الدرباسية/ نيرودا كرد – أشار المحلل السياسي المصري، إلهامي المليجي، إلى أن كل اتفاق سياسي يحمل بين سطوره تصورًا معينًا للدولة، وعندما تختلف الأطراف حول هذا التصور، يصبح تنفيذ الاتفاق أكثر تعقيدًا، ولفت، إلى أن نجاح اتفاق 29 كانون الثاني، لن يقاس بسرعة تنفيذ بند هنا أو هناك، وإنما بقدرته على فتح الطريق أمام عقد اجتماعي سوري جديد.
مضى أشهر على توقيع اتفاقية 29 كانون الثاني2026 ، الموقعة بين قوات سوريا الديمقراطية، من جهة والحكومة المؤقتة في دمشق، من جهة أخرى، حيث طرحت مساراً للحل، في كافة الجوانب، لكن واقع التنفيذ على الأرض لا يزال محل تساؤل واسع لدى الأطراف المعنية، والمتابعين للشأن العام، وتبرز في هذا السياق عدة إشكاليات تتعلق بالتنفيذ.
فبينما تم تسجيل خطوات في المسار الأمني، بقيت البنود المرتبطة بالشق السياسي، والقانوني، والمجتمعي، دون تقدم ملموس، وهو ما طرح سؤال، ما العوائق التي حالت دون انتقال نصوص الاتفاقية إلى إجراءات عملية؟ وتتوزع الإجابات المحتملة بين معوقات سياسية، تتعلق بتوازنات القرار، ومعوقات قانونية، مرتبطة بتشريعات ناظمة، ومعوقات إدارية، تخص آليات التنفيذ والمتابعة، إذ إن حصر المسار في بعده الأمني، دون استكمال المسارات الأخرى، قد يحد من أفق الحل الشامل الذي أشارت إليه الاتفاقية عند إعلانها.
لا توجد حتى الآن جداول زمنية معلنة لاستكمال البنود المتبقية، ولا آليات مراقبة مستقلة موثقة تضمن استمرار العملية، وعدم توقفها عند هذه المرحلة، أمام هذا الواقع، تصبح العلاقة بين تعثر التنفيذ الشامل، والثقة المجتمعية نقطة مفصلية، فمستوى التقدم أو التأخر في تطبيق الاتفاقية ينعكس مباشرة على نظرة المجتمع إلى جدوى الحلول السلمية، وعلى الرسائل التي تصل إلى الأطراف المعنية، وإلى الرأي العام بشأن مستقبل المسار.
الخلاف الجوهري في قيادة سوريا الحديثة
في السياق، التقت صحيفتنا المحلل السياسي المصري، إلهامي المليجي: “في تقديري، سيكون من الخطأ اختزال تعثر تنفيذ اتفاقية 29 كانون الثاني، في بطء الإجراءات، أو ضعف التنسيق بين اللجان الفنية، لأن ما نشهده في جوهره يعكس إشكالية أعمق، تتعلق بطبيعة سوريا التي ما زالت قيد التشكل بعد سنوات الأزمة، فالخلاف الحقيقي ليس حول آليات التنفيذ، وإنما حول الفلسفة السياسية التي ينبغي أن تحكم سوريا الجديدة”.
وأضاف: “كل اتفاق سياسي يحمل بين سطوره تصورًا معينًا للدولة، وعندما تختلف الأطراف حول هذا التصور، يصبح تنفيذ الاتفاق أكثر تعقيدًا من توقيعه، فالإدارة الذاتية تنظر إلى الاتفاق باعتباره مدخلًا لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم، على أساس اللامركزية الديمقراطية، والشراكة السياسية، والاعتراف بالتعدد القومي، والثقافي، بينما تميل الحكومة المؤقتة، إلى التعامل معه باعتباره خطوة لإعادة توحيد المؤسسات ضمن إطار مركزي، مع منح الإدارات المحلية صلاحيات إدارية محدودة، لا تمس جوهر السلطة السيادية”.
وأردف: “ومن هنا جاء التباطؤ، فليس هناك خلاف كبير على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها، وإنما يدور الخلاف حول الكيفية التي تُدار بها هذه الوحدة، يضاف إلى ذلك عامل لا يقل أهمية، يتمثل في غياب الإطار الدستوري الناظم، فما زالت سوريا تعيش مرحلة انتقالية، ولم يُحسم بعد شكل النظام السياسي، ولا حدود الصلاحيات بين السلطة المركزية، والإدارات المحلية، ولا الضمانات الدستورية المتعلقة بالحقوق الثقافية، والسياسية لمختلف الشعوب السورية، وفي ظل هذا الفراغ، يصبح تنفيذ البنود السياسية، والإدارية، أكثر صعوبة من تنفيذ الترتيبات الأمنية والعسكرية”.
وبخصوص مدى تأثير الدول الإقليمية على الساحة السورية: “لا يمكن إغفال البعد الإقليمي والدولي، فمناطق الإدارة الذاتية ساحة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وتركيا وروسيا، والعديد من القوى الأخرى، لذلك؛ فإن أي تقدم في تنفيذ الاتفاق يتأثر، بدرجات متفاوتة، بهذه التوازنات، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة”.
وأوضح: “على المستوى الإداري، مؤسسات الإدارة الذاتية تشكلت خلال أكثر من عقد، لكل منها قوانينها وأنظمتها وآليات عملها، ما يتطلب عملية معقدة من المواءمة القانونية، والإدارية، والمالية، وهو أمر يحتاج إلى وقت وإلى إرادة سياسية مستقرة، وليس إلى قرارات فوقية فقط، والعامل الحاسم يبقى سياسيًا قبل كل شيء، فالاتفاقية ليست برنامجًا لإعادة انتشار القوات فحسب، بل مشروع لإعادة بناء الثقة بين سوريا ومواطنيها، وهذه الثقة لا تُبنى بالقرارات الأمنية وحدها، وإنما عبر توافق وطني واسع على شكل سوريا، وطبيعة المواطنة، وآليات المشاركة في صنع القرار”.
نجاح الاتفاق يؤسس شراكة وطنية
وحول مدى تنفيذ الاتفاقية ونجاحها: “نجاح الاتفاق، لا يقاس بسرعة تنفيذ بند هنا أو هناك، وإنما بقدرته على فتح الطريق أمام عقد اجتماعي سوري جديد، يشعر في ظله السوريون، عرب، وكرد، وسريان، وآشوريون، بأنهم شركاء متساوون في وطن واحد، لا رعايا داخل دولة مركزية، ولا جزرًا منفصلة داخل كيان هش، وعندما تتوافر هذه الرؤية، تصبح بقية بنود الاتفاق قابلة للتنفيذ بصورة طبيعية، لأنها تستند إلى قاعدة سياسية صلبة، لا إلى مجرد تفاهمات إجرائية مؤقتة”.
وتابع: “تحول تنفيذ الاتفاقية، إلى مسار عسكري أو أمني بحت، يعني إفراغ الاتفاق من مضمونه الحقيقي، لأن الاتفاق لم يأتِ لمعالجة قضية انتشار القوات، أو إعادة تنظيم المؤسسات الأمنية فحسب، وإنما جاء، في جوهره، ليكون مدخلًا إلى تسوية سياسية شاملة تعيد صياغة العلاقة بين السلطة السورية، وشعوبها على أسس جديدة، لقد أثبتت التجربة السورية، أن الأمن المستدام ليس نقطة البداية، بل هو النتيجة الطبيعية لتوافق سياسي ومجتمعي واسع، لأن استقرار سوريا تبنى على أساس شعور عام بالمواطنة المتساوية، وترسيخ الثقة بين المجتمع والمؤسسات الوطنية”.
واستكمل: “الاقتصار على تنفيذ البنود العسكرية، مع تأجيل الملفات السياسية، والحقوقية، والإدارية، يحمل مخاطر حقيقية، قد يحقق قدرًا من الاستقرار الأمني المؤقت، لكنه لا يعالج الأسباب التي أفرزت الأزمة أصلًا، بل قد يخلق انطباعًا، بأن المطلوب هو استعادة السيطرة الإدارية، والعسكرية على المناطق، دون تقديم رؤية واضحة لكيفية إشراك سكانها في إدارة مستقبلهم ضمن إطار سوريا الموحدة”.
وشدد: على إن “قضية الإدارة الذاتية، ليست قضية سلاح فقط، وإنما قضية إدارة، وهوية، وتمثيل سياسي، وضمانات دستورية، وتنمية اقتصادية، وعدالة اجتماعية، وإذا لم تتقدم هذه الملفات بالتوازي مع الترتيبات الأمنية، فسوف يبقى الاتفاق ناقصًا، وستبقى أسباب التوتر قائمة، حتى وإن تراجعت المظاهر العسكرية للصراع”.
وأضاف: “حصر التنفيذ في البعد العسكري، قد يؤثر في مصداقية الاتفاق نفسه، فالاتفاقات السياسية، تُقاس بمدى التوازن في تنفيذ التزاماتها، لا بتنفيذ جزء منها وإرجاء الأجزاء الأخرى، وعندما يشعر أحد الأطراف أو قطاعات واسعة من المجتمع بأن البنود المتعلقة بالحقوق، أو بالإدارة المحلية، أو بالمشاركة السياسية، أصبحت مؤجلة إلى أجل غير معلوم، فإن الثقة بالعملية السياسية تتراجع، وتزداد المخاوف من أن يتحول الاتفاق إلى أداة لإدارة الأزمة بدلًا من حلها”.
لا تعارض بين وحدة سوريا والتنوع
وفيما يخص المطلوب لإيصال الاتفاقية إلى بر الأمان: “المطلوب اليوم الحفاظ على التوازن الذي قامت عليه الاتفاقية، فإذا كان توحيد المؤسسات العسكرية يمثل ضرورة لحماية سيادة سوريا، فإن بناء مؤسسات سياسية وإدارية، تستوعب السوريين، يمثل الضمانة الحقيقية للاستقرار، فلا تعارض بين وحدة سوريا والاعتراف بالتنوع، بل إن التجارب الحديثة تؤكد أن الدول الأكثر استقرارًا تلك التي نجحت في إدارة تنوعها، لا في إنكارها”.
وبين: “تنفيذ البنود السياسية، والحقوقية، والاجتماعية شرط أساسي لنجاح الترتيبات الأمنية نفسها، فحين يطمئن المواطن إلى أن حقوقه مصانة، وأن صوته مسموع، وأن مكانه محفوظ داخل البلاد، يصبح الأمن نتيجة طبيعية، لا هدفًا يُفرض بقوة السلاح”.
وعن التجارب السياسية، سواء في سوريا أو في غيرها من الدول، التي مرت بمراحل انتقالية: “الاتفاقات لا تنجح بتوقيعها، وإنما بقدرتها على التحول إلى مسارات مؤسسية ملزمة، لذلك؛ فإن التحدي الحقيقي أمام اتفاقية 29 كانون الثاني، لم يعد يكمن في صياغة المبادئ العامة، بل في بناء آليات واضحة تضمن تنفيذها بصورة متوازنة، وتحول دون انتقائية التطبيق أو تجميده عند حدود معينة”.
وأوضح: “الضمانة الأولى، تتمثل في وجود جدول زمني معلن، يحدد مراحل تنفيذ كل بند من بنود الاتفاق، مع تحديد المسؤوليات، وآليات المتابعة، ومؤشرات قياس التقدم. فغياب الإطار الزمني يفتح الباب أمام التأجيل المستمر، ويجعل تنفيذ الاتفاق خاضعًا للظروف السياسية المتغيرة، بدل أن يكون التزامًا مؤسسيًا”.
ونوه: “الضمانة الثانية” تتمثل في إنشاء لجان مشتركة دائمة، لا تقتصر على الجوانب العسكرية، وإنما تضم أيضًا لجانًا سياسية، ودستورية، وقانونية، وإدارية، واقتصادية؛ لأن الاتفاق في جوهره متعدد الأبعاد، ولا يمكن اختزاله في ملف واحد، كما ينبغي أن تكون هذه اللجان مخولة باتخاذ القرارات، لا مجرد هيئات للتشاور أو تبادل وجهات النظر”.
وأكمل: “أما الضمانة الثالثة، فهي الشفافية، فمن حق الرأي العام السوري، أن يعرف ما الذي أُنجز، وما الذي تعثر، وما أسباب التعثر، وما الخطوات المقبلة. فالاتفاقات التي تُدار بعيدًا عن المجتمع تصبح أكثر عرضة للشائعات، ولتضارب التفسيرات، ولتآكل الثقة بين الأطراف”.
الاتفاق يمثل مصلحة الإرادة الوطنية السورية
واستطرد: “في تقديري، من المفيد وجود جهة متابعة محايدة، سواء كانت برعاية الأمم المتحدة، أو عبر تفاهم بين الدول المعنية بالملف السوري، أو من خلال آلية يتفق عليها الطرفان، تكون مهمتها تسهيل التنفيذ، وتقريب وجهات النظر عند ظهور الخلافات، وليس الحلول محل الإرادة الوطنية السورية، فالضمانات ليست إجرائية فحسب، بل سياسية أيضًا، فإذا اقتنع جميع الأطراف بأن الاتفاق يمثل مصلحة وطنية سورية، فإن فرص نجاحه ستتضاعف” وطالب، بالانتقال من منطق إدارة الاتفاق، إلى منطق إدارة التحول الوطني، فالاتفاقية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لإعادة بناء سوريا، على أسس أكثر رسوخًا وعدالة وشراكة، وكلما اتسعت دائرة المشاركة السياسية والمجتمعية في تنفيذها، ازدادت قدرتها على الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية”.
ووجه رسالة إلى الرأي العام السوري: “الحفاظ على وحدة سوريا، لا يتعارض مع الاعتراف بتنوعها، بل إن الوحدة الحقيقية لا تتحقق بإلغاء الخصوصيات، وإنما بصونها داخل إطار وطني جامع، يكفل المساواة في الحقوق والواجبات، ويجعل الانتماء إلى سوريا هو المظلة التي تتسع للجميع”.
وأشار إلى أنّ “اتفاقية 29 كانون الثاني تُقاس، بنجاحها في فتح الطريق أمام عقد اجتماعي سوري جديد، يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، على أساس الشراكة، والمواطنة، وسيادة القانون، فالدول لا تستعيد وحدتها بالقوة وحدها، بل تستعيدها عندما يشعر مواطنوها بأن الدولة تمثلهم جميعًا، وتحمي حقوقهم جميعًا، وتفتح أمامهم جميعًا أبواب المشاركة في صناعة المستقبل”.
واختتم، المحلل السياسي المصري إلهامي المليجي: “مستقبل الاتفاق في جوهره، مستقبل الفكرة التي يقوم عليها، هل تكون سوريا دولة تُدار بمنطق الغلبة، وإعادة إنتاج الأزمات، أم دولة وطنية حديثة، قوية بمؤسساتها، ومرنة في إدارة تنوعها، وقادرة على تحويل التعدد من مصدر للتنازع، إلى ركيزة للاستقرار والتنمية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير الاتفاقية وحدها، بل ستحدد إلى حد بعيد ملامح سوريا، التي يتطلع إليها السوريون بعد سنوات الحرب الطويلة”.