سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الأسطورة مارادونا سَيُخلّد في التاريخ

إعداد/ جوان محمد-

روناهي/ قامشلو ـ شغل الإعلام العالمي وفاة أسطورة كرة القدم دييغو مارادونا، عن عمر 60 عاماً، بعد إصابته بسكتة قلبية، أمس الأربعاء، والذي كان يعتبر رمزاً من رموز الكرة العالمية والذي طبع في الذاكرة هدفين لا مثيل لهما في مونديال المكسيك عام 1986.
رحيله ترك أثراً حزيناً في نفوس الملايين من الجماهير الكروية والرياضيين في العالم، والذي كان أسطورة حقيقية قد لا تتكرر أبداً، وتصدر لسنوات حديث الشارع والصحافة العالمية.
حياته
وُلد دييغو مارادونا في 30 أكتوبر 1960، في لانوس إحدى ضواحي بوينوس آيرس الفقيرة.
بدأ مسيرته مع نادي أرخنتينوس جونيورز قبل عيد ميلاده السادس عشر، ثم استهل بعدها مشواره مع منتخب بلاده عام 1977.
قال في سن السابعة عشر: “لديّ حلمان: الأول هو أن أشارك في كأس العالم، والثاني أن أحرزها”.
مرّ مارادونا، الذي اختير رياضي القرن في الأرجنتين، في علاقاته مع بطولات كأس العالم بشتى المراحل بحلوها ومرّها على مدى 16 عاماً.
بدأت علاقة الولد الذهبي للكرة الأرجنتينية بالمونديال بخيبة أمل عندما تجاهله المدرب سيزار لويس مينوتي لدى اختيار تشكيلته الرسمية لمونديال عام 1978، لصغر سنه وافتقاده إلى الخبرة.
قال مارادونا بعد استبعاده: “إنه اليوم الأكثر تعاسة في حياتي، عندما أعلمني مينوتي بأنه اختار لاعبًا آخر مكاني.. عدتُ إلى غرفتي، وأجهشتُ بالبكاء”.
وتابع مارادونا مباريات منتخب بلاده على شاشة التلفزيون، وشاهد دانيال باساريللا، قائد المنتخب، وماريو كمبيس، هداف البطولة، يقودان الأرجنتين إلى إحراز لقبها الأول وسط فرحة هستيرية في الشوارع الأرجنتينية. لكن “إل بيبي دي أورو” (الفتى الذهبي) كان في عداد تشكيلة مينوتي العام التالي ليقود بلاده، إنما إلى الفوز بكأس العالم تحت 20 عاماً في اليابان حيث أحرز جائزة أفضل لاعب.
شارك في مونديال إسبانيا 82 للمرة الأولى، وكانت فرصة له للتعويض عما فاته في كأس العالم السابق. ولأن الأرجنتين كانت حاملة اللقب، سُلطت الأنظار عليها ونال مارادونا قسطاً من الأضواء، خصوصاً أنه كان وقّع عقدًا للانتقال إلى برشلونة الإسباني.
وعلى الرغم من تسجيله هدفين، فإن حادثة طرده في المباراة ضد البرازيل في الدور الثاني بقيت عالقة في الأذهان.
بلغ الذروة عام 86 في مونديال مكسيكو عندما قاد منتخب بلاده إلى اللقب الثاني بعد 1978.
ويمكن إطلاق اسم مونديال مارادونا على كأس العالم 86؛ لأن النجم الأرجنتيني طبع البطولة بطابعه الخاص، وكان عزفه المنفرد مفتاح الفوز.
ومنذ المباراة الأولى التي لعبتها الأرجنتين في 1986 ضد كوريا الجنوبية، بدا واضحاً تصميم الأمريكيين الجنوبيين على إحراز الكأس، وقد ساهم مارادونا في ثلاث تمريرات جاءت منها أهداف منتخب بلاده في مرمى المنتخب الآسيوي.
ثم افتتح مارادونا رصيده من الأهداف بهدف جميل في مرمى إيطاليا، وقد خرج المنتخبان متعادلين 1-1.
وفرض مارادونا نفسه أيضاً في المباراة ضد بلغاريا (2- صفر)، ومرر كرة حاسمة إلى زميله خورخي بوروتشاغا. وساهم أيضاً في الفوز على الأوروغواي 1- صفر في الدور الثاني؛ لكنه أدخر أفضل ما لديه للأدوار التالية.
وكانت المباراة ضد إنكلترا مشهودة؛ لأنها اتخذت طابعاً سياسياً من جراء حرب المالوين بين الدولتين، وقد سبقتها حرب كلامية بين المعسكرين.
الهدف الذكي
انتهى الشوط الأول بالتعادل السلبي. وفي مطلع الشوط الثاني، سجل مارادونا هدفاً بيده في مرمى الحارس بيتر شيلتون، فاحتج الإنكليز طويلاً؛ لكن الحكم التونسي علي بن ناصر لم يكترث، وأصر على احتساب الهدف. واعترف مارادونا، بعد المباراة، بأنه استعمل يده للتسجيل.
وبعد أربع دقائق، سجل مارادونا أجمل هدف في تاريخ كؤوس العالم، إذ قام بمراوغة ستة لاعبين إنكليز؛ بمن فيهم الحارس، قبل أن يودعها في شباكهم.
وتقابلت الأرجنتين مع بلجيكا في نصف النهائي، وقد وقف دفاع الأخيرة عاجزاً عن إيقاف العبقري الأرجنتيني الذي سجل هدفين في منتهى الروعة من مجهودين فرديين فاتحاً الطريق أمام منتخب بلاده لخوض المباراة النهائية.
وفُرضت رقابة لصيقة على مارادونا في النهائي، وتقدم منتخب بلاده 2- صفر، ثم أدركت ألمانيا الغربية التعادل 2-2 قبل النهاية بنحو 13 دقيقة. ولأن مارادونا كان له اليد في معظم أهداف منتخب بلاده، فإنه مرر كرة أمامية إلى بوروتشاغا، الذي انفرد بالحارس الألماني وسجل هدف الفوز 3-2.
وفي مونديال إيطاليا 90، ذرف مارادونا دمعة شهيرة بعد خسارة النهائي أمام ألمانيا الغربية. آنذاك، قاد منتخب بلاده تقريباً بمفرده، قبل أن يسقط فريقه بركلة جزاء متأخرة لأندرياس بريمه.
ودّع مارادونا المونديال من الباب الضيق، بسبب حادثة المخدرات التي كان بطلها في مونديال الولايات المتحدة 94.
تعملق في المباراة الأولى ضد اليونان، وقاد الأرجنتين إلى فوز كبير (4- صفر)، وسجل هدفاً رائعاً، وخاض الدقائق التسعين بأكملها.
حافظ على مستواه في المباراة الثانية ضد نيجيريا؛ لكنها كانت الأخيرة له بعد ثبوت تناوله منشطات من خمس مواد ممنوعة، فسحبه الاتحاد الأرجنتيني من صفوف المنتخب قبل أن يوقفه الاتحاد الدولي 15 شهراً.
لن أكون رمادياً
وتميز مارادونا دوماً بشخصية نافرة خلافاً للأسطورة البرازيلية بيليه الدبلوماسي: “أنا أسود أو أبيض، لن أكون رمادياً في حياتي”.
كان قصيراً (1.65 م)، قوياً وسريعاً. كان أيضاً شرساً ومقاتلاً عنيدًا رفض الخضوع، حتى عندما حاول أعتى المدافعين منعه من الوصول إلى المرمى. لكن الأهم من كل ذلك هو أنه كان موهوبًا ومبتكرًا.. بل عبقريًا. قال زميله في منتخب 1986 خورخي فالدانو: “لم يكن للكرة تجربة أفضل من الدوران تحت قدمه اليسرى”. على صعيد الأندية، انتقل إلى نادي القلب بوكا جونيورز في 1981 محرزاً معه لقبه المحلي الوحيد. ترك بصفقة قياسية إلى برشلونة في 1982، ومعه اكتفى بلقب الكأس المحلية في 1983.
غاب لفترة طويلة بعد اعتداء أندوني غويكوتشيا، لاعب أتلتيك بلباو، عليه وكسر كاحله؛ ما مهد لانتقاله إلى الدوري الإيطالي.
كان العلامة الفارقة في تاريخ نادي نابولي الجنوبي (1984-1991). عرف معه مجدًا محليًا وقاده إلى إحراز لقب الدوري في 1987 و1990، والتتويج بلقب كأس الاتحاد الأوروبي 1989؛ لكن مارادونا عاش حياة صاخبة خارج الملاعب. أكد مرارًا أن أصعب منافسة خاضها منذ احترافه هي التوقف عن المخدرات، علماً بأنه أنفق الكثير من المال للتخلص من هذه الآفة. سافر إلى جنيف وتورونتو وإسبانيا وكوريا الجنوبية ليجد الدواء الشافي في مصحاتها، قبل أن يتعرض لنكسات طبية متلاحقة في السنوات الأخيرة.
وبكى مارادونا لحالته عندما عرف أنه لم يعد قادرًا على فعل أي شيء، وتأسف نجم كرة القدم البرازيلي السابق بيليه للحال التي وصل إليها هذا “المسكين”، وقال: “من المؤسف ألا يكون نجوم كرة القدم خاصة، والرياضة عامة، مثالاً للشباب والإنسانية”.
وكانت لمارادونا مواجهة دائماً مع الصحافيين والإعلاميين إلى حد أنه شبّه حاله عندما كان يواجه ضغطاً من هؤلاء بالحال التي كانت عليها الليدي ديانا، أميرة ويلز التي قضت في حادث، ورأى أن “الصحافيين تخطوا حدودهم معهم”.
وكان سقوط مارادونا في وحول المخدرات إيذاناً بإعلان نهاية مسيرة الولد الذهبي على الصعيد الدولي، ليخرج بالتالي من الباب الضيق.
مُدرّب متواضع
بعد نابولي، انتقل إلى إشبيلية الإسباني لموسم، وبعده نيولز أولد بويز المحلي، ثم ختم مسيرته في بوكا جونيورز.
في العقدين الأخيرين، تحوّل إلى التدريب؛ لكن مشواره لم يكن ناجحاً، مع منتخب الأرجنتين (2008-2010) أو في الإمارات العربية المتحدة والمكسيك.
بعد مشكلاته مع المخدرات، خضع لإعادة تأهيل. وبعد تركه الكوكايين، وقع في فخ الكحول والسيكار والبدانة، لينتهي الحال به في المستشفى عام 2007.
كان مدافعاً شرسًا عن الزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو، وظهر وشم الأخير بشكل واضح على كتفه، كما كان من أنصار الزعيم الفنزويلي هوغو تشافيس.
تزوج كلوديا فيلافان عام 1984، ورزِقا بابنتين دلما نيريا وجيانينا دينورا، تطلق الزوجان في عام 2004، وخلال الإجراءات، أكد وجود ابن غير شرعي، دييغو سيناغرا، الذي هو حاليًا لاعب كرة قدم في إيطاليا. وعام 2013 رزق أيضًا بابن من حبيبته فيرونيكا أوجيدا. أما من حيث ديانة مارادونا ومعتقداته وطائفته الأصلية ، فقد ولد لعائلة مسيحية كاثوليكية.
تعرّض دييغو مارادونا لوعكة صحية تتعلق بمشاكل في القلب، ومكث على إثرها لأسابيع في المستشفى قبل أن يُعلن عن وفاته في 25 تشرين الثاني 2020 عن عمرٍ ناهز الـ 60 عامًا، ولكن رغم ذلك سيذكر التاريخ هذه الأسطورة التي ستبقى خالدة لأنها لم تكن عادية بل رسمت ملامح المهارة المميزة في ميدان الملعب وخاصةً بحركات كانت تُعجِز المدافعين عن إيقافها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.