No Result
View All Result
صبري يوسف (أديب وتشكيلي سوري)-
إهداء: إلى ديرك؛ مسقط رأسي.
ملأت الزَّغاريدُ فناءَ الحوشِ: كليليليليلي! العرقُ والفرحُ يتصبَّبُ ويتعانقُ من جباهِ وأحضانِ الجميع، يرقصونَ أمامَ العروسِ، وقبلَ أنْ تقتربَ من عتبةِ بابِ الزَّوجيّة، يفسحونَ المجالَ لواحدٍ من أهلِ العريسِ؛ كي يكسِرَ “الشَّرْبةَ” أمامَ العروسِ؛ عربونَ فرحِهم لقدومِها.
تنكسرُ “الشَّربة” (جرّة صغيرة)، فتتناثرُ السَّكاكرُ والفرنكاتُ، فيهجمُ الأطفالُ لالتقاطِ السَّكاكرِ والفرنكاتِ، ويحرصُ مرافقو العروس ألَّا يتقدَّمَ الأطفالُ عندَ بياضِ فستانِ الإكليلِ الجميلِ، لكن معَ هذا فجموحُ الأطفالِ وفرحُهم لا يمكنُ كبحه، فيرفعُ أحيانًا طفلٌ حافّاتِ الثَّوبِ ليلتقطَ فرنكًا من هنا وحبَّاتِ السَّكاكرِ من هناك، ثمَّ يقفُ والبهجةُ مرسومة على محيّاه، ترقصُ الأمُّ وفي يدِها المغرفة، “ملعقة” خشبيّة كبيرة، وفي الأخرى رغيف خبز تنُّور، تنضحُ البهجة من عيونِ الأمِّ والإخوةِ والأخواتِ.
تعبرُ العروسُ متربّعةً صدرَ عشِّ الزَّوجيّة، تلمعُ عينا العريسِ فرحًا، يزدادُ قلبُهُ خفقانًا وسرورًا، مشاعرٌ دافئة تغمرُ أجواءَ المكانِ، فسحةٌ صغيرةٌ للرقصِ أمامَ العروسَينِ، الطَّبلُ والمزمارُ يخيّمانِ على الفرحِ، فيمنحانِ الفرحَ فرحًا عميقًا، يعقدونَ الدَّبكاتِ، والرَّقصُ يأخذُ مداهُ الحميم، هذا يلتقطُ صورًا للعروسينِ، وذاكَ يرقصُ، وآخر يمتلِئ قلبهُ بهجةً، أحدُ الشّبَّانِ يغمز فتاةً في مقتبلِ العمرِ، تتفاجأ، يحْمَرُّ وجهها خجلًا، يقتربُ منها، ترقصُ الفتاةُ بعدَ قليلٍ، فينتهزُ الفرصةَ ويرقصُ معها على إيقاعاتِ “خانمان”، يضحكُ العريسُ والعروسُ هائمةٌ في رحابِ الفرحِ، والدا العريس يموجانِ سرورًا.
يطيرُ الحمامُ فوقَ أرجاءِ المكانِ، فرحٌ يغمرُ قلوبَ الجميعِ؛ حتَّى الأزقّة اِمتلأتْ فرحًا، وأطفالُ الحيّ في حبورٍ عميقٍ، الدّبكاتُ تزدادُ ألقًا، يقومُ عازفُ المزمارِ بتلاوةِ عباراتِ “الشَّاباش” على رأسِ العريسِ، ثمَّ على رأسِ العروسِ، فرؤوسِ أهلِ العريسِ والعروسِ والأصدقاءِ، تتناثرُ اللَّيرات فيلتقطُها عازفُ المزمارِ بانحناءةِ شكرٍ واِحترامٍ، سؤالٌ لا يفارقُني: هلْ تمَّ تسجيلُ وقائع حفلِ الإكليلِ على شريطِ فيديو، كيفَ فاتَنا أنْ نسجِّلَ حفلاتِ زفافِ أيَّام زمان، أمْ أنَّ كاميراتِ الفيديو ما كانَتْ قد وصلَتْ آنذاك إلى ربوعِ ديرك؟!..
ديرك آهٍ يا ديرك، سأخبِّئكِ بينَ أجنحةِ القصائد، بين خميلةِ الذَّاكرة، بينَ حنينِ الرُّوحِ إلى تلكَ الأزقّة المزدانة بالطِّينِ والخيرِ الوفيرِ، كم كنْتُ أتمنّى لو تمّ اِلتقاطُ وتسجيلُ دورانَ النَّوارجِ، وهي تدرسُ “قوشات الحنطة”! كانَتْ أكداسُ الحنطة تملأُ البيادرَ، فيوزّعُها والدي دوائر دوائر، ثمَّ يدرسُها بالجَرْجَرِ (النَّورج)، ساعاتٍ وساعات وأيّامًا وأسابيع تلو الأسابيع، وعندما تكتملُ، يكوّمُها كومات كبيرة، وفي ليلةٍ قمراء يهبُّ نسيمُ اللَّيل الغربي، فيقومُ والدي بتذريةِ التّبنِ؛ كي يفصلَ حبَّاتِ الحنطة عن التّبنِ؛ فيتشكَّلَ تبنٌ ناعمٌ جدًّا يسمُّونُهُ “العُوْر”، والتِّبنُ العادي ثمَّ الخشن، وكانوا يطلقونَ على هذا الأخير “القِسْرِهْ”؛ كانَتْ مخصَّصةً للتنّورِ معَ روثِ البقرِ “الجلّة”!
كم يؤلمُني أنَّ لحظاتِ التَّذرية وذكرياتٍ كثيرة أخرى في منتهى الرَّوعة والبهاء غير مسجَّلة على شرائط فيديو، آلافُ الذّكريات كانَ لها من الجمالِ الخلَّابِ ما لا أتخيَّلُهُ، كيفَ تتحمَّلُ الذَّاكرةُ كلّ هذه الحميميَّات؟! تبكي ذاكرتي شوقًا إلى معالم دفءِ الطُّفولةِ واليفاعةِ، حفلات الأعياد، حفلات الأعراس، بهجة الرَّحلات والمشاوير..
تزغردُ أمُّ العريسِ مرَّةً أخرى، ثمَّ تزغردُ بقيّة الأمَّهاتِ، وتقومُ التَّهاني ركبًا ما بينَ الأمّهاتِ، كانَتْ لأمّي تهليلة ولا كلَّ التَّهاليلِ، تهلهلُ بنَفَسٍ طويلٍ وصوتٍ نقيٍّ ومفتوحٍ على خدودِ اللَّيلِ.
آهٍ، لو تمَّ تسجيلُ صوت تهاليلِها! أشعرُ أنَّ كلّ قصائدي باهتة أمامَ رنينِ تهاليلِها، مَن يدري ربَّما استمدّيْتُ رحيقَ شعري من حبقِ زغاريدِها، من نقاوةِ تلكَ التَّهاليلِ، وقصصي! .. ربّما نبتَتْ من بركاتِ منجلِ والدي الّذي كانَ يحصدُ باقاتِ الحنطة على إيقاعات بهجةِ الطَّبيعةِ، ترقصُ النُّجومُ مشاركةً فرحةَ العروسينِ، ينامُ اللَّيلُ على إيقاعِ الفرحِ، تدورُ الأيَّامُ والشُّهورُ والسّنونَ وتبقى ديرك بكلِّ أفراحِها وأتراحِها ساطعةً فوقَ خميلةِ الرُّوحِ!
No Result
View All Result