري سبي وبعض المناطق الأخرى بنيران سلاحها في خطوة خطيرة، قد تكون بمثابة جس نبض للتحالف الدولي الذي يتحالف مع قوات سوريا الديمقراطية في محاربة الإرهاب ويغض الطرف عن الانتهاكات التركية اليومية.
موقف التحالف وبخاصة أمريكا من كل ما يجري

لقد كانت المواقف من قِبل التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا من الاعتداءات التركية مواقف مخيبة للآمال، ما استدعى موقفاً حازماً من قيادة قوات سوريا الديمقراطية ووقف الأعمال القتالية ضد داعش في المناطق المحاذية للحدود العراقية، وعندما أحسَّ التحالف بموقفه المُحرج تدخّل بخجل ونادى بوقف الاعتداءات التركية على تلك المناطق، دون أن يستنكر عمليات الجيش التركي في تلك المناطق بشكل جدي. وهذا ما أثار حفيظة الشارع الكردي وحتى عموم الشارع في شمال وشرق سوريا، واستنكرت شعوب المنطقة بشدة الأعمال الإجرامية للدولة التركية وصمت التحالف الدولي، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي دائماً ما تحاول كسب الدولة التركية إلى جانبها؛ لتأخذ بعين الاعتبار العلاقات التركية ـ الروسية التي تحسنت بشكل كبير بعدما سلمت تركيا المعارضة السورية ومناطقها للروس والنظام السوري تِباعاً، وكان من المفروض وحسب الاتفاق الروسي ـ الأمريكي أن مناطق شرقي الفرات هي من ضمن حماية التحالف وأمريكا، وكان يجب عليهم الوقوف بحزم أمام الاعتداءات التركية المستمرة والتي تأتي في الوقت الذي تستمر المعارك النهائية على الحدود العراقية للقضاء المبرم على مرتزقة داعش، وهذا ما معناه أن تركيا بهذه الأعمال تريد إنعاش المرتزقة وهذه هي الرسالة التي أرادت أن توصلها، ومع ذلك بقي رد التحالف خجولاً على تلك الأعمال التي تصب في خدمة الإرهاب التي تقدم لها تركيا كل ما هو ممكن؛ وهذا ما تعلمه جميع القوى الدولية.
ضرورة التحضير لجميع الاحتمالات
لقد بات من الواضح أن أردوغان لن يدخر أي جهد أبداً في محاربة مشروع الحل الديمقراطي في سوريا، هذا المشروع الذي لعب الكرد فيه الدور الريادي ويمكننا القول إنهم كانوا أصحابه. ولذلك؛ ستحاول تركيا بشتى الوسائل إفشال مثل هذا المشروع، الذي يمكنه أن يكون الأساس في حل الأزمة السورية، وحل أزمات الشرق الأوسط المستفحلة برمتها. ومن هنا فتركيا ستخلق المزيد من الذرائع لتحقيق أهدافها في احتلال وتقسيم الأراضي السورية ما أُمكِن لها ذلك، وهي تلعب لعبةً قذرة في المنطقة، فمرةً تتقرب من أمريكا وفي الكثير من المرات تكون وجهتها الروس، ولا ضير في أن تذهب باتجاه الأوروبيين أيضاً، والهدف من هذا كله هو الكرد وضرب مشاريعهم أولاً، ولشعوب المنطقة بكافة أطيافهم ثانياً. ولذلك؛ فمن الواجب والحتمي الذي يُفرَض علينا نحن شعوب شمال وشرق سوريا، التيقظ للتحركات المريبة لتركيا وأخذها محمل الجد في كل حين وأوان، ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار التغيرات التي تطرأ على السياسة الدولية، كما حصل في عفرين فبعد العداء الكبير بين الروس والأتراك هم الآن أكثر المتفاهمين على الساحة السورية. والتهديدات التركية لشمال سوريا تهديدات جدية وعلينا أخذ الحيطة والحذر، ومن الواجب التهيؤ لها بالشكل المطلوب، والمواقف الدولية في هذه المسألة غير حازمة وضبابية وبقيت في إطار التنبيه المرن وهذا غير مبرر، وبخاصة موقف التحالف الدولي الشريك والحليف لقوات سوريا الديمقراطية التي تُستهدف مناطق سيطرتها من قبل الجيش التركي. ولهذا؛ يجب أن تكون هناك مواقف جادة وواضحة لا يكتنفها الغموض، كما نلاحظ من جميع تصريحات المسؤولين في التحالف الدولي، فإما أن يكونوا مع تركيا صراحةً وهي التي دعمت وساندت الإرهاب ولا زالت مستمرة، أو أن تكون في الجانب الآخر من المعادلة أي مع من قضوا على الإرهاب وحرروا مساحات واسعة وقدموا الآلاف من الشهداء نيابةً عن العالم أجمع وأعني هنا قوات سوريا الديمقراطية، وشتان بين هذا وذاك. وبالمعنى الأصح؛ فإن على القوى الدولية وعلى رأسها التحالف الدولي وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية أن يكون موقفها واضحاً من العدوان التركي وتهديداته لمناطق شرقي الفرات وبخاصة أن تركيا هي العامل الرئيسي في استمرار الأزمة السورية لما لها من أطماع فيها.
شمال وشرق سوريا النموذج والحل
عندما نراقب الوضع في عموم المناطق السورية ونقارنه بالأوضاع في الشمال السوري، نلاحظ الفرق الكبير والشاسع في كل شيء، من حيث الأمن والأمان والإعمار والبناء وتوفير معظم الخدمات وباقي الأمور الأخرى، وهذا لم يأتِ من فراغ وكان نتيجة عمل دؤوب ومُخلص من قبل القائمين على إدارة هذه المناطق، والأهم من هذا كله هو التضحيات التي قُدِمت في سبيل بقائها ملاذاً آمناً لجميع السوريين، حيث اكتظت مدن وبلدات هذه المناطق بالسوريين الذي جاؤوا إليها من معظم المحافظات السورية، وهذا إن دل على شيء، إنما يدل على ثقافة الأمة الديمقراطية التي تعمل من أجل الجميع ولا تُبَدي أحداً على الآخر، وهو دليل قاطع على التآخي والتعايش المشترك بين جميع شعوب سوريا، ففي شمال وشرق سوريا يعيش العربي والكردي والسرياني والأرمني والشركسي والتركماني والشيشاني، والكثير من المكونات والأديان بألفة وسلام ومحبة، ولولا التدخلات الخارجية وظهور مرتزقة داعش لكان لهذه المناطق كلام آخر، ومع ذلك أصبحت مناطقنا نموذجاً يُحتذى به وبشهادة الكثيرين الذين زاروها من الداخل والخارج، والخط الثالث الذي انتهجته شعوبها كان الأصح والأسلم للوصول إلى ما وصلت إليه من تقدم واستقرار، ونجحت في ذلك بامتياز وفي المجالات الأخرى كافة، ولدى شعوبها مشروع ديمقراطي حر وهو مشروع الأمة الديمقراطية، الذي يهدف إلى التعايش المشترك وإخوة الشعوب وإرساء قواعد العدل والمساواة، وتحقيق الكرامة وتوفير الأمان وما أمكن من المستلزمات التي تساعد في تشبث الإنسان بأرضه والدفاع عنها. لذلك؛ ليس من الغريب أن يكون مشروع الأمة الديمقراطية هو الحل لعموم المناطق السورية، وأن تكون انطلاقته من شمال سوريا وهو النموذج الأكثر قبولاً ونجاحاً.