سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

حلبية وزلبية… تاريخ عريق وجمال ساحر

إعداد/ عبد الرحمن محمد-

في الشمال الغربي لدير الزور وعلى بعد 58 كم وفي ما يعرف الآن بقرية التبني شرق طريق دير الزور – حلب على شاطئ الفرات، وشرق شمال تدمر على بعد 165 كم؛ تقع إحدى أجمل المدن الأثرية والسياحية ذات الجمال الآسر وهو موقع حلبية وزلبية
يعتبر الموقع من الشواهد القليلة المتبقية على ضفاف الفرات والتي تتمتع بتاريخ عريق إلى جانب سحر الطبيعة والموقع المتميز والسحر الفريد، بإطلالته على جانبي الفرات وحكايته الضاربة في عمق التاريخ. كذلك فالموقع في أصله عبارة عن حصنين على نهر الفرات ازدهرا مع ازدهار الحضارة التدمرية فكانت “الزباء” في “حلبية” وأختها “زنوبيا” في “زلبية” وكل واحدة منهما تتربع على العرش.
تاريخ الموقع وأهميته
تعود آثار “حلبية وزلبية”  والتي تعتبر من “مدن القلاع” إلى الألف التاسع قبل الميلاد زمن الملك الآشوري “آشور نصر بال”- الذي بنى الحصنين على نهر الفرات وازدهرا مع ازدهار الحضارة التدمرية. الموقع عبارة عن مرتفع بارز يحيط به واديان، ولكن المرتفع الذي يصل “بزلبية” منخفض، وعلى قمة المرتفع قلعة يتفرع منها سوران من الجص ينحدران باتجاهين متعاكسين إلى الفرات، أما الضلع الثالث للمثلث المواجه للنهر فقد ذهبت به مياه الفرات وأعيد بناؤه خلف البناء القديم.
 وعلى الجهتين الأخريين أبراج ضخمة بارزة، وكانت تسمى في العهود الآرامية “لوقي” وقد بنتها “الزباء” التي ورثت الحكم من أبيها “عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينه العميلقي” الذي كان يحكم العرب بأرض الجزيرة ومشارف الشام، وقد بنتها حصناً تدمرياً لحماية الطريق الفراتي الذي يربط تدمر بالنهر، ويبدو أن المدينة حملت أكثر من اسم عبر التاريخ فيقال أنها “لوقي” أو “دور كارباتي” ثم عرفت باسم “زنوبيا” و”الزباء”، وكانت العبادة فيها بالعهد التدمري وثنية، وفي العهد البيزنطي بنيت فيها كنيستان صغيرتان للجنود، واعتبرت مركزاً لتواجد الجنود وخلودهم للراحة عند عبورهم المنطقة، وداخل المدينة طرق تحيط بها أبنية عامة فيها حمامات مياه معدنية وبيوت للسكن غنية بالزخارف والنقوش.
الازدهار الاقتصادي والموقع المتفرد
مع نمو مملكة تدمر لتغدو من أكبر المدن، حيث أصبحت مركزاً تجارياً تمر بها قوافل التجارة تحمل البضائع بين أسواق العراق وما يتصل بها من بلاد الفرس والهند والخليج وبين أسواق الشام وحوض البحر المتوسط. قامت زنوبيا ببناء مدينة على الفرات لحماية حدود مملكتها من الشرق ولتجعل من المدينة ميناءً نهرياً تزاحم به ميناء مدينة الكفل “الجيشا” بلواء الحلة في العراق وأسمت المدينة “زنوبية” وهو اسمها.
كان لمضيق حلبية أهمية كبرى في التاريخ القديم لسهولة تحصينه بالصخور الشاهقة الموجودة على سفح الهضبة والتي تسيطر على مدخل الممر، وعلى مخرجه تشكل الأبواب الضيقة والمضيق النهري، مكاناً نادراً على نهر الفرات.
أما “زلبية” فقد كانت إمارة آشورية تسمى “زوحي” وتقع المدينة ضمن هذه الإمارة وتعتبر ميناءً لها وهي تقابل “حلبية” حيث أنها تقع على ضفة الفرات الشرقية إلا أنها تنحرف عنها نحو الجنوب الشرقي قليلاً، وكانت أيام الحكم الآشوري ذات قيمة عسكرية هامة ومعالمها قليلة جداً بالنسبة “لحلبية”، ويربط “حلبية وزلبية” أبنية سقفت نهر الفرات وفتحت نفقاً يربط بين عرش الزباء وعرش زنوبيا.
ولا تزال آثار الجسر في نهر الفرات إلى الآن، وكانت “حلبية وزلبية” محط أنظار الفرس والروم فقد دمرها كسرى “خسرو الأول” حوالي /540/ م بعد استيلائه عليها، فلما استرجعها “جستنيا نوس” البيزنطي حوالي /565/ م أعاد بناء ما تهدم منها.
وقد كشفت البعثة السورية – الفرنسية التي أنهت أعمال التنقيب في موقع “حلبية وزلبية” بدير الزور في الموسم الرابع عن وجود رسوم وزخارف تزين جدران المدافن البرجية الواقعة شمال حصن “حلبية وزلبية” ويعود تاريخها إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وهذه الرسوم والزخارف التي تزين جدران المدافن هي ذات أشكال هندسية مختلفة وملونة بألوان الأحمر والبني والبرتقالي، ويبلغ عدد المدافن التي تم اكتشافها بحدود /64/ مدفناً مختلفة الأحجام تصل المساحة الوسطية للمدفن الواحد إلى /3،5/م طولاً و/3،5/م عرضاً”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.