سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

حزب العمال الكردستاني… مسيرة نضال

دجوار أحمد آغا –

كانوا مجموعة من الشبان الجامعيين في سبعينيات القرن الماضي, يربطهم حماسهم لتحرير وطنهم المحتل والمجزأ والمقسم بين عدة دول, وكونهم يعيشون في القسم الأكبر وضعوا نصب أعينهم وحملوا على عاتقهم مهمة كبيرة وعظيمة ألا وهي تحرير وتوحيد كردستان.
 تواصلت المجموعة مع القوى اليسارية في البلد المحتل لوطنهم وحاولوا أن يشرحوا لهم شرعية وعدالة قضيتهم وتوقعوا أن يتفهمهم رفاقهم اليساريون لكنهم تفاجؤوا بعدم التجاوب مع قضيتهم المشروعة إلا فيما ندر.   برز من بين المجموعة شاب طموح كان قد سجل في البداية بكلية الحقوق – جامعة إسطنبول, لكنه لم يستمر وانتقل فيما بعد إلى أنقرة وسجل في كلية العلوم السياسية؛ اسمه عبد الله أوجلان, رفيقهم هذا كان مختلفاً عنهم نوعاً ما, ينظر إلى الأمور نظرة بعيدة وكان قد اختلط مع اليسار التركي وقد تأثر كثيراً بهم، وبخاصة قادته الشباب الذين قدموا أرواحهم في سبيل مبادئهم وقناعاتهم, نذكر منهم دنيز كزميش – ماهر تشايان – إبراهيم قابيق قايا – حسين أصلان … تعرف هذا الشاب في البداية على كلٍّ من كمال بير ومظلوم دوغان، فبعد خروجه من السجن الذي بقي فيه ستة أشهر بسبب مشاركته في المظاهرات المنددة بالنظام, توجه برفقة مظلوم دوغان إلى منزل كمال بير الذي يختصر تلك الزيارة بجمله تظهر مدى قوة شخصية أوجلان القيادية والكاريزما التي كان يتمتع بها: “بعد نصف ساعة من وجود القائد في البيت, أصبح هو صاحب البيت ونحن الضيوف”.
 ولادة فكرة… وميلاد أمة
اجتمع القائد مع رفاقه وشرح لهم فكرته في العمل من أجل تنظيم الشعب والانطلاق باتجاه الثورة وتوعية الجماهير والعمل من أجل الهدف الأسمى ألا وهو تحرير وطنهم الأم من براثن الاحتلال الغاصب, كان رفاقه يستمعون إليه بشغف وحب كبيرين, أحدهم كان طالباً في كلية الطب اسمه محمد خيري دورموش، كان رفاقه يُنادونه بالدكتور, كتب الدكتور كل ما تحدث به القائد أوجلان, حدث هذا الأمر في منتصف السبعينيات بحضور الرعيل الأول من مؤسسي حركة الحرية في كردستان أمثال الشهداء:  كمال بير– مظلوم دوغان – حقي قرار، ورفاقهم: جميل بايق – دوران كالكان – رضا التون – مصطفى قره سو – على حيدر قايتان.
 بعد نقاشات مستفيضة بينهم, اتخذوا قراراً تاريخياً بالعودة إلى الوطن الأم كردستان وسموا أنفسهم باسم “ثوار كردستان” و”الآبوجيون” نسبة لقائدهم عبد الله أوجلان. انطلقوا يجوبون المساحات الشاسعة من هذا الوطن المحتل والمغتصب من جانب المحتل التركي البغيض, بدؤوا بنشر الوعي القومي الكردي بين الجماهير وأن وطنهم هو كردستان وسوف يحررونه من براثن العدو المحتل الغاصب, تعرضوا للكثير من الضغوط والرفض من جانب الإقطاعيين وطبقة الآغوات المتعاونة والمتعاملة مع المحتل, لكن ذلك زادهم إصراراً على المضي قُدُماً في طريقهم الذي اختاروه بمحض إرادتهم. سُميت هذه المرحلة من تاريخهم بالمرحلة الفكرية الأيديولوجية.
استشهاد حقي قرار… وإعلان التأسيس
نقطة التحول الرئيسية في تاريخهم كانت مع قيام منظمة النجمة الحمراء – الكردية للأسف – باستهداف واغتيال الثوري والمناضل الأممي حقي قرار في حلوانية بالرها (أورفا) بتاريخ 18 أيار 1977م. يجتمع الرفاق ويتناقشون في كيفية الأخذ بالثأر والانتقام لاغتيال واستشهاد رفيقهم, منهم من يقترح الهجوم على المنظمة العميلة وقتل قادتها ومنهم من يقترح قتل ضباط كبار من الدولة التركية لأنها السبب الرئيسي وراء اغتيال رفيقهم, لكن القائد أوجلان الذي لديه بُعد نظر ورؤية صائبة وثاقبة للأمور, يقول لهم في نهاية المطاف “انتقامنا لرفيقنا سيكون بتأسيسنا لحركة منظمة وحزب سياسي يقود جماهير الشعب الكادحة نحو الحرية وتحقيق الانتصار على العدو وتحرير كردستان”. وبالفعل بعد مرور سنة وعدة أشهر على حادثة اغتيال الشهيد حقي قرار يتم الإعلان عن تأسيس حزب العمال الكردستاني في قرية “فيس” بالقرب من آمد (ديار بكر) بتاريخ السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 1978م ليكون ميلاد فجر جديد في تاريخ نضال الشعب الكردي من أجل تحرير وطنه الأم كردستان بعد أن دفن الأتراك الغاصبون والمحتلون للجزء الأكبر من هذا الوطن عند قضائهم على ثورة وانتفاضة آكري (أرارات) بقيادة برو هسكي وإحسان نوري باشا سنة 1927م حتى 1930م حيث حفر الأتراك قبراً على سفح الجبل وصبوه بالإسمنت وكتبوا عليه هنا يكمن حلم كردستان.
مقاومة السجون والمخاض العسير
انطلق الحزب في عملية إعادة بناء الوعي والانتماء القومي والوطني لدى المجتمع الكردستاني المحطم والمدمر مسلوب الإرادة, استطاع خلال فترة قصيرة أن يحقق نجاحات كبيرة لكن ذلك لم يرق للجنرالات الفاشست الأتراك وبدأت تُسمع أصوات أقدام الجونتا الفاشية واقتربت الضربة العسكرية فكان القرار بخروج القائد ومجموعة من الرفاق خارج الوطن, تم الأمر في منتصف تموز 1979م وانطلقوا مع قائدهم إلى ساحة الشرق الأوسط فكانوا في روج آفا يُعرفون تحت اسم “الطلبة” كون معظمهم طلبة في الجامعات.
 في الثاني عشر من أيلول قام كنعان إيفرين رئيس هيئة الأركان التركية وقتها بتنفيذ الضربة العسكرية التي خططت لها القوى المهيمنة الرأسمالية والدليل على ذلك إعلان أمريكا عن الضربة قبل بدئها كما أعلنت الخارجية الأمريكية وقتها “لقد فعلها أولادنا”.
 بعد هذا الانقلاب الدموي تم فرض الأحكام العرفية وبدأت عمليات الاعتقال والإعدامات والقتل العشوائي وتم اعتقال عشرات الآلاف من الناس المؤيدين للحزب إلى جانب العديد من القادة، منهم كمال بير, مظلوم دوغان, محمد خيري دورموش, وغيرهم. مع خروج قائدهم إلى ساحة الشرق الأوسط, وحملة الاعتقالات الكثيفة التي تعرض لها الحزب وهو لا يزال فتياً, حاولت الطغمة الحاكمة في تركيا أن تقضي على الحزب من خلال بعض ضعاف النفوس الذين استسلموا للنظام الحاكم وأصبحوا أدوات لضرب إرادة رفاقهم, لكن بمبادرة وقيادة أربعة رفاق أثناء المحاكمة في سجن آمد (ديار بكر) وهم كمال بير – محمد خيري دورموش – عاكف يلماز – علي جيجك؛ بدؤوا بنوع جديد من المقاومة لم تعهدها سجون الفاشية التركية في 14 تموز 1982م، ألا وهو الإضراب عن الطعام حتى الموت.
عمت المقاومة سائر السجون وانضم الآلاف إليها, بعد استشهاد الرفاق الأربعة الأوائل إلى جانب العشرات من الرفاق اضطر النظام الفاشي الحاكم أن يقبل بشروط المضربين ويُحسن من أوضاعهم في السجن .
أما القفزة الأشهر في تاريخ هذه الحركة تتمثل في خلق إرادة المقاومة والكفاح المسلح في مواجهة المحتل من خلال عملية أروه التي قام بها القائد الشهيد معصوم قورقماز (عكيد) في 15 آب 1984م والتي أطلق عليها القائد آبو APO اسم الرصاصة الأولى. وهكذا … من بضعة طلبة في الجامعات إلى حزب لديه ملايين المؤيدين في سائر أجزاء الوطن المحتل والمقسم وفي الشتات.. حزب أصبح حزب الشهداء.. حزب خلق خطاً مقاوماً ونهجاً ينطلق من صرخة الشهيد العظيم مظلوم دوغان “المقاومة حياة”.. حزب صنع من الموت حياة… وضع كل إمكاناته وطاقاته في خدمة شعبه وكل الشعوب المحبة للسلام, لذا نرى انضمام المئات من الثوار والمناضلين الأمميين إلى صفوفه واستشهاد الكثيرين منهم فوق ذُرا جبال كردستان.
إعلان ميلاد حزب العمال الكردستاني ميلاد جديد لشعبنا التواق للحرية, كتابة تاريخنا بأقلامنا وتحرير وطننا من خلال تضحيات عشرات الآلاف من خيرة أبنائنا, تحقيق مكتسبات عظيمة لشعبنا في سائر أرجاء هذا الوطن الشاسع, لولا وجود PKK لما كان هناك نهج وخط للمقاومة والنضال والكفاح في سبيل تحرير كردستان، ولولاه لما كان هناك شيء اسمه حزب الشعوب الديمقراطية ولما استطاع إيصال 80 نائباً إلى البرلمان التركي, ولولاه لكان هناك عشرات الآلاف من الضحايا من شعبنا الإيزيدي في شنكال على إثر هجمات داعش الإرهابية, وكانت ثورة روج آفا وإنجازاتها في شمال وشرق سوريا إحدى ثمار فكر وأيديولوجية الحزب، بالمختصر وجود حزب العمال الكردستاني والقائد والمفكر عبد الله أوجلان هو الضمانة الحقيقية الوحيدة لمقاومة الشعوب ومساندتها في تحقيق حريتها والعيش بسلام. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.