هل سيتكرر سيناريو عفرين في شرق الفرات؟!

28
 سيهانوك ديبو ـ المركز العربي الديمقراطي –

بديهيات لا بد من ذِكرها فهي أشبه بالنتائج
 قبل الإجابة على مثل هذا السؤال من المهم سرد بعض من البديهيات للتذكير والتعويل عليها عند الإجابة، الإجابات هي التي يجب أن يتم التحضير لها بخاصة في أوضاع تشبه أوضاعنا السورية والكردية بشكل مخصوص منها، أهم البديهيات: ليس في بال السلطة بدمشق حماية السيادة السورية؛ وما الحديث عنها بشكل مستمر سوى مجرد الحديث الذي يُصَنّف إلى منطق التشدق التعليلي الذي يثير ويشير بأن سلطة دمشق فاقدة لإرادتها ولم يعد بمقدورها تهيئة الفرص أو استغلالها كما في الفرصة السانحة لها والطرف الوحيد المؤثر في تأسيس الحل متمثلاً بمجلس سوريا الديمقراطية مظلة قوات سوريا الديمقراطية قسد، وهذه هي البديهية الأولى وفي الوقت نفسه نتيجة لثماني سنوات من الأزمة السورية. تُعَدُّ اجتماعات آستانا في أهم مهمة لها تصفية كاملة (للمعارضة) السورية، وتحييدها عن سوريا، ليتم تجنيدها في تحقيق الأجندة الخاصة لكل ضامن من ضامنيها على حِدى، كما في مثال التفاخر الشاذ وما يصدر عن المحسوبين على هذه المعارضة في حال سلخ مناطق من سوريا إلى تركيا: جرابلس وإعزاز والباب لا شيء في هذه المدن الثلاث دلالات بأنها مدن سوريّة، وما إبقاء توقيت الساعة الزمنية لهذه المناطق المنسلخة وفق توقيت أنقرة دليل إضافي على تنصيب أنقرة من (الكعكة) السورية أيضاً وفق آستانا. ومن الطبيعي والمنطقي أن نرى بأنها باتت بالمروجّة لبعض من السياسات الإقليمية المدمرة إزاء سوريا؛ كبديهية ثانية التي يضاف إليها ويرتبط بها بأن آستانا توقفت بشكل كلي أو انتهت أو تم إنهائها ويبدو ذلك في نقطتين أساسيتين: فرملة جهود الضامنين في إدلب، وإنهاء سوتشي اللجنة الدستورية، أمّا البديهية الثالثة؛ فإنه لا مكان آمن في الشرق الأوسط، وحينما يتم الحديث عن المشهد الاستراتيجي الجديد فإنما يعني بأن العالم كله ينتقل من نظام وحيد القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب، وهذا الانتقال، وكما جرت العادة، فإنه يكّلف الشرق الأوسط كثيراً؛ مثلما الذي جرى في الشرق الأوسط قبل مئة عام على التمام والكمال في 11 تشرين الثاني 1918؛ أي حين إعلان انتهاء الحرب العالمية الأولى التي لم تهدأ رحاها في جانب الشرق الأوسط لحظة رغم مجيء وانقضاء الحرب العالمية الثانية وانتهاء القرن العشرين، أزمة تفضي إلى أزمة ومشكلة تجر إلى مشكلة، أما البديهية الرابعة فتتمثل بمبدأ قميء تكرهه شعوب الشرق الأوسط في أن (الأنظمة في الشرق الأوسط لا يتم إسقاطها مهما بلغ مستوى الرفض الشعبي لها، أو حتى تغييرها وإنما يتم ترويضها خارجياً والاكتفاء بتغيير سلوكها) وفي تعدد الأمثلة التي تكاد تنطبق على عموم الشرق الأوسط تتحول هذه الأمثلة إلى شواهد لهذه البديهة.

 إذاً ما الهدف من الهجوم التركي على كوباني وكري سبي (تل أبيض) وعموم شمال سوريا، أو من التلويح المستمر بشن الهجوم على (شرقي الفرات) في هذا الوقت؟
وفي ذلك؛ أعتقد جازماً بأن أهداف أنقرة باتت أيضاً أو يمكن تصنيفها أيضاً ضمن خانة البديهية. على الرغم من أنه لهذا التهديد بعدين: داخلي تركي؛ فالنظام التركي لا يستطيع أن يتوقف في شد المشهد الداخلي التركي ووضعه، وجرّه بأن يبقى دائماً على الحدود التركية مع دول الجوار، فيبحث جاهداً على تصدير أزماته الخانقة؛ السياسية والاقتصادية علاوة على الانقسام المجتمعي الشديد الذي تعاني منه تركيا، يخلط الأمر على المواطن في تركيا بأن رفع حالة الطوارئ لا تختلف عن عدم رفعها، وأنه ومنذ 19 تموز الماضي رفعت تركيا حالة الطوارئ السارية في البلاد منذ سنتين بعد مسرحية الانقلاب في منتصف حزيران 2016 وفرضت حالة الطوارئ بالأساس لمدة ثلاثة أشهر ثم تمديدها سبع مرات. لا يستطيع الرئيس التركي؛ سلطان تركيا العثماني بأن يصل إلى حالة يقف فيها وجهاً لوجه مع الشعوب في تركيا بأزماتها المستفحلة؛ يمكن أن يُشهَد له بأنه مصدِّر بارع للأزمات الداخلية وفي نسج التحالفات وانفكاكها، أما البعد الخارجي للتهديد فإن لتركيا مقاصد –بديهيات- أيضاً يعلمها القاصي والداني بمفاد أن قصف أردوغان لكوباني ـ المدينة التي تضامن العالم معها في شهر تشرين الثاني – رسالة إلى العالم بمناحي أربعة: الإرهاب يجب ألا ينتهي وداعش يجب ألّا تنتهي في سوريا، سوريا يجب أن تتأزم أكثر حتى تتفتت فتصبح عملية السلخ المطبقة بحق بعض المناطق السورية المحتلة من قبل تركيا واقع حال وتحصيل حاصل، عودة شبح العثمانية وبقاء الشرق الأوسط متوتراً، أما المنحى الأساسي فهو بمثابة القاعدة التي يحرص أردوغان ألا يكون لها استثناء (لا دور يُذكَر للكردي في سوريا؛ لا بل في الشرق الأوسط وفي العالم..).
من هي الجهات الإقليمية والدولية التي يهمها هذا التهديد أو حتى تكرار سيناريو عفرين في (شرقي الفرات)؟!

كانت أنقرة تتوسل وتشحذ ليتم منحها أسبوعين لتطبيق (اتفاق) إدلب الموقعة ما بين الرئيسين الروسي والتركي؛ ها هي تركيا تُمنح 55 اسبوعاً ليتم تقاسمها مع من يُسمَّوا جبهة النصرة وجيش الإسلام التركستاني وحراس الدين؛ فيتم إعادة تسمينهم متوجهين بأمر أردوغان السلطان التركي الجديد إلى عفرين وكوباني وعموم شمال سوريا؛ كما كان يفعل سلفه من آخر السلاطين مع الانكشاريين والألوية الحميدية فالثقافة العثمانية لم تختف، إنما في أشدها اليوم. أي أن روسيا منحت أنقرة العام الكامل لتجميد (الاتفاق) بغية تفريغ أنقرة لمهمة القتل والتدمير في (شرقي الفرات)، فموسكو كما حالها في السابق وفي اليوم أيضاً وبخاصة بعد أن ظهرت قائمة الدول المعفية من العقوبات الإيرانية وأن روسيا ليست بينها؛ فإن روسيا تجهد كي يتصادم حليفي الناتو: أمريكا وتركيا على الضفة الشرقية من الفرات. وأعتقد بأنها مبالغة حينما يعتقد أحدهم بأن روسيا العدو الأول للكرد، بالأساس يُعتبر مثل هذا الوصف أشبه بالنكتة السمجة بالنسبة لأغلب الطامحين في استعلاء قطب/ أقطاب نظام الهيمنة العالمية. لو كان عكس ذلك الصحيح فلماذا اكتفت على سبيل المثال روسيا القيصرية الأرثوذكسية قبل مئة عام بالنظر فقط لمقتلة وجينوسايد الأرمن الأرثوذكس على يد أخر السلاطين العثمانيين؟ أو لننظر إلى كيفية تحوّل قتل الإعلامي جمال خاشجقي إلى قضية. في الحقيقة لم يكن بالشخصية المهمة التي كان يجب أن تستدعي كل هذا الاهتمام، لا أود هنا مطلقاً أن أبدو كأني أعادي الموتى بقدر حرصي أن أنتمي إلى مجموعة المنصفين للأحياء، وأن قضية المرحوم خاشجقي صاحب المواقف العدائية للقضية الكردية وتجربة الإدارة الذاتية بسبب وقوفه بالأساس إلى جانب أنقرة ليس فقط بالضد من الكرد وإنما بالضد حتى من الرياض في عملية الإصلاح التي تقدم عليها، وأن أنقرة أكثر من استثمرت في مقتل الخاشجقي مقابل رأس ولي العهد ومقابل أن تكون فقط (سيدة) العالم الإسلامي السني، علاوة على خلخلة حلف المجموعة المصغرة السبعة التي اُستبعِدت منها تركيا، بالأساس لا تصلح أن تكون تركيا في هذه المجموعة فهذه المجموعة مثل العديد من الدول في حلف معلن مع قوات سوريا الديمقراطية ضد الإرهاب، إضافة إلى ذلك فإن صحوة داعش في جيبه الأخير من ريف دير الزور الشرقي وتزويده بالعدد والعتاد سواء إنْ كان من موقعهم الطارئ في ريف شمال شرق السويداء أو من موقعهم في بادية الشام؛ فيعني بأن روسيا والسلطة في دمشق وبشكل كبير أنقرة تود تصفية قوات سوريا الديمقراطية ومظلتها السياسية مجلس سوريا الديمقراطية وفرط تحالفها مع التحالف الدولي بقيادة أمريكا ضد الإرهاب؛ فإنهاء المعارضة الوطنية الديمقراطية العلمانية التي يُمثلها مجلس سوريا الديمقراطية ومن يشبههم ومن تشبهها مِنْ قوى وأحزاب وشخصيات خارج إطار مجلس قوات سوريا الديمقراطية. لا صدفة في التاريخ كي تحدث الصُدَفُ في أزمات الشرق الأوسط وبشكل خاص في الأزمة السورية؛ فلا صدفة ما بين توقيت تصعيد العدائية التركية مؤخراً على شمال سوريا وروج آفا و(صحوة) داعش. من المؤكد للموتى أيضاً صحوة، وداعش بحكم الميت دون أدنى شك، بالرغم من عرقلة أنقرة المستمرة كي تبقى داعش والنصرة وحراس الدين وغيرهم. فأنقرة تشق مخططها بعصا الإرهاب والتنظيمات الإرهابية هذه هي أنقرة اليوم لتعطي صورة واضحة عن العثمانية فيما سبق. ولأنقرة بحد ذاتها استفادة قصوى من هذا التصعيد بهدف إدارة أزماتها الخارجية أيضاً كما في إدارة خيبتها الكبيرة وفشلها في احتلال منبج، وما تصريح الرئيس التركي بأنه يترك منبج ليتوجه مباشرة إلى (شرقي الفرات) سوى محاولة تغطية فشله والقفز في الهواء مرة أخرى. فالحال في منبج يبقى كما يجب أن يكون ومن المفترض أن يكون كما حاله الحالي، وأن تدار وفق نموذج إدارة مدنية ديمقراطية من مكونات منبج بعربهم وكردهم ومن المكونات الأخرى، كما حالها في نموذج الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، كما أن أنقرة تود إيصال رسالة أخرى إلى السوريين والكرد في سوريا وإلى الإقليم والعالم بأن عفرين باتت في كنف أنقرة، وهذا بطبيعة الحال لن يحدث والمقاومين في عفرين من مرحلة المقاومة الثانية.
والآن: هل سيتكرر (سيناريو) عفرين في (شرقي) الفرات؟

توجد إجابة أهم من جواب هذا السؤال الهام جداً؛ في الحقيقة ليس بالجواب إنما بالقناعة والمبدأ، المقاومة هي الأساس، وحينما يقاوم شخص أو مجموعة أو أحزاب وقوى ديمقراطية كما في مثال مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية كحل أخير للأزمة السورية؛ فإن النتيجة –أياً تكن تبدو تحصيل حاصل. النصر والخسارة والهدنة كنتائج للحرب لا ترتقي أمام نتيجة المقاومة، وإلّا فلنتخلى عن إنسانيتنا وعن مشروعنا الديمقراطي في قيم إخوة الشعوب والعيش المشترك وعن كرديتنا وعن قضيتنا الكردية؛ لأننا لا نملك سلاح الطيران، وأن المعركة ليست بالمتكافئة لا بالعدد ولا بالعتاد أمام احتمال شن أنقرة عدواناً جديداً على روج آفا وشمال وشرق سوريا. سلاح المقاومة لا يغدو متوفراً حتى عند أعتى الجيوش في العالم، ففي أية وظيفة من أي مكان يكون على هذه البسيطة حتى تحقق أهدافها ويكتب لها الدوام لا بد من تحقيق مبدئي الواجب الأخلاقي والواجب الشرطي، والذي يقاتل ولديه قضية في قضيتين في الوقت نفسه (القضية الديمقراطية في حل القضية الكردية) ليس سوى بالمقاوم الذي ينتصر. قوات سوريا الديمقراطية قوة منظمة محررة تقاوم انطلاقاً من مشروع العيش المشترك بعكس أجندة العثمانية أو المتحالفين معها بكل ما يمتلكون من قوة دفع أنقرة إلى الهاوية، إذا ما استمرت أنقرة هكذا فإنها تمشي بقفزات نحو الهاوية.
وإذا ما كان خيارنا منذ بداية الأزمة السورية متمثِّلاً بشكل أوضح بأنه عبر المقاومة والدبلوماسية يتم خلق الأجواء المستقرة وحل الأزمات المفروضة علينا ككرد وسوريين في الوقت نفسه؛ فإن سيناريو عفرين لن يتكرر، لا بل أن تحرير عفرين بات بالقريب أكثر، كما في تحرير عموم المناطق التي تم احتلالها من قبل أنقرة، وهذا هو عنصر الذات في حلته الإيجابية التي حوّلت الكرد في سوريا وعموم المكونات التي أسست الإدارة الذاتية إلى رمز عالمي ضد الإرهاب وإلى لاعب لا يُستهان به في الساحة السورية، ومن دونه لن يكون الحل فهو بالأساس جزء مهم من الحل السوري، وما عملية استبعاده من اجتماعات جنيف وغيرها سوى تعميق الأزمة السورية والوصول إلى الحالة التي تعيشها سوريا. أما الظروف الموضوعية والتبدلات التي تطرأ على إعادة تأسيس موازين القوى، إضافة إلى الوجود المفروض على جميع السوريين سواء من خلال الوجود الأمريكي أو الروسي لا أقصد الاحتلال التركي فإنها ليست لصالح من يرغب أن يتم تكرار (سيناريو) عفرين على (شرقي الفرات). وبمزيد من الحيادية؛ قلنا ذلك سابقاً؛ بأن وجود أمريكا في سوريا مرتبط بالأساس باستراتيجية واشنطن في مرحلة الرئيس الأمريكي الحالي ترامب التي تنحى نحو المزيد من الانخراط في الشرق الأوسط، وهي في ذلك مرتبطة بالوجود الروسي في سوريا، وليس الكرد من يحددون استراتيجية واشنطن وليست السلطة في سوريا تحدد استراتيجية موسكو، فإن هذا الوجود المفروض ليس من صالحها أن تمنح دولة مارقة تتداعى مثل تركيا لتُمنح فرصة الاستمرار بقوة. والأهم من كل ذلك فإن احتمال تكرار (سيناريو) عفرين في (شرقي) الفرات يبدو أشبه بالمستحيل، لأن مشروع يطل رأسه لأول مرة في الشرق الأوسط يُستمد من نظرية الأمة الديمقراطية؛ هذه النظرية، لا بل أن هذه الفلسفة تبدو اليوم طوق النجاة لشعوب الشرق الأوسط ولسوريا مثالها بأنْ تتعايش جميع هذه الثقافات وفق خصوصياتها جنباً إلى جنب، وليس في خصومة وعداوة وجهاً لوجه وبحرب مستمرة تستمر لا تنقطع طالما سادتنا نظريات الآخرين وفلسفات الآخرين وحلول الآخرين بالأخص غير أبناء الشرق الأوسط.