سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

جمال عبد الجواد: “الاحتلال التركي تجاوز القوانين الدولية بانتهاكاته في سوريا”

قال مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور جمال عبد الجواد: “إن احتلال تركيا لعفرين والمدن السورية الأخرى في شمال سوريا، يعد بمثابة محاولة من أردوغان لتعويض خسارته بتنصيب حكومة موالية له في دمشق”.
وحذَّر عبد الجواد من خطورة سياسة أردوغان على مستقبل الشمال السوري، ليس فقط في الحاضر ولكن من خلال غرسه بذور صراع مستقبلي نتيجة التغيير الديمغرافي في المنطقة، لافتاً إلى أن سياسة مجلس سوريا الديمقراطية الحكيمة منعت من نشوب حرب أهلية هناك. جاء ذلك خلال الحوار الذي أجرته معه وكالة فرات للأنباء.
وجاء الحوار على النحو التالي:   
ـ بعد مرور سبع سنوات من عمر الأزمة السورية؛ كيف تشابكت المصالح وتعدُّد الفاعلين وأين وصلت تلك الحرب الآن؟
هناك استحقاقات بعد سنوات الحرب السبع، فالأزمة لم تعد سورية فقط، لكن هناك أطرافاً إقليمية ودولية كثيرة لعبت دوراً رئيساً، ولا تزال، وإنهاؤُها سيكون عبر التسوية التي سيتم التوصُّل إليها بين هذه الأطراف الفاعلة. والحقيقة أنَّه لولا تدخُّلُ هذه الأطراف في الأزمة لاختلف الوضع كثيرًا، فهذه الأطراف هي التي صاغت الوضع الراهن وستؤثر على المستقبل السوري، والجميع لهم مصالح ينتظرون تحقيقها، ومن له وجود على الأرض لن يتخلى عنها، أو يُسلِّمها بشكل طوعي إلا إذا نال المقابل، أو استخدم هذا الوجود لفرض أمر واقع جديد، ومن ثم فإن الأطراف الموجودة على الأرض لديها استحقاقات، ومن بين هذه الاستحقاقات يأتي استحقاق اسرائيل في المناطق الجنوبية، واستحقاق تركيا في الشمال، والروس في الوسط والساحل ودمشق، لأنهم قدموا الحماية للنظام، وهناك استحقاق لإيران، الذي وفَّر جزءاً رئيساً جداً من القوات التي تولَّت الحرب باسم النظام وساهمت في بقاء النظام، إضافة إلى الولايات المتحدة ووجودها مع القوى في شمال سوريا ودورها الرئيس في القضاء على داعش. وللأسف طرفا الصراع في سوريا حكومةً ومعارضة، هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، فالحكومة السورية مدينة للأطراف التي قدمت لها الدعم، بينما المعارضة هُزمت في هذه الحرب، وأهم ما بقي من المعارضة هم الكرد، أي قوات سوريا الديمقراطية أو التجربة الحاصلة في شمال سوريا، بشعوبها كافة وفي مقدمتهم الكرد، وإذا كان هناك تفاوضٌ حقيقيٌّ سيحدث بين أطراف سورية بشأن مستقبل سوريا فسيكون بين شعوب شمال سوريا والنظام، أما بقية أطراف المعارضة فمهمشة وليس لها أية فاعلية على الأرض، بالإضافة إلى تبعيتها للآخرين واعتمادها على أطراف خارجية وبالتالي؛ فلن يكون لها وجود في مستقبل سوريا.
ـ هل الحرب السورية في مراحلها الأخيرة ومن هو المنتصر فيها؟
النظام السوري يتصرَّف حالياً وكأنَّه المنتصرُ في هذه الحرب، والحقيقة أنه اجتاز هذه الحرب ولن ينتهي وجوده بنهايتها، لكن من الخطأ أيضا أن يتصرَّف كالمنتصر في هذه الحرب؛ لأنَّ هناك أسباباً لهذا الانتصار، ولو لم يكن هناك قوى دولية قدَّمت له الدعم لما كان الانتصار، ولذلك لا يوجد مبرر لحالة تهنئة الذات التي ألاحظها في الإعلام السوري الحكومي، فالنظام باقٍ والنظام لاعبٌ رئيسٌ في الفترة المقبلة، ولكن لا يوجد ما يبرر الاحتفال أو تهنئة الذات بالانتصار الذي يدَّعيه.
ـ ما هو مستقبل اللاعبين الإقليميين على  الساحة السورية؟
 بتقديري إنَّ الوضع في سوريا لن يأخذ شكلاً نهائياً ويستقر في الفترة القريبة المقبلة، وستظل هناك أسئلة كثيرة بلا إجابات، وأوضاع معلقة، لأن هناك صعوبة في التوصل لصياغات نهائية قابلة للحياة، فأقصى ما استطاعت إسرائيل أن تحصل عليه هو إبعاد القوات الإيرانية عن حدودها.غير أنَّ هذا غيرُ كافٍ بالنسبة للإسرائيليين، فهم لا زالوا منزعجين من أي وجود لإيران وحزب الله في سوريا، ورافضين لأي تغيير على الأرض عما كان عليه الوضع قبل 2011م ويرفضون إعطاء شرعية لأيِّ تغييرٍ، وبالتالي ستظل هناك حالة عداء واستخدام للقوة المسلحة ضد الوجود الإيراني ووجود حزب الله، وهي ليست حالة حرب مستمرة ولكن ستؤدي إلى حالة عدم استقرار في المنطقة، أما بالنسبة للاحتلال التركي في
شمال سوريا، فهناك صعوبة في حسم الملفات المفتوحة في شمال سوريا، فقوات سوريا الديمقراطية لعبت دور رئيس في القضاء على داعش، وعملياً تحكم جزءاً كبيراً من سوريا شرق الفرات، وتتمتَّع بدعم أمريكي وسيكون من الصعب جداً تصفية هذه الحالة وإعادة دمج مناطق شمال سوريا في الحالة السورية العادية البعثية الأسدية التقليدية. وهناك مفاوضات بدأت بين الطرفين وأتصوَّر أنها ستكون مستمرة لفترة طويلة، وهذا جيد في هذه المرحلة؛ أن يكون هناك حوار وإمكانية لتحقيق تعاونٍ بين الأمور الإدارية والتنموية والتقنية، لكن الجزء السياسي سيكون هناك صعوبة في حسمه، فطبيعة الإدارة في شمال سوريا والعلاقة مع الحكومة المركزية في دمشق من الصعب جداً حسمها، لكن المفاوضات ستكون نوع من أنواع صمام الأمان الذي يمنع انفجار الوضع. وتركيا لم تدخل شمال سوريا لتنسحب بسهولة، فإنها ستظل إما لمخاوف تتعلق بالقضية الكردية أو بسبب طموحات تركيا وأطماعها القديمة في شمال سوريا وحلب والموصل، مع وجود النزعة التوسعية التركية. ولديها حلفاء على الأرض من مسلحين ولن تتخلى عنهم بسهولة، فقد تم حشد ونقل الفصائل المتشددة من أنحاء سوريا المختلفة وتم تجميعهم في المناطق التي تسيطر عليها تركيا، ولا أظن أن تركيا ستتخلى عن هذه الورقة الأهم التي تمتلكها في سوريا. والنظام يتحدث حاليا عن إدلب، لكن هل سيحارب النظام لتحرير عفرين؟ أشك في ذلك، فعندما احتلت تركيا عفرين كان كل العالم بما فيهم السوريون يتحدثون عن أن هذه حرب تركيا ضد الكرد، حتى النظام فكَّر بهذا التفكير السلبي، أما إيران فقواتها القائمة على الأرض لن تنسحب، وهي ما زالت تعمل بعقلية الثورة والتوسع، وقدمت استثمارات وتضحيات ضخمة جداً للوصول للنتيجة الراهنة، ولن تستجيب بسهولة للمطالب الإسرائيلية بالانسحاب. حتى لن تسلم نفوذها في سوريا لنظام بشار الأسد، فالنظام لن ينتهي، وبشار الأسد مستمر، ولكن سوريا التي يحكمها بشار الأسد فيما قبل 2011م لن تعود، ولن يعود لحكم سوريا كما كان يحكمها من قبل، بل سيظل هناك وجود إيراني، ووجود روسي قوي يزاحم قدرته على الحكم المنفرد هذا إذا استمر في الحكم.
ـ تزعم دولة الاحتلال التركي بأنهم يستندون لاتفاقية أضنة للتدخل في الأراضي السورية ما هو تعقيبكم؟
 يصعب استخدام أية اتفاقات سابقة لإعطاء شرعية لمثل هذا التدخل التركي، وهذه الاتفاقية لا تمنح لتركيا حق العمل منفردة في هذه المنطقة، وما قامت به في سوريا تجاوز كل القوانين والأعراف الدولية.
ـ ما التداعيات المحتملة لمحاولات التغيير الديمغرافي التي تقوم بها تركيا حالياً في شمال سوريا، وهل يمكن أن تشكل نواة لحرب أهلية فرعية في هذه المنطقة؟
ما يفعله أردوغان في هذه المنطقة هو غرس لبذور الصراع الذي يريد أن يظهر في المستقبل، فاليوم هناك من هُجِروا، وتم توطينهم في الشمال السوري، وهناك ممارسات خبيثة تقوم بها تركيا عبر إبعاد المواطنين الأصليين عن أرضهم وممتلكاتهم، وبالمقابل هناك السياسة الحكيمة لمجلس سوريا الديمقراطية التي وقفت في وجه هذه الأعمال، ولكني في المقابل أخشى من حدوث صراع في المستقبل نتيجة التغيرات الديمغرافية التي جرت.
ـ ماذا عن مشاركتكم في المؤتمر الثالث لمجلس سوريا الديمقراطية، وما أبرز مشاهداتك للوضع في شمال سوريا؟
 بالتأكيد هناك تطورات هامة كثيرة تحدث في شمال سوريا، ومن الهام جداً أن نكون قريبين من التجربة هناك، ولا سيما بطرح مشروع الأمة الديمقراطية للقائد عبد الله أوجلان، حيث تجاوز مسألة الدولة القومية أو الدولة الأم إلى الأمة الديمقراطية المتمثلة باللامركزية في الإدارة، ومساعي الكرد في البقاء على سوريا ديمقراطية موحدة غير مجزأة، هناك شيء هام يحدث هناك في شمال سوريا، في مشاركة الكرد والشعوب الأخرى في الإدارة، ولكن مازال حتى الآن العمود الفقري هم النشطاء الكرد وقواتهم المدافعة، والأمل كبير حول التعددية والتعايش والسلام والتعامل مع الشعوب على قدم المساواة. والمؤتمر الذي حضرته كان ملفتاً وهناك تمثيل لكل الطوائف، كما أن التحول المهم نحو الحوار مع الدولة السورية سمح بمشاركة نشطاء قريبين من النظام وسمح لهم بالحديث في المؤتمر بصورة متساوية، وهناك حديث أكثر عن اللامركزية، وهذا تحول مهم يدل على مدى جدية مجلس سوريا الديمقراطية في فتح هذا الحوار. أيضاً هناك قضية هامة لاحظتها، يتمثل في حالة التحول الاجتماعي، والتجربة المتعلقة بالمرأة وهذه تجربة رائعة، فمشاركة المرأة في هيكل الحكم السياسي على المستويات كافة هو نموذج رائع ومشجع وجدي وهذا بالنسبة لي أهم من كل الحديث في السياسة؛ لأن الفرق بين التقدم والتخلف هو هذه القضية، وهذا أحد الأسباب الذي يجعلني أدعو مصر والدول العربية لتبني واحتضان “سوريا الديمقراطية”، وذلك للدور الذي يمكن أن تحدثه هذه التجربة في نشر التقدم الاجتماعي في الشرق بشكلٍ عام، وهزيمة الأفكار الرجعية والتطرف الديني. رأينا في الفترة الأخيرة بلداً مثل السعودية ينتفض ضد هذه الممارسات والأفكار، ووجود تجربة مثل تجربة مجلس سوريا الديمقراطية معناها أنه سيكون هناك دعم لعملية التقدم الاجتماعي في المنطقة، عندما يكونون جزء منها وليس عندما يكونوا منفصلين عنها أو في حالة عداء، ونحن لسنا في حاجة لذلك، بل نحن نحتاج للاستفادة من هذه التجربة الرائدة.
ـ ماذا تقولون عن الانفتاح على التجربة سياسياً أيضاً؟
هذا أمر ضروري جداً، لأنه كلما اطمأن النشطاء الكرد لقبولهم عربيا، قلَّل ذلك من مخاوفهم من الاندماج في سوريا، وعلى الجانب الآخر، كلما دخل النظام السوري في علاقة بغطاء عربي مع الكرد، سمح له ذلك تقديم تنازلات والوصول لصيغ إيجابية، ربما لن يقبلها في ظروف أخرى، رغم اضطراب علاقة سوريا بالعالم العربي.

التعليقات مغلقة.