سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

مكافحة الفساد ثورة إدارية واستراتيجية

آزاد كردي –

كان الفساد مستشرياً كالملح في الطعام إبان سيطرة الحكومة السورية على كامل الجغرافيا السورية ومفاصل المؤسسات فيها نتيجة السياسات الخاطئة للنظام الحاكم، وبعدما جاءت الإدارة الذاتية وفي وقت قصير نسبياً استطاعت إزالة الكثير من مظاهر الفساد ومخلفاته، وإن لم يكن بالقدر الكافي الملحوظ، لكن على الأقل تحجيم إدارة شبكاته البراغماتية مؤسساتياً.
وفي الآونة الأخيرة زادت حالات انتشار الفساد في مؤسسات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، لذا تأسست جهة رقابية تهدف لمحاربة الفساد وتحجيم دوره عبر هذه الجهة التي بدأت بالعمل منذ اليوم الأول من تأسيسها.
ومما يجب الإقرار به أن الفساد بات ينتشر في الكثير من المجتمعات كالنار في الهشيم، ولم يترك دولة إلا وألحق بها أضراراً بالغة، وبحسب تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن تكلفة الفساد تبلغ ما لا يقل عن 2,6 تريليون دولار أي ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، كذلك أصدر البنك الدولي تصريحاً قال فيه: إن الشركات والأفراد تدفع ما يزيد عن تريليون دولار كرشاوي كل عام. وتقول التقارير الرقابية: إن الفساد يولد مزيداً من الفساد ويعزز ثقافة الإفلات من العقوبات الرادعة.
إن معالجة داء الفساد الذي بات يؤرق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، ولا سيما أنها حديثة العهد من حيث التأسيس والنشأة، ينبغي أن تبدأ في تحليل ركام ذهني هرمي من الفساد الإداري والمالي خلال مدة تصل إلى خمسين عاماً من حكم سوريا. وحَرِيٌّ بالإدارة الذاتية الانطلاق بالسرعة القصوى إلى تطبيق نظام جديد قائم على تأسيس مؤسسات رقابية تهدف إلى محاربة الفساد وترسيخ مبادئ النزاهة والمساءلة، كما يفترض بها منحه، أي النظام الجديد؛ صلاحيات استثنائية، منها إنشاء وحدة للتحقيق والادعاء الجنائي إضافة إلى حق فصل العامل الذي تحوم حوله شبهات الفساد، مع استمرار مقاضاته قانونياً حتى يصدر الحكم النهائي. وكذلك منح الجهاز الرقابي حق التدخل إذا لاحظ أن ثروة العامل العام ومن في حكمه بعد توليه الوظيفة زادت بشكل لا يتناسب مع دخله، أو موارده الطبيعية بناء على قرائن موضوعية مبنية على تحريات مالية بارتكابه جرائم فساد مالي أو إداري، فيكون عبء الإثبات على العامل للتحقق من أمواله اكتسبت بطرق مشروعة، أما في حال عجزه عن إثبات مصدرها المشروع تحال نتائج التحريات المالية إلى وحدة التحقيق والادعاء الجنائي للتحقيق مع العامل المعني واتخاذ ما يلزم أصولاً من إجراءات قانونية.
وينبغي ألا يكون التحقيق مع العامل تحقيقاً عشوائياً، بل من الواجب أخلاقياً استناده إلى قرائن وشواهد قانونية موضوعية واضحة، حتى لا تشوب القضايا أي شائبة، كما أن القوانين الجديدة للرقابة والمساءلة تجلُّ مبدأ فرض القانون على مبدأ العدالة والمساواة وممارسة مبادئ الشفافية والنزاهة على كل من يقوم بالوظيفة العامة. وكذلك ينبغي أن يبين النظام الجديد أهمية تحصين المال العام، والمحافظة على حرمته، وإبعاده عن المصالح الشخصية والشبهات، فالوظيفة أولاً وأخيراً هي من أجل خدمة الوطن والمواطن.
إن أهم ما يعنى به النظام الجديد هو موضوع الذمة المالية، وبالأخص في الجهات الخدمية المرتبطة بالسيولة النقدية، وأخص منها على سبيل المثال لا الحصر؛ البلديات والصحة والجمارك والعدالة والمحروقات والمالية. والهدف من هذه الإجراءات أن يفصح المسؤولون في هذه الجهات سنوياً عن علاقتهم وارتباطاتهم المالية بالمنشآت التي يديرونها ويشرفون عليها بحكم عملهم مقارنة بالتغيرات المالية التي تطرأ على أرصدتهم وممتلكاتهم وحياتهم ومعاشهم.
والحقيقة أن محاربة الفساد الإداري والمالي في هذه الأيام يستلزم من الإدارة الذاتية القيام بثورة من أجل تطوير حوكمتها الإدارية من خلال التقنيات الحديثة، لأن آفة الفساد تتطور مع هذه المنظومة التي تشرعن نفسها إدارياً وتعرقل مشاريع التنمية والتطوير، فالفساد الإداري أحد أمراض العصر الفتاكة التي تسببت بانهيار دول كبرى في كثير من مراحل التاريخ البشري، بعدما تفشى ونهش أعمدتها دون أن تتحرك حكوماتها للقضاء عليه بسرعة، مما أدى إلى تقوض أركان الدول وزاولها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.