سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

عصر أوروبي جديد

د. سالم الكتبي/ (باحث وخبير استراتيجي وكاتب رأي ومحلل سياسي إماراتي)-

مع بداية العام الجديد، دشن الاتحاد الأوروبي صفحة جديدة في تاريخه بتوقف بريطانيا عن تطبيق قواعد الاتحاد، إثر خروجها بشكل رسمي مع نهاية العام الماضي، وتطبيقها قواعد جديدة في السفر والتجارة والهجرة والأمن، في خطوة تنهي إجراءات بدأت في عام 2016، ضمن حملة “بريكست” التي قادها رئيس الوزراء بوريس جونسون وأنهت 47 عامًا من الترابط العضوي بين بريطانيا والاتحاد، الذي خسر للمرة الأولى أحد أعضائه الكبار.
يمتلك جونسون طموحًا كبيرًا تجلى بوضوح في كلمته التي وجهها إلى الشعب البريطاني قبيل ساعات من “الخروج”، حيث طمأنهم مشيرًا إلى “عهد جديد وحقبة جديدة”، واصفًا ما حدث باللحظة التاريخية، وأنها “ليست النهاية بل البداية” وأنها “لحظة بزوغ الفجر وبدء فصل جديد من مسيرتنا الوطنية الكبرى”، مؤكداً أن “بريطانيا قادرة على جعل بريكست “نجاحا باهرًا”، ما يعكس رؤيته القائمة على أن الاتحاد الأوروبي لم يعد يتماشى مع تطلعات البريطانيين، وأن الانفصال بين الطرفين كان حتميًا لبناء مستقبل أفضل لبريطانيا.
بطبيعة الحال، هناك تغيرات هيكلية كبرى ستطرأ على الاقتصاد البريطاني وكثير من القطاعات الداخلية، ولكن يبقى لنا التساؤل الأهم حول تأثير هذا الخروج على مستقبل كل من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، كل على حدة؛ فرغم تفاؤل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بالانتهاء من إجراءات “البريكست” فإن تأثير ذلك على مكانة بريطانيا ودورها العالمي لا يزال موضع جدل بين المراقبين والمتخصصين، حيث يرى البعض منهم أن بريطانيا كانت تستمد الكثير من قوتها وتأثيرها ونفوذها العالمي في الوقت الراهن من تأثيرها ونفوذها الكبير داخل الاتحاد الأوروبي، وقدرتها على توجيه دفة القرار وسياسات دول الاتحاد طيلة العقود والسنوات الطويلة الماضية، فيما يرى آخرون أن بريطانيا من دون الاتحاد ستتضرر كثيرًا ولن تستطيع تحقيق أحلام بوريس جونسون في بناء “بريطانيا العالمية، ويعتقد هؤلاء أن “البريكست” يمثل نوعًا من الانتحار الاستراتيجي أو على أقل التقديرات هو فعل من أفعال “إيذاء الذات” بالنسبة لبريطانيا.
قناعتي الذاتية أن الخروج البريطاني من عباءة الاتحاد الأوروبي هو محطة مفصلية في تاريخ البلاد في جميع الأحوال، ويصعب قياس أثرها بشكل نهائي في الوقت الراهن، لا سيما أن الفكرة ذاتها لم تكن موضع اتفاق بين أغلبية البريطانيين، إذ يجب ألا ننسى أن استفتاء الخروج قد مر بتصويت 52% صوتوا لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث صوت نحو 17,4 مليون من إجمالي 30 مليون ناخب بنعم على الاستفتاء، وهذا يعني للوهلة الأولى أن نحو نصف البريطانيين غير راضين عن التخلي عن كل المزايا التي كانت توفرها عضوية الاتحاد مثل حرية الحركة والحياة والعمل لهم داخل بقية دول الاتحاد، والكل يعلم حجم الانقسام الداخلي الذي عانت منه بريطانيا عقب إعلان نتائج الاستفتاء، ثم استقالة رئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون وبعده تيريزا ماي، التي قادت مسيرة التفاوض حول تنفيذ البريكست وأخفقت في توحيد صف البريطانيين ورأب الصدع الحاصل بين أبناء شعبها، ولو أضفنا إلى ذلك ملفات وقضايا رئيسية وثانوية أخرى تخص العلاقات المستقبلية بين بريطانيا والاتحاد، يمكن استنتاج حجم الضبابية الذي يغلف وضع بريطانيا في مرحلة ما بعد الخروج.
على الجانب الآخر، لا تمثل مغادرة بريطانيا أي مصلحة للاتحاد، الذي فقد بخروجها عضوًا رئيسيًا، فهي ثاني اقتصاد أوروبي بعد ألمانيا، وقوة عسكرية نووية، كانت تمثل دعامة لمكانة الاتحاد وأمن دوله، رغم أن بريطانيا ليست من الأطراف الداعمة لاستقلال القرار الأمني الأوروبي، وتدافع بقوة أهمية الشراكة الأطلسية في حماية أمن القارة العجوز، كما سيتأثر حتمًا نمط القيادة والسياسات المشتركة وصناعة القرار داخل الاتحاد، الذي يشكك البعض في قدرته على التماسك بسرعة عقب مغادرة بريطانيا، ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن هناك سيناريوهات خروج أخرى على الأبواب لا سيما في ظل تصاعد التيار القومي في دول أوروبية عدة خلال السنوات الأخيرة.
وبالنسبة للسياسة الخارجية الأوروبية المشتركة، ومدى تأثرها بالوضع الجديد، وهي النقطة المهمة لدول وتكتلات عدة، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون، حيث يمثل الاتحاد الأوروبي أحد اللاعبين المهمين في أزمة الملف النووي الإيراني، وحيث يأتي الخروج البريطاني في توقيت بالغ الحساسية سواء بالنسبة للتوتر العسكري الحاصل في الأسابيع الأخيرة من فترة حكم الرئيس ترامب بين نظام الملالي الإيراني والولايات المتحدة، أو تولي الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن مهامه رسميًا في العشرين من يناير الجاري، مع ما يصاحب ذلك من جدل كبير حول موقفه تجاه الاتفاق النووي، فليس من المرجح حدوث تغيرات كبيرة على موقف الثلاثي الأوروبي الأعضاء بالاتحاد الموقعين على الاتفاق مع الملالي عام 2015 ضمن مجموعة “5+1″، وهم ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، حيث تؤكد الشواهد أن الاتفاق النووي ربما يمثل أحد موضوعات الاتفاق والتنسيق بين هذه الأطراف خلال السنوات الأخيرة، وهناك بيانات مشتركة عدة تحمل توقيع هذه الأطراف وتعكس وجهة نظر مشتركة بين الدول الثلاثة حيال التطورات الجارية بشأن الاتفاق، ولاسيما معارضتهم للموقف الأمريكي الذي اتخذه الرئيس ترامب منتصف عام 2018 بالانسحاب من الاتفاق النووي، كما رفضوا مقترحا أمريكيا بفرض عقوبات دولية على طهران بشكل أحادي.
الخلاصة أن فصلًا جديدًا بدأ في العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وبالتأكيد ستكون هناك تداعيات مختلفة على الجانبين ومصالحهما الاستراتيجية، وربما على علاقاتهم بأطراف دولية أخرى، وبغض النظر عن الرابحين والخاسرين جراء مغادرة بريطانيا الاتحاد، فإن العالم عليه أن ينتظر عصرًا أوروبيًا جديدًا ستتشكل ملامحه بمرور الوقت واستقرار الأوضاع، وقد يسهم هذا التغيير الاستراتيجي العميق في الإسراع بتشكل عالمي جديد لمرحلة ما بعد “كورونا”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.