سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

​​​​​​​تركيا والتطبيع.. ترويج للقضية الفلسطينية مرة ومغازلة لإسرائيل مرات

يسعى أردوغان من خلال خطاباته الترويجة للقضية الفلسطينية، وتنصيب نفسه على أنه المخلّص للقضية، في حين أن العلاقات الاستخبارية والتجارية التركية الإسرائيلية لم تنقطع وفق آخر تصريح له، فيما اعتبر الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو مهادي، أن النظام التركي يحاول استمالة تل أبيب بعد العزلة الدولية التي يمر بها، في محاولة لاسترضاء أميركا.
في الوقت الذي كانت خطاباته تتوالى عن بيع المسلمين للقضية الفلسطينية ويتقمص دور الباكي على أوضاعهم، تناسى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن بلاده كانت من أوائل الدول التي اعترفت بدولة إسرائيل، وبدأت علاقات رسمية معها عام 1949، ورفرف علمها فوق مبنى سفارتها في تل أبيب.
تناقضات أنقرة الحليف القوي لتل أبيب وصاحبة العلاقات التجارية والاقتصادية والاستخباراتية معها، تظهر دومًا متاجرة تركيا بالقضية الفلسطينية في مختلف المحافل الدولية، لا سيما على صعيد الرأي العام العربي والإسلامي، سعيًا وراء اكتساب مكانة زائفة، في واقعٍ لم يقدم ما يبرهن على ذلك.
عزز حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان، من الاتفاقات العسكرية مع إسرائيل، غير آبه بتناقضات خطاباته التي تظهر حماسته للقضية الفلسطينية، ويبطن تعزيزًا للتجارة والعلاقات العسكرية مع تل أبيب.
ولم يقتصر تعاون أردوغان مع إسرائيل على الاتفاقات العسكرية لينقل العلاقة إلى مرحلة الاستراتيجية، فحتى مسرحيته بالانسحاب من قمة دافوس في 2009، لم تؤثر في الاتفاقات العسكرية بين البلدين، والتي تجعل من إسرائيل المورد الأول للأسلحة بالنسبة لتركيا.
اتفاقيات عسكرية
وتعدّ تركيا ثاني دولة بعد الولايات المتحدة، في احتضان أكبر مصانع أسلحة الجيش الإسرائيلي، وازداد التعاون العسكري مع تل أبيب منذ الاحتلال التركي لشمال جزيرة قبرص عام 1974، والذي أدى إلى عقوبات أميركية أوروبية على قطاعها العسكري، واعتمدت أنقرة آنذاك على الجانب الإسرائيلي في تحديث الجيش.
وظلت الاتفاقات العسكرية التي بدأت بـتحديث (F – 4) فانتوم وطائرات (F – 5) بتكلفة 900 مليون دولار، وترقية إسرائيل لـ 170من دبابات M60A1 لتركيا مقابل 500 مليون دولار، قائمة، وصولًا إلى الاتفاق الذي يقضي بتبادل الطيارين العسكريين بين البلدين 8 مرات في السنة.
وفي تناقض مربك لموقف أردوغان وحزبه تجاه القضية الفلسطينية، فإن الاتفاق ينص على تدريب وصقل قدرات الطيارين الإسرائيليين ليصوبوا على رؤوس الفلسطينيين بدقة.

أبرز الاتفاقات
في عام 1956، أرسلت تركيا 25 طائرة عسكرية من طراز “داكوتا”، إلى إسرائيل بغرض إصلاحها في تأكيد على الوجهة التي تريد أن تأخذها الدولتان بشأن التعاون العسكري بينهما، وباتت عملية مشاركة إسرائيل في صيانة الأسلحة التركية مستمرة منذ ذلك التاريخ.
واكتسب التعاون العسكري التركي الإسرائيلي بريقه، عام 1978، حين زودت إسرائيل تركيا بالأسلحة خلال الاحتلال التركي لشمال قبرص، بعد أن كانت قد توترت منذ عام 1963 نتيجة التقارب الإسرائيلي مع اليونان بشأن قبرص في مواجهة تركيا، وبقيت العلاقات مع قبرص واليونان معيارًا مهمًّا.
ولازمت علاقات الطرفين الهدوء، ففي عام 1989، تم توقيع اتفاقية عسكرية بين سلاحي الجو التركي والإسرائيلي للتعاون في مجالات التدريب وتبادل المعلومات العسكرية، وتبلور بشكل واضح عندما سمحت تركيا للطائرات الإسرائيلية باستخدام المطارات العسكرية التركية للتجسس على العراق.
إلى هذا، وفي أعقاب غارة إسرائيلية عام 2000، على مخيم جنين أدانت تركيا إسرائيل، إلا أن ذلك لم يمنع تل أبيب من تحديث 170 طائرة ودبابة تركية، وكان ذلك هو توقيت صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا.
وبعد مرور عام على القصف الإسرائيلي لقطاع غزة عام 2010، زار إيهود باراك الذي كان وزيرًا للدفاع الإسرائيلي حينها العاصمة التركية أنقرة، ولم يُعلن عن مضمون واضح لتلك الزيارة، ولكن مصادر مرافقة له قالت إن هناك نحو 60 اتفاقية تعاون أمني وعسكري سارية بين الدولتين.
وتناقلت وسائل إعلام تركية وإسرائيلية عام 2013، أن إسرائيل سلمت تركيا أجهزة إلكترونية عسكرية وأمنية بقيمة 100 مليون دولار، كما قدمت إسرائيل لتركيا منظومات عسكرية متطورة، وكل هذا جاء رغم المناوشات السياسية التي وقعت بين الدولتين خلال السنوات الأخيرة.
توسيع الشرخ بين الفلسطينيين أنفسهم
وفي محاولة لإيجاد موطئ قدم له على الساحة العربية، يسعى أردوغان إلى استغلال القضية الفلسطينية سياسيًّا، على أمل تحقيق الوهم باستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية البائدة، حيث تتلاعب حماس وتركيا بالقضية الفلسطينية باعتبارها من القضايا التي تشغل العالم الإسلامي والدولي، لتحقيق مكاسب ذاتية على حساب الشعب الفلسطيني.
أردوغان الذي لطالما اكتفى بالصياح في دعم القضية الفلسطينية، لا يتوانى عن تعميق هوة الانقسام في صفوفهم عبر الدعم المستمر لحركة “حماس”، وتجاهل التعامل مع السلطة الفلسطينية، إلى جانب تعزيز التبادل التجاري والعسكري مع إسرائيل.
ولا ينفصل لعب أردوغان بالقضية الفلسطينية، التي وصفها وزير الاستخبارات والمواصلات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في حديثه لصحيفة “معاريف” العبرية في أيلول/ سبتمبر الماضي بـ “فريمني” أي الصديق العدو، عن طموحه بالسيطرة على المنطقة العربية وعلى أجنحة تنظيمات الإسلام السياسي.
وأشار الوزير الإسرائيلي كاتس، إلى أنهم لا يأبهون لعنتريات أردوغان ضدهم عبر وسائل الإعلام، طالما أنها لا تمنعه من جعل حجم التجارة عبر حيفا نحو 25% من تجارة تركيا مع دول الخليج العربي، مؤكدًا أن إسرائيل تتعايش مع أردوغان، بالرغم من مسرحياته، وهي تعي أنه يعتبر نفسه قائد الإخوان المسلمين بالعالم ويحاول أن يقود العالم الإسلامي.
وينظر بحسب بعض المحللين إلى خطابات أردوغان الشعبوية بخصوص القضية الفلسطينية، بأنها لا تختلف كثيرًا عن هتافات جماعة الإخوان التي يرعاها أردوغان.
ويربط تركيا وحماس علاقات وثيقة، في ظلّ الزيارات المتبادلة، التي كانت آخرها زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، إضافة إلى تقديمها ملاذًا آمنًا لبعض قياداتها السياسيين والعسكريين، على الرغم من اعتبار حركة حماس من بعض دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا بأنّها منظمة “إرهابية”.
وانتقدت أنقرة القرار الأميركي بإدراج رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، على لائحتها السوداء لـ”الإرهابيين”، وبات الدعم التركي مهمًّا للحركة، بعد أن تحطمت آمال أنقرة بالاعتماد على جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي أطيح بها بعد ثورة 30 حزيران/ يونيو 2013.
إلى هذا، أفادت تحقيقات جهاز الأمن العام الإسرائيلي أو ما يعرف بالـ “الشين بيت”، بأن تركيا تساهم في تعزيز قدرات حماس العسكرية، من خلال الكشف عن نشاط واسع النطاق تقوم به حركة حماس لغسيل الأموال في تركيا، وتمّ نقل هذه الأموال إلى الضفة الغربية، وساعدت في تجنيد مواطنين عرب، إضافة إلى دعم تركيا القدرات العسكرية لحماس عبر شركة “سادات”.
وتقول شركة سادات، التي تأسست تحت رئاسة العميد المتقاعد، المقرَّب من أردوغان، عدنان فردي، وبدأت أنشطتها، في شباط/ فبراير 2012، أن “هدفها تأسيس تعاون بين الدول الإسلامية في مجال الصناعات العسكرية والدفاعية”، فيما يتضح من أنشطتها، داخل تركيا وخارجها، أنها إحدى أذرع أردوغان لتحقيق حلم الإمبراطورية، الذي يأمل تنفيذه من خلال الهيمنة على الدول العربية والتلاعب كذلك بالقضية الفلسطينية.
وتظهر المؤشرات أن الشركة، تتبنى أيديولوجيا “سلفية جهادية”، ولعبت دورًا في قمع المعارضين الأتراك، في تموز/ يوليو 2016، فضلًا عن أن تقريرًا لموقع تحليل قضايا الإرهاب “تيروريزم أناليستس” أشار إلى أنّ الشركة توفر السلاح للمرتزقة المدعومين من نظام أردوغان، في سوريا وليبيا، إضافة إلى دورها في إنشاء مجموعات مؤيدة لأردوغان.
ما بين الهجوم والتطبيع
ولاقت معاهدة السلام الإسرائيلية الأخيرة مع الإمارات والبحرين والمغرب العربي ترحيبًا عربيًّا ودوليًّا، إلا أن سيل الانتقادات التركية لمسارات السلام العربية المتلاحقة مع إسرائيل لم تتوقف، وتتالت التصريحات المستنكرة، والهجمات الكلامية اللاذعة، في محاولة الركوب على الحدث، غير مستوعبة بأنه كلما علا منسوب الانتقاد تعرت ازدواجية النظام وتناقضاته.
وفي تصريحات تكاد تلامس الواقع، صرح أردوغان في آب/ أغسطس الماضي، أن أنقرة تفكر بإغلاق سفارتها في أبو ظبي، وتعليق العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة، بسبب اتفاقها على تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
وجاء هذا، في حديث لأردوغان أمام الصحفيين في إسطنبول، بعد تصريحات لوزارة الخارجية التركية قالت فيها إن التاريخ لن يغفر أبدًا “السلوك المنافق” للإمارات في الموافقة على هذه الصفقة.
ويبدو أن المشاهد السياسية والتوازنات الإقليمية والدولية، أجبرت على إخراج تنازلات أردوغان السرية إلى العلن، استجداءً لرضا القوى الدولية، وخضوعًا لإملاءات متغيرات تبدو قادرة على ابتلاع أنقرة وتحويلها إلى هامش المشهد.
وفي تناقض صريح وواضح، خطب مستشار أردوغان للشؤون الخارجية، مسعود حقي جاشين، في مقابلة له مع شبكة “صوت أمريكا”، ود إسرائيل عبر بوابة واشنطن، وأشار إلى أن العلاقات بين إسرائيل وتركيا على وشك تحقيق انفراجة كبيرة، مؤكدًا وجود المحادثات الثنائية.
وتوقع المستشار، احتمال استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين الجانبين بحلول آذار/ مارس المقبل، مذكرًا بالعلاقات الثنائية ومشتريات أنقرة العسكرية من إسرائيل، وهذا أيضًا دليل واضح على ازدواجية أردوغان، التباكي على القضية الفلسطينية، وخطب ود إسرائيل لتطبيع العلاقات وعودة المياه إلى مجاريها.
لم يتوقف أردوغان على مدى سنوات عن عزف ملاحم الدعم والتضامن بل والتوحد مع القضية الفلسطينية، ولم يجرؤ يومًا على الإجابة عن سؤال محوري خلف كل ذلك الصخب، ماذا قدمت أنقرة لفلسطين طوال كل تلك السنوات الحافلة بالشعارات؟
لا بل لم يتجاوز دعمه سوى حد ضخ أموال ضخمة لأبواق إعلامية مأجورة مهمتها إدارة حملات دعائية تروج لأنقرة ضمن محور الدول الداعمة لفلسطين، قبل أن تنفضح أكاذيب النظام بتأكيد منظمة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) التابعة للأمم المتحدة، أن أنقرة لم تقدّم أي مساعدات للفلسطينيين على مدار السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو مهادي، أن النظام التركي يعيش حالة العزلة الدولية، وأن خياراته تقلصت إلى حد كبير، مشيرًا إلى أن “المجتمع الدولي بدأ باتخاذ عقوبات على غرار العقوبات التي اتخذتها إدارة ترامب، والعقوبات الأوروبية بحق النظام التركي”، وأمام ذلك، بدأ مؤخرًا، استرضاء أمريكا، عبر “مغازلة إسرائيل”.
وأضاف أبو مهادي: “النظام التركي، يشهد انهيارًا في الاقتصاد، الليرة التركية أصبحت تصنف كثاني أسوأ عملة على مستوى العالم”، مؤكدًا أن الإجراءات التي اتخذها أردوغان بغرض تدارك الانهيار الاقتصادي لم تفلح.
وتابع المحلل السياسي الفلسطيني: “السياسات العدوانية التي سلكتها أنقرة مع أكثر من دولة من بلدان الشرق الأوسط وفي شمال أفريقيا وجنوب القوقاز وشرق المتوسط، تركته بلا حلفاء حقيقيين، بل زادت من غضب العديد من الحكومات في العالم، وحفزتها نحو فرض المزيد من العقوبات”.
وأشار إلى أن الكثير من التقارير الدولية تحدثت عن دور المرتزقة الذين يجندهم أردوغان لخدمة أغراضه وأطماعه في كل من سوريا والعراق وليبيا وفي إقليم آرتساخ/ قره باغ مؤخرًا، على خلفية النزاع العسكري الذي جرى بين أرمينيا وأذربيجان.
وعلى المستوى الداخلي التركي، قال الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو مهادي “هناك تدهور اقتصادي يتزامن مع تنامي لقوة أحزاب المعارضة السياسية في تركيا، الأمر الذي ينبئ بإمكانية تحقيق المعارضة التركية فوزًا على حزب العدالة والتنمية الذي شهد انشقاقات عديدة وحركة نزوح واسعة لأعضائه، وقيادات تاريخية فيه”.
وأضف أبو مهادي: “إن سياسات أنقرة العدائية بدأت بالانحسار، وبدأ أردوغان يشعر بالخطر الحقيقي بعد فوز الرئيس المنتخب جو بايدن، في الانتخابات الأميركية، الذي يتبنى موقفًا سلبيًّا تجاه النظام التركي، وهذا ما دفعه إلى تطبيع العلاقات السياسية مع إسرائيل علنًا، لاعتقاده أنها ممر للعلاقات مع أميركا”.
ولفت أبو مهادي إلى أن العلاقة بين تركيا وإسرائيل، لم تنقطع في يوم من الأيام، مشيرًا إلى أنها تعرضت لهزات في مراحل معينة، كحادثة سفينة مرمرة، ولكنها لم تنقطع اقتصاديًّا أو أمنيًّا.
واعتبر أبو مهادي أن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تنقطع، ويؤكده ما صرح به أردوغان عندما قال “إن العلاقات الاستخباراتية مع إسرائيل مستمرة”، وأشار إلى أن تصريحات (أردوغان) تنم عن تطوير العلاقات مع تل أبيب في اتجاهاتٍ سياسية، كعودة السفراء وتطوير العلاقات الدبلوماسية.
النظام التركي بدأ يتقهقر
وذكر أبو مهادي أنه على الرغم من ذلك، إلا أن “هذه السياسة لم تنقذ النظام التركي الذي بدأ في التقهقر”.
ورجح أبو مهادي أنه في حال جرت انتخابات ديمقراطية حقيقية في تركيا، فإنها ستسفر عن نتائج مفاجئة لصالح المعارضة، وصعودها لمراكز صناعة القرار السياسي على حساب حزب العدالة والتنمية.
ولفت أبو مهادي أن تركيا ستشهد تغيرات حقيقية، مع أول انتخابات تركية، رغم كل الممارسات القمعية بحق المعارضة والصحافة والحقوقيين، وغيرها، كالذي أقره مؤخرًا، من قانون لتقييد حركة منظمات المجتمع المدني، بغرض تقليص مساحات منتقديه ومعارضيه.
وأكد الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني محمد أبو مهادي، أنه لم يبق من حلفاء لهذا النظام “سوى منظمات الإرهاب على اختلاف درجات تطرفها، والإخوان المسلمين الذين يستخدمهم في كل المناطق لتبييض سياساته الإجرامية في سوريا والعراق وليبيا وما حصل في الإقليم المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان، وحتى في عدد من بلدان الساحل الإفريقي”.
وكالة هاوار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.