سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

بريطانيا… حسابات الربح والخسارة بعد مغادرة الاتحاد الأوروبي

رفيق إبراهيم –

شكل الاستفتاء الذي أجرته بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي منعطفاً هاماً على مستويات عديدة، على الرغم أن القرار بريطاني داخلي محض، إلا أنه سيكون له انعكاساته الواسعة التي لن تقف عند أبواب الاتحاد الأوروبي، بل ستتعدى الحدود المرسومة لهذه الدول لتتجاوزها إلى المستوى الدولي، ومن هنا لا بد من السؤال حول انعكاسات خروجها، إيجاباً أو سلباً، من الاتحاد على المستوى الداخلي وعلى الاتحاد الأوروبي، وعلى العالم بأسره؟
خروج بريطانيا وتأثيرها على الاتحاد الأوروبي والداخل البريطاني
خروج بريطانيا في هذه الظروف العصيبة يعتبر ضربة قوية يتلقاها الاتحاد الأوروبي منذ تأسيسه، وبخاصة أن هناك أزمات كبيرة في الكثير من دول الاتحاد، وبخاصة الأزمة الاقتصادية، كما أن هناك مشاكل أخرى تواجهها دوله تتطلب التعاون والتنسيق فيما بينها، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يزيد المهمة صعوبةً أمام باقي الدول، وبخاصة الدول التي لها وزنها كفرنسا وألمانيا. ولكن؛ انهيار الاتحاد الأوروبي لن يتم على المدى القصير إلا أنه بات مهدداً بالانهيار بشكل أكبر مما كان عليه سابقاً، والتصريح الذي أدلى به رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك لصحيفة “بليد” الألمانية يضع الكثير من النقاط على الحروف، عندما قال: (أخشى أن يكون خروج بريطانيا مؤشراً ليس فقط على بداية انهيار الاتحاد الأوروبي، وإنما الحضارة الغربية بشكل عام)، وما يتخوف الأوروبيون منه هو تحسن أوضاع بريطانيا ونمو اقتصادها بعد الطلاق مع الاتحاد الأوروبي، ما قد يشكل ضربة كبيرة لفشل سياسات الاتحاد، ويؤدي إلى تفكير بعض الدول الأخرى بالانفصال عنها، لتشكل خطورة على وضع أوروبا المستقبلي، هذا من جهة. ومن جهة أخرى يشكل خروج بريطانيا ضربة قاصمة لثقل الاتحاد الأوروبي السياسي في العالم، كما أن ذلك سيؤثر على دور الاتحاد الأوروبي في مختلف القضايا العالمية التي تتطلب وحدة القرار وفاعليته، وحتى في مسألة العقوبات الجماعية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي ضد الدول والحكومات، لن تكون بتلك الفاعلية التي كانت بوجود بريطانيا، حيث يقول المحللون بأن على أوروبا اتخاذ سياسة داخلية أكثر مرونة من ذي قبل، للحيلولة دون خروج دول جديدة من الاتحاد.
أما ما يخص وضع بريطانيا الداخلي فإنه لا يمكننا القول بأن الانفصال سيخدم البريطانيين أو عكس ذلك، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي له جانب إيجابي وأيضاً لها جانبه السلبي، ومن الآثار السلبية الهامة هو الجانب الاقتصادي، حيث يتخوف البريطانيون من أن الخروج من الاتحاد يمكن أن ينجم عنه رفع الضرائب وتخفيض النفقات من أجل تعويض النقص المالي الذي يقدر بـ 30 مليار جنيه إسترليني، أي ما يعادل 38 مليار يورو، وما هو متوقع أيضاً فرض رسوم جديدة على حركة الاستيراد والتصدير الداخلة والخارجة من بريطانيا مع الاتحاد الأوربي، على اعتبار أن تعاملها مع الاتحاد الأوروبي من حيث الصادرات التي تتجاوز الـ45 بالمائة، أما الواردات السنوية فهي تقارب الـ 45 مليار يورو من ألمانيا وحدها، وهذه لا تعوض إلا بفرض ضرائب ورسوم جمركية جديدة نتيجة الانفصال، وهذا ما أكده وزير المالية البريطاني.
وأيضاً هناك أكثر من نصف مليون عامل بريطاني يعملون في أوروبا ستشملهم التغيرات التي ستحدث بعد الخروج، وهؤلاء سيعانون من مشكلة الإقامة في دول الاتحاد وأيضاً من الفرق بين العملات، وهناك ناحية أخرى هامة يجب الإشارة إليها وهي إمكانية فرض عقوبات صارمة على بريطانيا، منعاً لحدوث انفصال دول أخرى، ومع فرض تلك العقوبات ستواجه بريطانيا ظروفاً صعبة للغاية. ومن التبعات الأكثر خطورة على بريطانيا زيادة احتمال انفصال اسكوتلندا عنها، رغم الظروف التي منعت الانفصال حيث تم التصويت على ذلك في عام 2014 لمنع الانفصال، والآن جاءت الظروف الجديدة لترفع الأصوات في اسكتلندا التي تنادي بالانفصال عن بريطانيا، حيث أن المصلحة العامة لها تتمثل في البقاء مع الاتحاد الأوروبي، لأن الشعب الاسكتلندي يستفيد من خلال تمويل الاتحاد الأوروبي لهم وبخاصة في مجال الزراعة، لهذا ستحاول اسكتلندا الاستفادة من خروج بريطانيا وتطالب بالانفصال أكثر من أي وقت آخر، لتستفيد من الظروف الآنية المحيطة. أما الآثار الإيجابية فهي قليلة لا تعكس حجم بريطانيا ودورها العالمي الهام، حيث لم تنسجم بريطانيا يوماً مع القرارات الأوروبية التي لم تكن تراعي المصالح البريطانية، وفي الكثير من الأحيان كانت تضطر للقَبول بتلك القرارات مكرهةً، كونها لم تكن تستطيع الخروج عما يقرره الأوروبيون وترفض ما أجمع عليه الأوروبيون، ولهذا جاء قرار الانفصال للحفاظ على المصالح واتخاذ القرارات المناسبة بخصوصها.
ماذا بشأن العلاقة مع الأمريكان والروس ودورها في المنطقة؟
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وشخصيات أخرى من إدارته كانوا يدعمون سياسة بريطانيا بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي، إلا أن الإدارة المنتخبة الحالية وكذلك السياسة العامة الأمريكية لا تشجع أبداً على انفصال بريطانيا، لأنها تعتبر المروج الأول للسياسات الأمريكية في الاتحاد الأوروبي، وهذا يعني ضرب النفوذ الأمريكي لدى الأوروبيين، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتعامل مع الدول الأوروبية ككتلة واحدة، ولكن الآن تغير كل شيء وعلى الأمريكيين التعامل مع البريطانيين بشكل مختلف، وأمريكا تحسب حساباتها الخاصة بدخول بريطانيا الساحة السياسية بشكل منفرد ما قد يضر بالسياسة الأمريكية الدولية، وهذا سيؤثر بشكل سلبي وسيخلق مواجهة بين الطرفين قد تؤدي إلى الاحتكاك والضرر بالطرفين.
 وقد يصب انفصال بريطانيا لمصلحة الروس، لأن خروجها سيضعف موقف الكتلة الأوروبية من العقوبات المفروضة على روسيا، ما سيفسح المجال أمام الروس للتفاوض بشكل فردي مع البريطانيين، وسيكون هناك فرصة كبيرة لنمو وتمتين العلاقات بين الجانبين إذا ما ساءت العلاقات البريطانية الأوروبية.
وختاماً يمكننا القول؛ إن قرار خروج بريطانيا من الاتحاد، خلط الكثير من الأوراق الأوروبية وأثر على منطقة اليورو على كافة المستويات، والقرارات البريطانية إن لم تتفق مع الأوروبية ستخلق أزمات كبيرة بين الجانبين، وعلى ما يبدو أن شعوب الشرق الأوسط والمنطقة تتنظر بعين إيجابية إلى تفكك الاتحاد الأوروبي وخروج بريطانيا، نتيجة سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه شعوبها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.