أحمد الناموسي (ناقد مغربي)-
قراءة نقدية للمجموعة القصصية “قرية أجلموس”، الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة مؤسسة هبة بنداري في مصر، للكاتب المغربي زهير بوعزاوي.
قرية أجلموس عمل إبداعي يحتفي بالجمال، من القرية وصولاً للمدينة، حاول القاص زهير بوعزاوي السفر بالقارئ، بين أطراف هذين المكانين، بحثًا عن السلام والسكينة، وبحثاً عن الإنسان المحب للحياة والحكمة، عن إبراز المساوئ والمحاسن.
أبطال هذه المجموعة القصصية تعيش تناقضت كثيرة، تراقص الحياة تارة، وتارة أخرى تنازعها بقوة بلا هوادة، وأمام مجموعة من الأحداث التي تبلورت داخل هذا العمل الإبداعي المتقن، تظل شخوص المجموعة القصصية، تائهة ومتسكعة في أرض الله، تبحث عن الخلاص، وقادها القدر الإلهي إلى السفر مرة للمدينة ومرة للقرية، بعضها يبحث عن المغامرة، وبعضها يريد العيش في سلام.
في مجموعة قرية أجلموس تحتفل الأحداث بشموخ نساء القرية والمدينة وبقوتهن على مجابهة الصعاب، كذلك الرجال الأشداء، تدور هذه الأحداث في قالب إبداعي مبني على المونولوج الداخلي والفلاش باك الحاضر بقوة كتقنية سردية تهيمن على المجموعة القصصية، إضافة لذلك استعمل القاص البياضات وإعادة البناء والهدم تارة، وهذا رحيق تجارب لطختها الحياة بلوثات كثيرة، لوثة الفقر وقلة الحيلة، لوثة الظلامية والطغيان، والنزوع نحو الأصولية المتزمتة، وهذا ما ناقشه القاص بقوة في قالب إبداعي جميل.
من خلال الاطلاع على العمل، سيلاحظ القارئ، اختلاف الأفكار وتنوعها، بين الشعوذة والهجرة والخيانة والجهل، كذلك وجود سخرية في بعض القصص التي جعلت العمل يكون خليطًا من الإبداع المقرون بالواقع، وهذا ما حاول الكاتب إظهاره للقارئ عبر أحداث وتقنيات سردية، حيث شكل مكان القرية والمدينة عالمين متقاربين، فالقرية مهد للمدينة والعكس، كما هو معلوم، واستطاع أيضًا أن يجعل القارئ أقرب للعمل، وهذا جلي عند الاطلاع على العمل، أي أن القاص اكتسب قدرة على تحريك عواطف القارئ من جهة ومن جهة أخرى الناقد. وقدر أيضًا على تحريك مشاعر الشخصيات وجعل الذاكرة تتذكر المحبوب وتستدعي الآلام وتنكأ الجراح، والفقر يفتك بالفقير، والتشرد دائماً ما يكون خلفه سبب قوي، الاستعانة بالسحر والشعوذة لفك طلاسم العطالة والبطالة من سمات المجتمعات الجاهلة، وكذلك اختيار الشباب للهجرة، من أجل حياة أفضل، ولكن ليس دائمًا يجدون ما يريدونه هناك، فالمظاهر خداعة، فهذه الثيمات المتنوعة أحدثت اضطرابًا داخل أرواح كثيرة ومن تلقاء ذاتها وجدت نفسها تتآلف معها، لتترك للآلام تأخذ منحاها عبر سلوكيات ومتاهات.
عمل القاص على نقل تجربة هذا العمل المعنون بقرية أجلموس، عبر الحس المرهف واللغة القوية، فالتخمر هو السر في ذلك، فلا إبداع بدون روية وتريث والبحث عن الحكمة وإيصال المعنى، الذي تود المجموعة القصصية أن تقوله ضمنيًا أو صراحةً، وفي هذا السر تنطلق الأحداث والكلمات والتفاصيل الدقيقة لبناء عالم متكامل، سرد من خلاله أحداث هذه المجموعة التي يمر شخوصها وكذلك القاص بمآسٍ كثيرة.
إن مجموعة قرية أجلموس القصصية عمل باذخ يحفل بالجسد والتاريخ والجغرافيا، تحضر فيها الشخوص في حيوات متقاطعة ومتوازية مرات كثيرة، يحضر السلام وضده، ويحضر الظلام وعكسه، وهذا يعكس اختلاف نظرة كل شخص إلى العالم، بالإضافة إلى من يحب السلام والاحتفال بالحياة، هناك كائنات تقاطع ذلك، جاءت ضد رغبة الشخوص المتناقضة، كل شخصية من شخصيات المجموعة القصصية تحاول منع المتضادة لها بكل الطرق المشروعة، وهذا ما جعل العمل مشوق، فهناك من يبحث عن ملاذ آمن ليعيش في سلام بعيدًا عن أعين الظلم وعن شبح الظُّلام، وقد عبرت شخصيات عن رفضها التام وتمردها، وبعضها عاش تحت الذل والهوان.
إن وصف القاص للواقع الذي تعيشه شخصيات المجموعة القصصية، جعلني أغوص داخل بواطن الشخصيات، فمرةً يلعب القاص دور الإثنوغرافي والباحث المتخصص ومرة أخرى أراه يلعب دور الطبيب النفسي الذي يفهم عمق النفس البشرية ويظهر تناقضاتها.
للمجموعة شخصيات رئيسية وأخرى ثانوية، فالشخصيات التي تحرك الحدث هي دائماً ما تكون محبة للحياة والمنتصرة دومًا حسب ثنائية الزمن، التي تقول البقاء دومًا للمحب للحياة، إن هذا العمل نموذج حي للهوية المغربية، حيث يعكس الواقع الذي يعيشه الكاتب، والذي يستمده من بيئته المغربية، المترعة بالمشاكل الاجتماعية، والتي حاول معالجتها بطريقة تحد منها مستقبلاً.
عند الغوص داخل أحداث المجموعة القصصية، سيجد القارئ، اعتماد القاص على مكانين فقط، القرية والمدينة، وهذا راجع لكونه ابن قرية (أدار أحمود) وترعرع في المدينة (جماعة أجلموس)، ولكنها أمكنة منفتحة على أزمنة عديدة، الحاضر والمستقبل والماضي، وهذه الأمكنة تعبر عن هويته ككاتب، وقد حاول أن ينقل بكل أمانة التجربة الإبداعية بسلامة لغوية، وقدرة هائلة في وصف المكان وطبوغرافيته.
المكان في هذا العمل، هو خيال يشيده القاص عن طريق كلمات وبناء لغوي هدفه صوغ القلق والشك، فلم يعد المكان كما كان مكاناً للهدنة والاستقرار بل مكاناً للصراع والموت والغربة مثلاً في بعض القصص، والعكس أحيانًا بعض القصص يبحث شخوصها عن الهوية والاستقرار، ومجموعة الصراخ، احتفلت بذلك واعتبرته جزءاً لا يتجزأ في تشكيل بنية الشخصيات وبث المصداقية فيما يروى للقارئ.
وظف القاص الوصف والصور الفنية، منذ بداية السرد لتتضح معالم الأمكنة التي تقطنها الشخصيات، وقد تميز في فك شفرات المكان، فالسفوح والصخور المميزة والأنهار الصغيرة والكبيرة للقرية، كذلك البنيان والعمارات المتطورة، شكلت شكلاً هندسيًا حاول وصفه بدقة متناهية. لا حديث إلا عن القرية والمدينة، لأنهما الهوية دومًا، ومسقط رأس القاص وتربيته، فهذان المكانان، طغيا على أحداث المجموعة القصصية، وحاول عرض أفكاره الإبداعية بلغة سردية أنيقة وجمالية بأسلوب يأخذ القارئ إلى عوالم خفية تحتفل بالمكانين عبر مشاهد فنية بزخم من الأحداث، تكشف تضاريس المكانين وشاعريتهما.