سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

أنقرة.. ضامن في أستانه محتلٌّ في سوريا

حلب/ رامان آزاد ـ

أيُّ دور للضامن تمثله تركيا بالمعطى السياسيّ؟ لا يمكن أن تضمن أنقرة أيّ صيغة لمسار الحل السياسيّ أو وقف إطلاق النار وهي جزء أساسيّ من الأزمة، وتحتل مناطق سوريّة وتحتضن كل عوامل الأزمة السوريّة. والسؤال المطروح، أيّ نوع من الضمان؟.
  الضامن المحتل
قصف جيش الاحتلال التركي ومرتزقته مساء الخميس 25/2/2021 قرى في ناحيتي شرا وشيراوا في عفرين المحتلة، وقبلها قصف عدة مواقع في محيط بلدة عين عيسى في إطار المعركة المفتوحة على البلدة، فيما تمثل الدور الروسيّ بالتذبذب بين إعلان الانسحاب من مناطق التماس إلى بلدة تل السمن، والعودة مجدداً إلى مواقعها، ومع الأخذ بالاعتبار أن العمليات المسلحة تأتي على مسافة زمنية محدودة من الجولة 15 من سلسلة أستانه، يُفهم من ذلك توافق الثلاثيّ لدرجة كبيرة، رغم ما يرشح من وقت وآخر من خلافات بين أطراف المثلث، ولكنها مصرةٌ على تقاسم الأدوار على مبدأ “رابح ــ رابح”، وهي سياسة لن يكتب لها النجاح بسبب حجم التناقضات.
آخر اجتماعات أستانه للمفاوضات حول سوريا كانت الجولة 15 للمفاوضات، والتي جرت يومي 16 و17 شباط في مدينة سوتشي الروسية، وتبنّى ممثلو روسيا وإيران وتركيا بياناً مشتركاً، جاء فيه: “ممثلو جمهورية إيران الإسلامية وروسيا الاتحادية والجمهورية التركية كدول ضامنة في منصة أستانا:
أكدنا على التزامنا الثابت بسيادة واستقلال ووحدة أراضي الجمهورية العربية السوريّة، وكذلك بأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك أكدنا على أن هذه المبادئ تخضع لمراعاة والتزام الجميع بها.
هذا نص البند الأول من البيان الختاميّ تركيا دولة تحتل مناطق سوريّة وتقود فصائل مسلحة وُصفت بالإرهابية، وهي تمارس كل أنواع الانتهاكات وهي الأسوأ على الإطلاق، وقامت تركيا بثلاث عمليات عسكرية في سوريا، وتعمل على تغيير هوية المناطق المحتلة وتفرض فيها لغتها وعملتها وثقافتها وتعتقل أهالي المناطق المحتلة.
ورغم ذلك تركيا طرفٌ ضامنٌ، وفي كلِّ بيانٍ ختاميّ يتكررُ البندُ نفسه، “الالتزام بسيادة واستقلال ووحدة سوريا….” وتوافقُ عليه تركيا وهي دولة احتلال، وقد تضمن عدة بيانات لأستانه إشارات إلى رفض خلق حقائق جديدة في مناطق شمال وشرق سوريا، وبعد الجولة الأخيرة قصف جيش الاحتلال التركي منطقة عين عيسى وسقطت القذائف قرب القاعدة الروسيّة… ودشنت مدارس دينيّة تركيّة… هل ما تفعله أنقرة ينسجم مع بند المحافظة على سيادة سوريا ووحدة أراضيها؟ لماذا لا يذكر بيان أستانه المناطق المحتلة، ومعاناة أهلها المهجرين؟
كيف نفهم أستانه؟ ببساطة هي التي تمنح أنقرة الشرعيّة، بل إنّها المسار لاستيعاب الدور التركيّ، واستثمارها في إطار الخطة الروسيّة، وليكون المحتل هو الضامن.
تنكر للحقائق
وردت الإشارة إلى إدلب مقتضبة جداً بالحفاظ على حالة التهدئة فيها، وكذلك الإرهاب، فيما استفاض في استهدافه المبطن للإدارة الذاتيّة، في تكرار حرفيّ لبيانات سابقة لاجتماعات أستانه السابقة، وجاء بالصيغة التالية رفض خلْقَ حقائق جديدة في سوريا تحت ستار مكافحة الإرهاب، بما في ذلك، مبادرات الحكم الذاتيّ “غير المشروعة”، وهذه الصيغة بحد ذاتها تمثل حالة انفصال عن الواقع وتنكراً للحقائق، فالمنطقة المشار إليها أضحت متعددة الوجود العسكريّ، ولم تعد مغلقة، وبذلك فمن الغريب الحديث عن حقائق ومبادرات حكم ذاتيّ، لم تُطرح بالأساس.
تجاهل البيان الحقائق في المناطق التي تحتلها تركيا، حيث إجراءات التغيير الديمغرافي والتتريك والربط الإداري والخدميّ مع الولايات التركية، ويرفع العلم التركي في كل مكان، وتفرض اللغة والعملة التركية، وتُنهب الخيرات وتُنتزع الملكيات ويستمر الاستيطان والتضييق على السكان وممارسة كل أنواع الانتهاكات، منها عمليات الاختطاف التي تطال الرجال والنساء على حدٍّ سواء، إضافةً إلى الاختطاف والتعذيب في أقبية سجون المرتزقة، وتُفرض الإتاوات والفديات وتُسرق المواسم ويتم تجريف المواقع الأثريّة… ويبدو جلياً أنّ هذه الإجراءات تمهّد للضمِّ، بالإضافة إلى كلّ ذلك أضحت المناطق التي تحتلها تركيا ملاذاً آمناً لمرتزقة داعش، ولكن البيان يتجاهل كل تلك الانتهاكات، لا بل لا يذكر أدنى إشارات إلى المناطق المحتلة ولا إلى العدوان الحالي على بلدة عين عيسى.
جولة عين عيسى مختلفة في أهدافها، فالجانب الروسيّ، لم يسمح باستخدام الطيران، ليُفهم خلال ذلك أنّ الأهداف من العملية مختلفة، وأنها لمجرد تشكيل ضغط ميدانيّ، يؤدي إلى إحلال قوات النظام في البلدة، وليس منح أنقرة رخصة بالاحتلال، ويتم بذلك قطع أوصال المنطقة.
علاقة أملتها الحاجة
بداية العلاقة الروسية التركية تعود إلى تجربة حلب، إذ لم يكن بإمكان موسكو أن تنجز شيئاً على الأرض بالاعتماد على القصف الجويّ، وكانت الحاجة ماسة إلى قوة تمسك الأرض، فقد تدخلت القوات الروسية رسمياً في الأزمة السورية في 30/9/2015، ولكنها خلال أشهر من الغارات الجويّة المكثفة لم تنجز الكثير على الأرض، وفي ذلك الوقت كان تصور وجود قوات تعمل في الميدان، يعني عمليات عسكريّة معقدة لعدة أشهر، وبخاصة في أحياء حلب الشرقية حيث حفرت الأنفاق واتُّخذت الإجراءات لحربٍ مديدةٍ، فاتخذت موسكو مساراً سياسيّاً مختلفاً في علاقتها مع أنقرة وحرّضتها.
لم تستطع موسكو تحقيق منجزاتٍ عسكريّةٍ واضحةِ المعالم على الأرض، ذلك لأنّ طبيعةَ الحروبِ وبخاصة ضد التنظيمات الإرهابيّة لا يمكنُ أن تُحسمَ عبر القصف الجويّ فقط، إلا إذا تزامن القصف مع عملٍ على الأرضِ، فكانتِ الحاجةُ إلى تركيا، والبداية من إنجازِ اتفاقِ حلب، فيما أبدت موسكو مبكراً تفهمها للمطالب التركيّة وغضّتِ الطرفَ عن عدالتها وأحقيّتها. وكان اتفاق حلب بداية الانفتاح بين الطرفين، وعلى أساسه تمّت عمليات المصالحة في باقي المناطق السوريّة.
صفقة المخاوف والمصالح
يمكن أن يُقال الكثيرُ حول العلاقاتِ الروسيّة – التركيّة وما تشمله من تفاصيلِ الاتفاقاتِ بين الطرفين، والكلمة المفتاحيّة للعلاقاتِ بينهما هي المصالحُ المشتركة، فموسكو أنجزت صفقة مبادلة بين مخاوفها الأمنيّة بالمصالحِ الاقتصاديّة وصفقة الصواريخ.
تبدأ أهمية تركيا من موقعها الجيواستراتيجيّ ومن ثم بتوظيف هذه الأهمية في حقائقِ السياسة والعلاقات، من جملتها دورها المهم في دعم مسلمي القوقاز وأذربيجان، كما تخشى موسكو الهزاتِ الارتداديّة للزلزال السوريّ بسبب توافقِ الصفيحة التكتونيّة نفسها المتمثلة بالإسلامِ السياسيّ والحالةِ الجهاديّة، ولموسكو تجربةٌ مرّةٌ مع الشيشان، وتأتي أهمية المسألة من كون المسلمين يشكّلون خُمس الشعب الروسيّ تقريباً، ولهذا تلقفت موسكو الإرهاصاتِ الأولى للأزمةِ السوريّةِ، ومع زيادةِ مساحةِ سيطرةِ المجاميعِ المسلّحةِ ودخولِ التنظيمات المتطرفة القاعديّة على خط الأزمة، اتخذت قراراً حاسماً بالتدخّل بثقلٍ عسكريّ نوعيّ في 30/9/2015، ورغم اصطدامها مع أنقرة في حادث إسقاط المقاتلة سوخوي 24 الروسية على الحدود السوريّة التركية في24/11/2015، وكانت نبرة الكرملين حادة جداً تجاه أنقرة، إلا أنّها في الوقت نفسه اتبعت سياسة متعددة المستويات بين الإغراء الاقتصاديّ والاستفزاز، وبعثت برسائل غير مباشرة في نهاية عام 2015 أفهمت عبرها أنقرة أنّها بصدد الانفتاح على كرد سوريا، ولوّحت بملفِّ الدستور الجديد، ليهرولَ أردوغان إلى موسكو مبدياً الاستعداد للتعاون ويخضع للابتزازِ الروسيّ.
جهدت موسكو أن تترك طرف الخيط بيدها، إذ إنها لا تأمن أنقرة، والاتفاق معها أملته الضرورة، فكان الانتقال متعدد المستويات فمن التدافع إلى التنافع، ومن محاربة الإرهاب إلى استثماره، فتم تجاوز كلّ الخلافات ذلك، بما في ذلك اغتيال السفير الروسي في موسكو أندريه كارلوف في 19/12/2016 وذهبت بعيداً في علاقات التنسيق، لتصل حدَّ تهديدِ حلف الناتو بخسارةِ أحد أعضائه المتمثل بتركيا، والتي لطالما أسند لها دور بمحاصرتها منذ عقودٍ عبر إتمام صفقة صواريخ إس 400.
في 22/12/2016 أُعلنت حلب مدينة خالية من المسلحين، فيما عُقدت اجتماعات أستانه في 24/1/2017، أي بالتوازي مع قيادة أنقرة للمرتزقة إلى مدينة الباب، لتتضح معها صيغة الصفقة الروسيّة التركية، وفق نمط المقايضة.
ولكن الدور التركيّ الأخطر يتجاوز إقامة نقاط المراقبة، بل نقل الحراك المسلح من سوية إلى أخرى في توصيفها وأهدافها، فمن شعارات المظلوميّة المذهبيّة أضحت تناقضاً قوميّاً، ومن شعار محاربة قوات النظام إلى حرب الكرد، وفق مبدأ “ضرب الخضم بالخصم”، وهذه المسألة في إطارها العام تخدم الخطة الروسيّة، وعلى هذا الأساس بدأت أنقرة عدوانها على عفرين في 20/1/2018، فكان ترحيل المسلحين مع عوائلهم وإلى مدن وبلدات الشمال، بعد تسوية، تم عبرها تأمين مدينة دمشق. وأعادت أنقرة التجربة في 9/10/2019 لتحتل سري كانية/، وكري سبي /تل أبيض.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

لنحمي أنفسنا

1- ابقى في المنزل من أجل صحتك.
2- احرص على ارتدائك الكمامة عند اضطرارك للخروج من المنزل.
3- توقف عن نشر الشائعات وساهم في حماية الوطن.