سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

بريطانيا.. شتان بين الغياب والحضور

ـ رفيق إبراهيم

عندما صوت البريطانيون على البريكست عام 2016، ظهر بوريس جونسون وبعض مواليه يتقدمهم نايجل فراج ومايكل غوف يلعبون الكريكيت، وكأن شيئاً لم يكن، وحينذاك كان ينتظر الجميع وفي مقدمتهم السياسيون موقف جونسون مما حدث، وفي تلك الآونة اختارت صحيفة (ديلي تلغراف) افتتاحيتين لها، ومن المفارقات أن إحداها تدعم البقاء في الاتحاد الأوروبي، الذي كان يدعمه رئيس الوزراء آنذاك ديفيد كاميرون، أما الافتتاحية الثانية كانت تدعو للتمرد عليها في حين تم اختيار الثانية للنشر.

اليوم يتحدث بوريس جونسون بأنه سيكون هناك علاقة متكافئة مع دول الاتحاد الأوروبي، وسيكون هناك فائدة كبيرة تعود على البريطانيين بالخير، وكلنا يعلم أن ما يقارب نصف المصوتين على بريكست كانوا قد رفضوا الخروج من الاتحاد الأوروبي، فكيف لجونسون إقناع هؤلاء بالتخلي عن أوروبيتهم، وهل بالإمكان أن يصبح البريطاني صينياً أو برازيلياً مثلاً، وهل الجغرافيا والتاريخ يؤيدون ذلك، بالتأكيد لا.

وفي معظم الاستطلاعات الجديدة التي أجريت حول البريكست كشفت بشكل لا لبس فيه تراجع كبير في أعداد البريطانيين الذين صوتوا مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهذا دليل كبير على أنهم ندموا بعد التصويت على الخروج، لكن أظن أن الوقت قد تأخر حيث لا فائدة للندم بعد خروج بلدهم من الاتحاد الأوروبي، ولكن قد يكون هناك تأثيرات سلبية على مستقبل بريطانيا من حيث المبدأ.

وبرأيي الشخصي فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سيؤدي إلى عزلتها، لأن الكتلة الأوروبية كتلة كبيرة ولها دورها في قرارات المجتمع الدولي، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وما إلى ذلك، فهل بالفعل سيحرر الانفصال عن الاتحاد الأوروبي القوى الإبداعية في بريطانيا كما يدعي جونسون، أم سيؤدي إلى ضعفها واهتزاز مكانتها الأوروبية والعالمية، كما يقول المؤيدون للبقاء مع الاتحاد الأوروبي.

أكدت صحيفة “الغارديان” البريطانية ذائعة الصيت مع حلول العام الجديد وفي مقالها الافتتاحي، حيث بدأت بالسؤال: كيف سيكون تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على السياسة الخارجية البريطانية؟ وهل سيعكس ذلك ضيق الأفق في سياسة بريطانيا؟ حيث افتقر إلى توحيد الرؤى حول المنظور السياسي العالمي العام، وفشل في الحفاظ على المقعد البريطاني في الاتحاد الأوروبي؟

ومن أكثر المفارقات التي يتحدث عنها البريطانيون ويقرؤونها بغضب واستياء بالِغَين بعد صدمة الخروج من الاتحاد الأوروبي، هو توجه بوريس جونسون المتأزم حالياً، إلى الرئيس التركي أردوغان الذي تعيش بلادة أزمة خانقة نتيجة سياساته الفاشلة في التعامل مع المجتمع الدولي، ويسأل البريطانيين بأنه هل يمكن لرئيس تركي مأزوم أن يعوض الفراغ، أو أن تكون تركيا الغارقة في المشاكل الاقتصادية، البديل عن أقوى اقتصاديات العالم، بالطبع لا فالميت لا يستطيع إنقاذ نفسه حتى يقوم بإنقاذ الآخرين.

وتوقيع بريطانيا وتركيا اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، ما هي إلا ذر للرماد في العيون، وإقناع البريطانيين بأن هناك بدائل عن أوروبا القوية، في توقيت متزامن مع إعلان صفقة الخروج من السوق الأوروبية، ومن السذاجة المقارنة والمقاربة أصلاً، وهذا ما يدركه البريطانيون، وهم يسألون فيما بينهم بأنها قد لا تكون موجودة أصلاً، فتركيا المتأزمة تحاول إيجاد من ينقذها من غرقها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.