No Result
View All Result
سوزان العبود-
التف الناس حول شجرة الميلاد الضخمة في العاصمة المنكوبة المعتمة، هرجٌ ومرجٌ سادا في المكان، الجميع كان مبتسماً يدعي أنه سعيد، العدُّ التنازلي بدأ لتضيء الشجرة على أجزاء مع تتالي العد “1…2…3…4…5” وعندما انتهى العدّ توهجت نجمة كبيرة في أعلى الشجرة، استمر الناس بإصدار أصوات تَنم عن الفرح لفترة وجيزة ارتبطت بتوقف عدسات الكاميرات عن التصوير، ثم ساد صمت رهيب المكان وكل ذهب في اتجاه، عدا طفل صغير كان يقف مرتجفاً في زاوية بعيدةٍ بعيدةٍ محدقاً بالإشعاع الساطع القادم من شجرة الميلاد، لم يستطع الصغير مقاومة ذلك الوهج المنبعث منها، فالنور مرتبط في ذهنه بالدفء والحنان، والبرد كان قارساً، والوحدة قاتلة، فبدأ يقترب بخطوات متثاقلة وكلما اقترب زادت ضخامة الشجرة وهيبتها وزاد إغراء الاقتراب واللمس، وفي كل خطوة يتقدمها كانت الإضاءة تزيد من الغشاوة على عينيه وحرارة النور المنبعثة تدفئ جسده الصغير حتى أصبح قدامها تماماً كنجمٍ في كون فسيح، فجسده الهزيل المنحني كان لا يقارن بعلوها وشموخها، نظر بدهشة للأعلى عندما لمعت كرة كبيرة حمراء للزينة وبلا وعي مد يديه الصغيرتين لقطفها، فالجوع أوهمه أنها تفاحة ناضجة ..، محركاً كرة الزينة يمنةً ويسرة محاولاً اقتلاعها، لمست أصابعه الصغيرة أسلاك كهربائية خطرة، وتياراً سرى من أصابعه إلى كل جزء من أجزاء الجسد الغض ..، صوت فرقعة علا في المكان وانطفأت إنارة الشجرة كاملة ونجم صغير هوى في الكون الفسيح.
*سوزان العبود: كاتبة ونحاتة سورية عالمية تعيش في ألمانيا، صدر لها كتابان (الصمت) و(آزاد)، ومنه اخترنا قصة “الميلاد”.
No Result
View All Result