ما تزال الكتب التي تحمل توقيع الكاتب والصحفي البريطاني (مات هيغ) تجذب الكثير من القرّاء سواءً في أوروبا أو في العالم العربي وبخاصةً إن العديد من هذه الكتب تُرجِمت إلى العربية مثل كتاب “نادي الآباء الموتى” وكتاب “كيف توقف الزمن” ومؤخراً كتابه الموسوم بـ “ملاحظات حول كوكب متوتر”، الذي صدر في بريطانيا عام 2018م وتُرجِم إلى العربية بتوقيع محمد الضبع عن “دار كلمات”.
كُتب مات هيغ السابقة تُرجمت للغات عدة، واحتلت الصدارة في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في العالم، ومن الكتب التي ينصح بقراءتها، ووصف من قبل البعض بالكتاب الساحر والكتاب العبقري، ووصفته المذيعة البريطانية “فيرن كوتون” بأنه “جميل وصادق وحكيم”. كما قال عنه الطبيب والكاتب آدم كاي – صاحب كتاب “هذا الكتاب سيؤلمك” الذي وصل لأرقام قياسية في المبيعات بأنه “دليل المستخدم الكامل للاعتناء بالعقل”.
ووفق مصطلحات تصنيف الكتب من حيث السمة الأدبية فإنه يندرج ضمن الكتب ووفق المصطلح الإنجليزي “Non Fiction”، والتي تلقى رواجاً كبيراً في أوروبا وأميركا، وكذلك في أستراليا ودول آسيا المتقدمة في صناعة الكتب، ولها قسمها الخاص في قوائم الكتب الأكثر مبيعاً. وتتميز مثل هذه الكتب بأنها مكتوبة بلغة بسيطة وغير نخبوية، لأنها تستهدف أوسع شريحة من القراء، وهيغ معروف بلغته البسيطة في مجمل كتاباته سواء كانت للكبار أو للصغار، ويحمل أسلوبه المزج بين المقولة الفلسفية والدراسات والنتائج العلمية في المراكز العلمية ذات المصداقية العلمية العالمية، وقد حصد العديد من الجوائز عنها.
أم الكتاب عينه فقد قسّمه مات هيغ الكتاب إلى 17 قسماً، يبدأ من قسم “متوترون في عالم متوتر”، وينتهي بقسم “ذاتُكَ تكفي”. ومن خلال الأقسام المتعددة في الموضوع ذاته هناك مقاطع توضيحية ورؤية وتجربة ذاتية للكاتب تحمل النصيحة والمشورة للتخلص من هذه المشكلة أو تلك.
تقنيات كثيرة وحياة قصيرة
الحياة متطورة ومتقدمة بشكل غير اعتيادي بسبب التقدم العلمي والتقني، ولكن وعلى الرغم من توافر هذه التقنيات لدى الناس، ورغم كل السرعة واختصار الوقت والتكاليف فأن المرء يحس بأن الوقت غير كافٍ وأنه بات ينجز أقل مما كان ينجزه من قبل رغم كل الوسائل المتاحة، وإن الوقت يمر سريعاً و بنتاج أقل علمياً كان أم فكرياً، وكأنما باتت حياة المرء أقصر مما كانت عليه والناتج الفكري والثقافي بات أقل رغم كل التقنيات، وإن حجم المشاكل مع ذلك قد زاد.
أفكار وملامح جديدة تظهر فيما يناقشه ويقدمه مات هيغ في مقاربة للواقع وما كانت عليه الحال من قبل: “أغلب الناس يعلمون أن للعالم المعاصر تأثيراً خطيراً علينا نحن البشر، ويعلمون أنه على الرغم من التقدم الصناعي والتقني، فإن هناك عناصر خطرة في الحياة المعاصرة قد تودي بحياتنا، كحوادث السيارات، التدخين، تلوث الهواء، الحياة الكسولة على الأرائك، طلب البيتزا عبر خدمات التوصيل، الإشعاعات”.
ثم يضيف عن تجربته الشخصية وما لامسه بحق من قلق يتزايد ومشكلات تتفاقم في ظل التقنية المتعاظمة: “كنتُ أعاني من حمولة زائدة في حياتي. حمولة زائدة من التقنية”، وذاك حمل زائد من المشاكل التقنية التي تبدو دون حل مرتقب.
هيغ لا يكتفي بمجرد الإشارة إلى كل هذا الكم من المشاكل المتنامية بل يشير إلى إنه بدأ بالتحسّن تدريجياً عندما تخلى عن كل ما يوتر أعصابه من تقنيات ويتلف شيئاً منه ويتعب بعضاً من ذاته: “أصبحت الأجهزة التقنية الوحيدة التي أتعامل معها في تلك المرحلة هي السيارة، وأجهزة الطبخ، ومقاطع اليوغا على اليوتيوب التي كنتُ أشاهدها مع خفض سطوع الشاشة”.
الألم المُعلّم الأفضل
“الأشياء التي تجعلني أشعر بالقليل من التوتر وأنا بصحة جيدة، هي ذاتها التي تجعلني أشعر بالكثير منه وأنا مريض، وما أكتشف أنه يؤلمني في مرضي، يمكنني تجنبه عندما أشعر بالتحسّن “الألم أفضل معلم””.
يشرح هيغ للقارئ معنى وتأثير نوبات القلق، وهو ما يُقرّب الكتاب للجمهور أكثر، فيستنتج أن هناك فرقاً كبيراً بين الشعور بالقلق وبين الإصابة بمرض القلق، ويشبّه ذلك بالفرق بين الشعور بالجوع وبين العيش في مجاعة. كما لا يفوته أن يقدم مقاطع على شكل أسئلة محفّزة للتفكير مثل سؤاله هذا: كيف تحافظ على كونك إنساناً في عالم يتغير باستمرار؟ إذ يجد المختصون أن التغيير المفاجئ والشديد في حياة شخص ما قد يكون عاملاً مهماً لظهور المشكلة. وغالباً ما يرتبط التغيير بالخوف، ويطرحون حالات وأمثلة كثيرة مثل الانتقال إلى منزل جديد، أو خسارة وظيفة ما، أو الزواج، أو الوصول لسن الأربعين، أو انخفاض الدخل وارتفاعه، بل يجدون أن التغيير الإيجابي أيضاً قد يسبب صدمة لذلك الشخص.
ولكن هيغ يجد أن التغييرات تحدث أيضاً من حولنا، وتسبب صدمات شديدة على نطاق أوسع ولشرائح أكبر، ويجد أن التقنية بدءاً من اكتشاف النار أو العجلة أو الكهرباء أو الطابعة هي التي غيّرت حياة البشر، وإن “التغيير في التقنية الحديثة هو أكبر عوامل التغيير التي نستطيع ملاحظتها في عالم اليوم”.
يذهب الكتاب إلى المشاكل التي أتت بها التقنية معها مثل مشاكل التغذية والرضا عن الجسد والمظهر الخارجي، والصدمات التي تصنعها منصات التواصل الاجتماعي مع مشاهدة أجساد قد تُشعر المشاهد بعدم الرضا، وربما بالعار من جسده، وكذلك القلق بسبب ردود الفعل حول تغريدة أو تعليق، أو الغرق في الوحدة بالتخلي عن الحياة الحقيقية لصالح الحياة الافتراضية.
من بين جميع التحديات التي نواجهها في هذا القرن، يستطرد مات هيغ، هو أنه “بينما ننصهر أكثر وأكثر في التقنية من حولنا، قد يكون أهمها: كيف بإمكاننا الحفاظ على إنسانيتنا في خضم هذا العالم الرقمي؟ كيف بإمكاننا التمسك بذواتنا ومقاومة خسارتها؟”.
أزمة النوم ومحاربوه
من الفصول الممتعة في هذا الكتاب هو ذاك الفصل الذي عنونه مات هيغ بـ “فصل قصير عن النوم”. فبعد أن يتحدث عن أهمية النوم لصحة جسد الإنسان وعقله وروحه، والخراب الذي نحصل عليه من دونه، يجد أن هناك “حرباً ضد النوم”، وأنها بدأت منذ اختراع توماس أديسون لأول نموذج من المصباح الكهربائي.
لكن الأمر تفاقم في العصر الحديث لأن النوم كان ويظل “عدواً تقليدياً لثقافة الاستهلاك”. فنحن لا يمكننا التسوق ونحن نائمون، كما لا يمكننا الكتابة على تويتر أو الرد على البريد الإلكتروني أو مشاهدة صور ومقاطع انستغرام، ولكن الشركات صارت تربح حتى من النوم، فصار النوم نفسه سلعة قابلة للتسويق، بعد أن كثرت عيادات ومراكز النوم، حيث يقوم الناس بدفع المال للحصول على نصائح تساعدهم على النوم بشكل أفضل.
الرئيس التنفيذي لشركة نتفليكس (Netflix) ريد هاستينغز يعتقد أن أكبر منافس له هو النوم وليس القنوات التلفزيونية الأخرى أو شركة أمازون (amazon) أو أي شركة أخرى تقدم المشاهدة عبر الإنترنت، ففي مؤتمر للصناعة في تشرين الثاني 2017 في لوس أنجلوس قال “فكروا بالأمر، عندما تشاهدون مسلسلاً على نتفليكس وتصابون بالإدمان عليه، بإمكانكم السهر طوال الليل لمشاهدته.. إننا نتنافس مع النوم. وهناك قدر كبير جداً من الوقت نقضيه ونحن نائمون”.
وهكذا هو الحال في فصول باقي الكتاب التي قد تشكل أبحاثاً ومواضيعاً جديدة للقارئ العربي، والسؤال الذي قد يطرحه أحدنا على نفسه من مثل ماذا نتعلم أو نستفيد من مثل هذه الكتب؟ يجيب عنه مات هيغ بنفسه عندما يكتب: “إن كان مدّ المجتمع يجذبنا لاتجاه واحد فإنه من الممكن لنا -إن كان ذلك الاتجاه يُضاعف من شعورنا بالتعاسة- أن نتعلم كيفية السباحة للاتجاه المعاكس، وأن نتعلم السباحة باتجاه أنفسنا الحقيقية، وعلى هذا الأمر تعتمد نجاتنا”.
وكالات