سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

عين عيسى على طاولة المقامرة الروسية – التركية

محمد شيخو –

كَثُرت التفاهمات الروسية التركية عالمياً على مستوى فض النزاعات على مبدأ (إن أعطيتك، ماذا ستعطيني؟) كانت السمة الطاغية على كل هذه الاتفاقات سواء في سوريا، ليبيا، أو قره باغ، بعد أن خرجت تركيا عملياً ولو مؤقتاً من الدائرة الغربية المناوئة للروس، ولعلّ هذه التفاهمات في مجملها كانت تهدف في جوهرها إلى تعميق الخلاف أكثر بين تركيا وأمريكا، إدراك الأتراك أنّ أمريكا الدولة، وليس فقط ترامب، الصديق الحميم لأردوغان؛ جعلها أحياناً تقبل بالفتات من أيدي الروس.
ثنائية روسيا – تركيا ظهرت من جديد على الساحة السورية، هذه المرّة في مدينة عين عيسى السورية، الحكومة الروسية وبحسب مصادر مقربة منها، طالبت قوات سوريا الديمقراطية بتسليم المدينة للنظام السوري، لمنع وقوع غزو تركي جديد مشابه لما حصل منذ قرابة عام على مدينتي سري كانيه وكري سبي، لترفض (قسد) العرض جملةً وتفصيلاً.
يسابقُ الأتراك والروس الزمن في السيطرة على العاصمة الرمزية لفيدرالية شمال وشرق سوريا، قبيل استلام إدارة بايدن دَفة الحكم في أمريكا، التي يعتقد كلا الجانبين أنها لن تتهاون معهم بخصوص زيادة مساحات النفوذ الروسية والتركية على حساب نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية، فالرجل الديمقراطي المخضرم ينتهج مبدأ إعادة الاعتبار للسطوة الأمريكية في العالم التي أهانها ترامب مراراً، ناهيك عن أنّ الحفاظ على التحالف مع الكرد بشكل من الأشكال من ضمن الأهداف الكثيرة للوجود العسكري الأمريكي في سوريا.
لكلٍّ من بوتين وأردوغان أجندته الخاصة في السيطرة على المدينة، فبينما تحاول تركيا قدر المستطاع قطع الشرايين بين أقاليم ومناطق الإدارات الذاتية، وزيادة المساحات الخاضعة لسيطرتها لإحداث شرخ في الجغرافيا السورية التي تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية؛ تحاول روسيا بأساليب ذكية تؤكد إتقانهم التعامل مع الهواجس العنصرية التركية تجاه الكرد، واستغلالها لأقصى حد في سبيل تحقيق أهدافها التي تقتصر على زيادة نفوذ النظام السوري على حساب الجميع، كذلك إثارة المخاوف الكردية من بدء الأتراك عملية عسكرية ضخمة تفضي في النهاية لخسارة عين عيسى الاستراتيجية، المدينة التي تتوسط مناطق فيدرالية شمال وشرق سوريا وتعتبر نقطة الوصل بين إقليمي الجزيرة والفرات.
الأجندات الروسية والتركية في السيطرة على عين عيسى تتفقان على ضرورة السيطرة على المدينة التي تسيطر عليها (قسد)، لكن الخلاف يكمن حول الأهداف البعيدة وهوية الجهة التي ستسيطر على المدينة، المجموعات الإرهابية الموالية لتركيا، أم الجيش السوري الذي أصبح أشبه بفصيل موالي لروسيا منه لجيش نظامي؟ وهنا تبدأ لعبة شد الحبل بين الجانبين. تستغل روسيا استعجال الأتراك في السيطرة على المدينة خوفاً من قدوم الأسوأ مع استلام بايدن مفاتيح البيت الأبيض، فتارة تعطيها الضوء الأخضر للهجوم، وتارة تظهر بمظهر الضامن لاتفاق وقف إطلاق النار، مع التلميح للقادة في قوات سوريا الديمقراطية أنّ المدينة بالنسبة لهم أفضل حالاً في يد الروس والنظام منها في يد الأتراك والفصائل الإرهابية، بهذا الأسلوب تبقي روسيا يدها الأعلى في المعضلة، وتضع كلاً من قوات سوريا الديمقراطية والأتراك في مأزق صعب.
يبدو أنّ الخيارات دائماً ليست بالكثيرة أمام قوات سوريا الديمقراطية، فالموقف الروسي أقرب لعدم الاكتراث كثيراً بالشراكة معهم، كذلك الموقف الأمريكي الضبابي حتى الآن من العملية العسكرية التركية، يجعل قسد في حالة قلق من الإقبال على أيّ عملية خلط أوراق جديدة، كما فعلت أثناء عملية احتلال سري كانيه وكري سبي العام الماضي، حين فتحت الطريق لروسيا والنظام للسيطرة على القواعد التي تركتها أمريكا خاوية. فهي إن قررت إخراج القوات الروسية من الأماكن التي دخلتها بعد العملية التركية، وإفساح المجال لسيطرة القوات الأمريكية مرة أخرى على كامل شرق الفرات، قد تصطدم برفض أو لعبة أمريكية جديدة، ما قد يجعل مناطق شاسعة من شمال وشرق سوريا معرضة لعملية تركية جديدة. ناهيك عن أنه من المحتمل أن تحدث مواجهة مباشرة مع الروس، كذلك إن قررت (قسد) إخراج قوات النظام من قامشلو والحسكة كورقة ضغط على روسيا، قد يؤدي القرار إلى انسحاب الجيشين الروسي والسوري من شريط طويل يفصل بين (قسد) والأتراك كردِّ فعلٍ انتقامي، ما قد يشكل انعكاسات خطيرة. فاختارت (قسد) الخيار الذي رأته الأنسب، وهو المقاومة دون مغامرات سياسية كبيرة لحين انتهاء الفترة الانتقالية الرئاسية في الولايات المتحدة، ولربما استدراجهم للدخول على الخط ولو دبلوماسياً، الأمر الذي سيغير موازين القوى في معركة عين عيسى، فالجميع يعرف أن لا أحد بإمكانه إيقاف المخطط التركي الروسي سوى أمريكا.
تبقى الاحتمالات مفتوحة على كل الأصعدة، في ظلّ المحاولات الروسية التي تحاول استغلال جميع النقاط الشائكة في اللعبة لصالح النظام بعد أن تحولت روسيا من دولة ضامنة للحل في سوريا إلى دولة ضامنة لمصالح نظام الأسد فقط، كذلك موقف قسد الصعب أمام الخيوط التكتيكية المتشابكة بين روسيا وأمريكا. في حين تبقى الورقة الرابحة حتى الآن بيد قوات سوريا الديمقراطية، أنّ الأمريكيين لم يعطوا الضوء الأخضر بعد لغزو عين عيسى، وإن عدم مشاركة الطائرات التركية بشكل فعال في هذه المعركة لدليلٌ بيِّنٌ على عدم الرضا الأمريكي من التصرفات الهمجية التركية، التي قد تُوقِع المدينة المهمة بيد النظام، أي بمعنى آخر بيد العدو اللدود لها، إيران. إذا أخذنا بعين الاعتبار السيطرة الأمريكية على المجال الجوي شرق الفرات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.