قمة إسطنبول الرباعية… العشاء ما قبل الأخير

72
د. مهيب صالحة –

عوّدتنا قمم أستانا، الثنائية أو الثلاثية، على أن الدول الراعية والضامنة تلجأ إليها لإخراج تفاهماتها أو حلّ العقد التي تعترض سبيل تنفيذها. أما القمم التي تعقدها روسيا، بصفتها صانع أستانا ومخططاتها، مع أمريكا، بصفتها مايسترو السياسة الدولية، ومع “إسرائيل” بصفتها مايسترو السياسة الإقليمية، فهي لأخذ الضوء الأخضر لعمل ما أو تنسيق سياسات أو مواقف معينة. لكن؛ قمة إسطنبول الرباعية ضمّت، إلى جانب راعيي أستانا (روسيا وتركيا)، كلًا من فرنسا وألمانيا، أي فعلياً أوروبا.

فروسيا التي لم تكن تتوقع أن تطول مدة إقامتها في سورية، والثمن الباهظ الذي تدفعه لقاء تدخلها العسكري الكبير، وجدت نفسها مضطرة، بعد أن بردت أستانا جبهات القتال، إلى أن تلهث وراء الانتقال إلى عملية سياسية، من دون القرارات الدولية، وبدء إعادة إعمار تريحها وتجني لها مكاسب مادية تعوض ما خسرته. لكن؛ لا الفرنسي ولا الألماني ولا أوروبا كلها تمتلك قرار البتّ بهذه المسائل الهامة؛ لأن القرار النهائي بيد الأمريكي الذي قد لا تمانع في بقاء الأسد، لكن وفق شروطه، سواء بالنسبة إلى العملية السياسية أو بالنسبة إلى عملية إعادة الإعمار، وكذلك فيما يتعلق بإخراج إيران من سورية، للضغط عليها وإخضاعها لشروطها هي، وما عدا ذلك لا يضير الأمريكي بشيء، إن تفاهم مع الروسي حوله. لكن؛ قمة إسطنبول الرباعية ومقارباتها السياسية، بين دولٍ كانت حتى الأمس القريب تفترق في الرؤى والمواقف، قد تكون بداية لقمة من دون السوريين، تشمل كل الدول الفاعلة والمتداخلة في الحالة السورية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تجتمع فيها التناقضات والتقاطعات ضمن خارطة طريق واحدة، تضع نهايةً للمحنة السورية مفصَّلةً على مقاس مصالح الدول الفاعلة أو الأكثر فاعلية وتأثيراً في مسارات الحل.
أما تركيا، فوضعها في سورية لا يقلّ تأزما عن وضع شركائها في أستانا، فهي بعد أن نكثت بتعهدها بإخراج (النصرة) والحزب الإسلامي التركستاني من المنطقة العازلة، تنظر إلى روسيا على أنها الخصم والحكم. حكم أعطاها ما لم تستطع أخذه من أمريكا في الشمال السوري بموجب أستانا، وخصم لن يقبل سوى بإقامة مؤقتة لها في إدلب، مع إخضاع الجماعات الإسلامية المسلحة التي تدعمها لاشتراطات وتفاهمات أستانا، ومن جهة أخرى، لن تتخلص من العقوبات الاقتصادية طالما لم تنفذ الشروط الأمريكية، وهي غير قادرة الآن على الالتزام بها؛ لأنها بحاجة إلى روسيا وإيران في سورية. ومن الواضح أن تركيا لا تستطيع اللعب على تناقضات الدول الكبرى، في قضايا المنطقة المعقدة والمركبة، بمعزل عن تموضعها الجيو سياسي الرئيس في حلف شمال الأطلسي، هذا التناقض في استراتيجية تركيا يدفعها إلى البحث عن مخارج تفي بمصالحها من جهة، وتعطيها مرونة أكبر في تنفيذ التزاماتها حيال الطرفين الروسي والأمريكي من جهة أخرى، والتوافق بينها وبين روسيا وأوروبا ربما يريحها في المرحلة المقبلة باللعب على التناقضات الدولية. لقد فهمت تركيا صمت أوروبا وأمريكا عن تهديدات رئيسها أردوغان، حول شن هجمات عسكرية على منطقة الإدارة الذاتية شرقي الفرات على أنه بمثابة موافقة ضمنية لشن هذه الهجمات، ثمنًا لتنازلاتها في القمة الرباعية. في المقابل، فإن توقف (قوات سوريا الديمقراطية) عن حملتها ضد (داعش) في الريف الشرقي لدير الزور؛ بسبب اعتداءات تركيا على كوباني وكري سبي، يُقرأ في سياق الاتهامات الموجهة إلى تركيا حول دعمها لداعش، وإثارة حساسيات أوروبا وأمريكا تجاهه في وجه تركيا. لكن؛ الفعل وردة الفعل كلاهما خرجا عن ميزان الحسابات الدقيقة لتوازنات المنطقة وتناقضاتها التي ربما تعيد خلط الأوراق من جديد، وتهدد توافقات قمة إسطنبول الرباعية. إن غياب إيران عن قمة إسطنبول وحضورها سيّان؛ فهي لا تخرج عن تفاهماتها مع شريكيها الروسي والتركي في أستانا، واللذين يشكلان بالنسبة إليها سندا قويا يساعدها في التهرب من بعض عواقب العقوبات الأمريكية. وعدم حضورها القمة هو لرفع الحرج عن الجانب الأوروبي الذي يتوافق موقفه حيال تواجدها في سورية مع الموقف الأمريكي، أما غياب الجانب العربي فلا تفسير له سوى أنه التزام منه بالموقف الأمريكي تجاه المسألة السورية، وبصفة خاصة بعد أن همشته أمريكا بتغطيتها تفاهمات منطقة خفض التصعيد الجنوبية ومنطقة الغوطة الشرقية.
لقد حملت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ملف اللاجئين السوريين في أوروبا إلى قمة إسطنبول، وهذا الملف من أعقد الملفات وأكثرها ارتباطًا بشكل وجوهر الحل السياسي وإعادة الإعمار، وهو يشكل الهاجس الأساس للأوروبيين، وخاصة ألمانيا التي استقبلت نحو مليون لاجئ، وليس من مصلحتها استيعاب أكثر من مئة ألف فقط، ممن يمتلكون قدرات ومهارات ومعارف يحتاج إليها الاقتصاد الألماني، بينما حمل الرئيس الفرنسي ماكرون إلى القمة المطالبة بتنفيذ القرارات الدولية، وخاصة القرار 2254 الذي تحرص روسيا وإيران على عدم تذكره، بالرغم من تنازل الأوروبيين عن موقفهم السابق تجاه اللجنة الدستورية المتوافق عليها في مؤتمر سوتشي، الذي رعته كل من روسيا وتركيا وايران، وتضمينه بيان القمة الختامي، مع معرفتها التامة بأن من يعطل تشكيل اللجنة الدستورية هو تركيا والولايات المتحدة، على خلفية رفض الأولى تمثيل (مجلس سوريا الديمقراطية) في قائمة المعارضة، وإرضاء الأوروبيين بإشارة ضعيفة وملتبسة للقرار الدولي آنف الذكر، وببعض الإجراءات الملتبسة من أجل تسهيل عودة اللاجئين، كتجميد المرسوم رقم 10 وإلغاء الدعوات إلى الخدمة الاحتياطية والعفو عن الفارين من الخدمة الإلزامية. في العملية السياسية، باتت أوروبا تدير وجهها للرئيس الأسد، بعد أن كانت تدير ظهرها له اعترافًا منها بهزيمة طروحات، تبنتها على مدار سنوات المحنة، وكانت من قبيل ذر الرماد في العيون لتطمين المعارضة السياسية التي تم لملمتها من هنا وهناك على عجل، ودونما خارطة طريق أو استراتيجية محددة وواضحة، وهذا كان انعكاسًا صارخاً للمواقف الأمريكية المترددة عن سابق إصرار وقرار؛ لأن استراتيجيتها بنيت على إغراق الجميع في الرمال المتحركة السورية، وبخاصة روسيا وإيران وتركيا رعاة أستانا، دونما تخسر شيئا طالما أنها تمسك بخيوط اللعبة، وفي أي وقت تحركها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، من “إسرائيل” إلى مصادر الطاقة، إلى أوروبا والخليج وبيع السلاح وطرق وممرات التجارة الدولية. باستثناء ما ذُكر في البيان الختامي للقمة، إرضاء للأوروبيين أو إرضاء لروسيا وتركيا؛ فإن كل ما ورد فيه حول الإرهاب، ووحدة واستقلال سوريا، ودعوة الأمم المتحدة لتقديم مزيدٍ من المساعدات، وزيادة التعاون والتنسيق بين المبادرات الدولية لحل سياسي مستدام، ورفض استخدام الأسلحة الكيميائية، ليس سوى مجموعة جمل إنشائية، لا تؤخر في مسار الحل ولا تقدم، إنما تملأ متن البيان الختامي لقمةٍ ليست سوى العشاء ما قبل الأخير، يصلب، بعد حشو البطون، وطنٌ ممزق على خشبتي نفور وفجور، كما صُلبت من قبل ثورة أريد لها أن تنتج آفاقًا جديدة في سيرورة تطوره.