سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الدين في دعم الاستبداد

عمل الاستبداد على إخضاع الجمهور لمنظومة الإذعان وساهم معه في ذلك أمران؛  القمع الشديد، والوعظ القائم على التمجيد.. الأول لرجل الأمن.. والثاني للشيخ على أبواب السلاطين.
كان الاستبداد الديني نتيجة تعويضية للمقهورين بسبب فساد العقل وتسيُّد الرويبضة وتشويش أهل العمائم الذين رسموا حياة الناس دون منهج سوى ترديد عبارات متناقضة مشتقة من تفسيرات القرون ولا علاقة لها بالزمان الحاضر.
قرَنَ الكواكبي بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي فقال: “تضافرت آراءُ أكثر العلماء النّاظرين في التّاريخ الطّبيعي للأديان، على أنَّ الاستبداد السّياسي مُتَوَلِّد من الاستبداد الدِّيني”، والبعض يقول: “إنْ لم يكنْ هناك توليد فهما أخوان، أبوهما التَّغلُّب وأمُّهما الرّياسة، أو هما صنوان قويّان، بينهما رابطة الحاجة على التّعاون لتذليل الإنسان، والمشاكلة بينهما أنَّهما حاكمان، أحدهما في مملكة الأجسام والآخر في عالم القلوب”.
وفي مقارنة بين رجال الدين ورجال السياسة نُقل عمّن يُسمَّون المحررين قولهم: “إنَّ التَّعاليم الدّينية تدعو البشر إلى خشية قوّة عظيمة لا تُدرك العقول كُنْهَها، قوّة تتهدَّد الإنسان بكلّ مصيبة في الحياة، تهديداً ترتعد منه الفرائص فتخور القوى، وتنذهل منه العقول فتستسلم للخبل والخمول، ثمَّ تفتح هذه التَّعاليم أبواباً للنّجاة من تلك المخاوف نجاة وراءها نعيم مقيم. ولكنْ، على تلك الأبواب حجّاب من البراهمة والكهنة والقساوسة وأمثالهم الذين لا يأذنون للنّاس بالدّخول ما لم يعظِّموهم مع التّذلّلِ والصّغار، ويقدِّمون لهم النُّذرَ أو ثمن غفران، وهؤلاء المهيمنون على الأديان كم يرهِّبون النّاس من غضب الله وينذرونهم بحلول مصائبه وعذابه عليهم، ثمَّ يرشدونهم إلى أنْ لا خلاص ولا مناص لهم إلا بالالتجاء إلى سكان القبور الذين لهم دالة، بل سطوة على الله ــ (وحاشا لله )ــ فيحمونهم من غضبه”. ويقولون: “إنَّ السّياسيين يبنون كذلك استبدادهم على أساسٍ من هذا القبيل، فهم يسترهبون النّاس بالتّعالي الشّخصي والتّشامخ الحسّي، ويُذلِّلونهم بالقهر والقوّة وسلبِ الأموال حتَّى يجعلوهم خاضعين لهم، عاملين لأجلهم، يتمتَّعون بهم كأنَّهم نوعٌ من الأنعام التي يشربون ألبانها، ويأكلون لحومها، ويركبون ظهورها، وبها يتفاخرون”.
ويرون أنَّ هذا التَّشاكل في بناء ونتائج الاستبدادَيْن، الدِّيني والسّياسي، جعلهما مشتركَيْن في العمل، كأنَّهما يدان متعاونتان، وجعلهما مشتبكَيْنِ في الوظيفة، كأنَّهما اللوحُ والقلم يُسجِّلان الشقاء على الأمم.
ويُقرِّرون أنَّ هذا التَّشاكل بين القوّتَيْن ينجرُّ بعوام البشرـ وهم السواد الأعظم ـ إلى نقطة أنْ يلتبس عليهم الفرق بين الإله المعبود بحقّ وبين المستبدّ المُطاع بالقهر، فيختلطان في مضايق أذهانهم من حيث التَّشابه في استحقاق مزيد من التَّعظيم، والرِّفعة عن السّؤال وعدم المؤاخذة على الأفعال، بناءً عليه، لا يرون لأنفسهم حقّاً في مراقبة المستبدّ لانتفاء النّسبة بين عظمته ودناءتهم، وبعبارة أخرى: يجد العوام معبودهم وجبَّارهم مشتركَيْنِ في كثيرٍ من الحالات والأسماء والصِّفات، وهم ليس من شأنهم أنْ يُفرِّقوا مثلاً بين (الفعَّال المطلق)، والحاكم بأمره، وبين من (لا يُسأل عمّا يفعل) وغير مسؤول، وبين (المنعم) ووليّ النعم، وبين (جلَّ شأنه) وجليل الشَّأن. بناءً عليه، يُعظِّمون الجبابرة تعظيمهم لله، ويزيدون تعظيمهم على التَّعظيم لله، لأنَّه حليمٌ كريم، ولأنَّ عذابه آجلٌ غائبٌ، وأمَّا انتقام الجبَّار فعاجلٌ حاضر”. “انتهى”.
إنَّ الاستبداد الديني نتج عن شعور القهر الذي أدى للجوء إلى المقدس يلوذون به من إكراهات الحياة ومن ذل المسيطر، والمستبد يحتاج لمن يستر عورات استبداده لذلك كانت مؤسسة الفتوى وسيلته في تبرير مواقفه وقراراته وترويض المقهورين والمسحوقين ويبدو أن المفتي لا يرى سوى السيارة المرسيديس التي أُهديت له وبين حين وآخر تأتيه رسالة هل وصلت مكافأتك يا شيخي؟ فيفرح لها ويردد: “قل ذلك بفضل الله ورحمته فبذاك فليفرحوا” وغالباً تُعطى أمام جمع لتؤكِّد الولاء للإمام العادل وتعطي دليلاً على استقامته وحكمته وشجاعته، وأحقيته في الحكم إلى الأبد أسوة بالمؤبد الديني الذي لا يمكن خلعه إلى الممات من شيخ أو مُفتٍ أو عالِمٍ  لدى السلطان.

التعليقات مغلقة.