سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

آلامي ليست من جراحي

عجبت لشارد يداعب عجلات عربة صماء, هو بارع  في تحريكها, يمنة ويسرة, يقدمها  تارة, ويرجعها تارة أخرى, يقسو على عجلاتها حيناً, ويمسحها بلطف حيناً, وكأنه يغازلها توحي للناظر بمدى العلاقة بينهما عاشق ومعشوق, يبتسم رغم القضبان الحديدية, التي تغطي ركبتيه في منظر يوحي للناظر أنَّها سياج تفنَّن في صنعه حدادٌ ماهر.
لحظات تأمله وتوقفه لمرات كانت طويلة هذه المرة, حتى سيجارته التي لم يستطع فراقها, ما زالت تصدر دخاناً متقطعاً, وكأنه يريد أن يصبح زوبعة معلنة ثورة البؤساء, ينظر إلى القمر من فسحة المشفى ويده مشدودة بعربته الصماء المحتارة, في أي اتجاه يوجهها, وأسمع كلماته وكأنه يخطب في جمع كبير, متحمساً في كلامه، واثقاً من ذاته، منفعلاً في بعض جمله, بارعاً حتى في استخدام لغة الجسد. جراحه وكسوره حقائق تمتزج  بعواطفه, ومواقفه؛ لتخرج كلماته صادقة تخاطب وجدان المستمع, أسمعه وهو يقول: “أكره قهقهات المتسكعين, وشعارات المنظِّرين, وغرور المسؤولين, ومعذِّبي المظلومين, دموعي؛ ألمي ليست من جراحي, بل قضية  شعب انتُزعت منه حقوقه, وكرامته, وأرضه, وما زال البعض نائماً، لا يريد الاستيقاظ , ومسؤول في حضن مستعمره, وهو ينظر إلى أخته وهي تغتصب, فتنهار دموعي أكثر فأكثر. دموعي من مجتمع يتركني وجراحي, ووطني, ويحلم بوطن غريب خلف الأفق, تنهمر عندما يفرح  الأب لتهريب ابنه خارج الوطن, وهو يعلم أنَّه ماضٍ إلى الموت, وإن لم يمت جسمه فروحه ستفارق حقيقته, وكذلك  تنهار الدموع  عندما يفتخر البعض بدولارات وحانات وقصور أولاده في الخارج, وتبقى والدة الشهيد تنتظر في الطرقات ساعات وساعات كي تزور مزار ولدها الشهيد, تزداد دموعي عندما يفتخر البعض منكم  بنوع  الفنادق, ورفاقي في الصحراء بين التراب في الخنادق, تزداد دموعي عندما يفتخر  البعض بأنواع السيارات، والجرحى يحلمون بمصفحة تبعد عنهم نيران الغدر والطلقات.
ندائي لكم أحبتي رفاقي:
استفيدوا من كل شيء من حولكم, من وقتكم, من إمكاناتكم, من كل روح, وكل نفس في وطنكم, لا تهملوا بعضكم البعض، أنتم  أيها العاملون في وطني والمنخرطين في المؤسسات المدنية والعسكرية والمجالس ومؤسسات المجتمع المدني. تخلصوا من أنانيتكم تخلصوا من هاجس الخوف والعبودية، تخلصوا من منطق  العبد والسيد، من منطق  العامل ورب العمل، من منطق  اللامبالاة والهروب من المسؤولية.
لا تمدحوا السلاطين وإن تلونوا بألوان الديمقراطية وإن اختفوا وراء شعارات رنانة، فالعمل هو مصداقية أي مسؤول وأي سلطان. فالانتهازيون الصغار هم أخطر على ثورتكم من كبار أعدائكم, العمل عملكم والقضية قضيتكم, والشهداء أبناؤكم, وأخوانكم, تذكروا أن لحظات رخائكم ورفاهيتكم, ونعيمكم لم يأتِ إلا بعد صرخة جريح وهو يلفظ كلماته الأخيرة قبل الشهادة هي وصايا وأمانة في أعناقكم. مقدساتكم هي مزارات شهدائكم. كونوا وقوداً لأجل قضية شعبكم وحقيقتكم ولا تكونوا سلاحاً بيد مغتصبكم  لملموا جراحكم  وفكروا بتاريخكم  فنحن لم نُجرح لينعم الأوغاد والمتسلقون بخيرات وطننا.
 أنهى كلماته واستدار ليراني أصغي إليه بكل جوارحي، وكأنما تسابقت دموعنا للانهمار، حاول إخفاء علامات غضبه، انحنيت عليه وقبلته، ودفعت عربته بهدوء، وتمتم من جديد دموعي ليست لجرح أصابني؟!

التعليقات مغلقة.