سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

أنقرة و”أمراء الحرب”… شركاء بسرقة زيت عفرين وتسويقه

 رامان آزاد –

تحت عنوان لافت “زيت الزيتون الموجود في متجرك المحليّ قد يكون مصدر تمويل لأمراء الحرب السوريين”، كتب ماثيو بيتي تحقيقاً صحفيّاً نشرته صحيفة The Daily Beast “الديلي بيست” الأمريكيّة في 23/11/2020 حول سرقة زيت عفرين، ووصوله إلى متاجر الولايات المتحدة الأمريكيّة، وحاول الإجابة بموضوعية عن الأسئلة المطروحة، وأشار إلى تهاون البيت الأبيض مع أنقرة التي دعمت المرتزقة في العدوان على عفرين واحتلالها
سياسة ترامب المتهاونة مع أنقرة
افتتح ماثيو بيتي تحقيقه الصحفيّ بالقول “هناك ثغرة في العقوبات الأمريكيّة تسمح لميليشيات العنف بنقل الزيتون المسروق في سوريا لمعالجته في تركيا ثم تصديره إلى المتاجر الأمريكيّة”.
الصحفية الأمريكية ميغان بوديت تقول إن القوات التركية ومعها المرتزقة الموالية لها غزت سوريا مرتين بضوء أخضر شخصيّ من الرئيس ترمب، ، متهمة بنهب المناطق ذات الأغلبية الكردية الواقعة تحت احتلالهم، وتوصلت الصحيفة عبر مصادر متعددة إلى أنّ “أمراء الحرب” المدعومين من تركيا يفرضون الضرائب على المزارعين المحليين ويبتزونهم ويسرقون محاصيلهم من الزيتون، وبفضل سياسة إدارة ترامب، يمكن للميليشيات الآن الاستفادة من زيت الزيتون المباع على رفوف المتاجر الأمريكية، دون أن تتأثر بالعقوبات الاقتصادية الأمريكية الصارمة على سوريا.
فيما لم تفرض إدارة ترامب عقوبات على الجيش الوطني السوريّ، أشاد المسؤولون الأمريكيون بعمليات تركيا في سوريا باعتبارها مضاداً مهماً للنفوذ الروسيّ، وتلقت عناصر من “الجيش الوطنيّ السوريّ” دعماً أمريكاً في إطار حملة مكافحة داعش وبرنامج سريّ لوكالة المخابرات المركزيّة لتقويض الحكومة السوريّة.
وفي إشارة للعقوبات الرادعة قال التقرير “رفض المتحدثون باسم وزارة الخزانة ووزارة الخارجية التعليق، مشيرين إلى سياسات ضد الحديث عن عقوبات محتملة”.
أمراء الحربِ تجارُ الزيت
غزت تركيا عفرين في كانون الثاني/ يناير 2018 كجزء من حملة عسكرية، وسلمت المنطقة لتحالف من المجاميع المرتزقة يسمّى “الجيش الوطني السوري”، وقد اتُهمت هذه المجموعات بارتكاب جرائم حرب، من النهب والاتجار بالبشر إلى التطهير العرقي والتعذيب، من قبل الأمم المتحدة والحكومة الأمريكيّة، وتم تمويل العمليات بالسيطرة على صناعة الزيتون في عفرين، بمساعدة تركيا.
وجدت الصحيفة في تحقيقها أن الزيتون الذي سرقه من تسميهم “أمراء الحرب السوريون” استخدموه في تمويل وحداتهم القتالية، ويتم تهريبه إلى أوروبا ويستخدم لإنتاج زيت زيتون عالي الجودة، ومن هناك يتم بيعه وتخزينه في متاجر البقالة في أمريكا، من سيراكيوز إلى بلدة ماساتشوستس الصغيرة، إلى ضواحي أتلانتا، وجورجيا.
تسيطر تركيا وما يسمى “الجيش الوطنيّ السوريّ” على صناعة الزيتون المتبقية في عفرين بقبضة من حديد، ويُمنع المزارعون من بيع منتجاتهم في السوق المفتوحة، ويجب عليهم تسليم جزء كبير من محصولهم إلى أمراء الحرب، كما ذكرت صحيفة آسيا تايمز لأول مرة العام الماضي.
يفرض أمراء الحرب على مالكي الأراضي “رسوماً” لتصدير الزيتون أو حتى للوصول إلى أراضيهم، إضافة لفرض ضريبة على الأشجار، وتختلف “الرسوم” حسب المرتزقة، لكن هناك أمراً واحداً هو ثابتٌ: وهو اضطرار المزارعين لبيع منتجاتهم إلى الكيانات المدعومة من تركيا بأسعار منخفضة.
تكشف محاولات الصحيفة تعقب مصدر زيت الزيتون عن عالم غامض لقادة المرتزقة ووسطاء يستفيدون من مزارعي عفرين، وأفادت أربعة مصادر من المنطقة أنه من المستحيل الآن أن يخرج الزيتون من عفرين دون موافقة “أمراء الحرب”.
فيما لا تحمي السلطات المدعومة من تركيا في عفرين المزارعين من تجارة الزيتون المفترسة، فمن المحتمل أن تساعد إدارة ترامب عبر قوانين العقوبات الأمريكيّة التي يمكن أن تمنح الحكومة أدوات لوقف “المعاملات مع كيان سوري متورط في أنشطة تخالف السياسة الخارجية الأمريكية”، وفقاً لما ذكره ماثيو توشباند، مستشار آرينت فوكس، نائب كبير المستشارين السابق في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأمريكية.
زيارة وإقرار تركيّ بالصفقة
وأشار التحقيق إلى ما نقلته مواقع إعلامية تركية معارضة، أن ممثلي هيئة زراعية تركية (هي تعاونيات الائتمان الزراعي التركيّ “T.T.K”)، زاروا الولايات المتحدة بهدف تسويق 90 ألف طن من زيت الزيتون المسروق من عفرين المحتلة على أنّه منتج تركي، وفقاً لموقع (أحوال تركية)، واحتمال أن يكون المنتج قد وصل إلى المتاجر الصغيرة في الطرف الآخر من المحيط الأطلسي من غير إدراك ذلك.
وذكّر التقرير بمواقف تركية سابقة تتعلق بزيت عفرين، إذ قال وزير الزراعة التركي بكير بكديرلي للبرلمان في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018: نريد عائدات عفرين، بطريقة أو بأخرى، في أيدينا، هذه منطقة تحت هيمنتنا، نحن، كحكومة، لا نريد أن تقع الإيرادات في أيدي “المقاتلين الكرد اليساريين”.
بعد فترة وجيزة من خطاب بيكديرلي، اشتكى السياسيون الأوروبيون وممثلو صناعة الزيتون الأتراك من ضخ آلاف الأطنان من زيتون عفرين “المنهوب” إلى الأسواق الدولية، والذي تم وصفه زوراً بأنه زيتون تركي.
سارق الزيت زوّر العلامة التجاريّة
حاولت الصحيفة أن تتعقب مصدر الزيت الذي وصل إلى المتاجر الأمريكية، فوجدت أنّ الزيت يأتي عبر الساحل الشرقي من عفرين، وذكرت أن قيمة صناعة الزيتون في عفرين تبلغ 150 مليون دولار، ويعمل فيه 90٪ من سكان عفرين حتى في أولى سنوات الحرب الأهلية السورية، بحسب بعض التقديرات، بالنسبة لمعظم سكان عفرين، فإن الأمر لا يتعلق بالجغرافيا السياسية ولكن يتعلق بشريان حياتهم.
وأكد مدير سوق أبو العز الحلال في لويل، لموقع The Daily Beast عبر الهاتف أن زيت الزيتون “نُقل” من سوريا إلى تركيا، ولكنه أنكر معرفته بالوضع في عفرين، فيما قال العديد من موظفي شركة توركانا فود أن الحديث إلى الصحافة عبر الهاتف غير مصرح لهم، ولم ترد الشركة على طلبات البريد الإلكتروني للتعليق. تحمل العبوات العنوان المسجل لرجل الأعمال السوري الدنماركي عارف حميد، الذي يبيع أيضاً زيت زيتون عفرين في أوروبا تحت الاسم التجاري كفر جنة، وأكد حميد أن مصدر زيتونه من مصدر معروف في عفرين يدعى آزاد شيخو ويقوم بتسويقها في أوروبا تحت العلامة التجارية المسماة كفر جنة، لكنه نفى بيعه للولايات المتحدة عبر شركة توركانا فوود، وتذكر الصحيفة أن كلا الرجلين نفيا التعامل مع شركة توركانا فوود، وتوقعا بأنَّ الملصق الموجود على عبواتِ زيتِ زيتون عفرين يمكن أن يكون مزوّراً.
تواصلت الصحيفة عبر تطبيق الواتساب، مع التاجر آزاد شيخو في عفرين فأقر بتصديره الزيت إلى أوروبا تحت الاسم التجاريّ “كفرجنة”.
اعترفت الشركات التي يظهر شعارها وعنوانها على عبواتِ الزيت في الولايات المتحدة بتصدير زيت زيتون عفرين، لكنها أنكرت بيع منتجاتها على الأراضي الأمريكيّة عبر شركة توركانا فوود، المستورد التركيّ الأمريكيّ. ليبقى دور تركيا في عفرين موضوعاً مثيراً للجدل في الشتات السوريّ.
سليمان رشو، الشريك التجاريّ السابق لشيخو، لديه علامة تجارية سوريّة لزيت زيتون عفرين، لكنه نفى أيضاً “التعامل مع الأتراك” وادعى أن الزجاجات قد تكون مزوّرة. وألقى باللوم على أشخاص مجهولين في تركيا لسرقة علامته التجاريّة. ونفى الثلاثة التعامل مع أمراء الحرب السوريين في تصدير الزيتون وزيت الزيتون.  وأكدت موظفة في مخبز القدس في ضاحية روزويل بأتلانتا أن متجرهم يحوي زيت زيتون عفرين.
شهادات حية لمواطنين كرد من عفرين
يذكرُ التقرير أن مواطناً كرديّاً من عفرين اسمه نضال شيخو يشعر بالألم والحزن وانكسار القلب عندما يجد عبوة من زيت عفرين المسروق في متجر أمريكيّ في سيراكيوز شمال ولاية نيويورك، تحمل علامة “توركانا”، وقال شيخو الذي يعيش الآن شمال ولاية نيويورك: “شعرت بالألم والحزن والحسرة، وتدمع عيناي بسبب الظلم الذي تعرضت له مدينتي، عفرين”، ويختم شيخو بالقول “عاشت عفرين، عاشت مدينة الزيتون المقدّسة”.
تجربة شيخو ليست استثنائيّة، فالمواطنة الكرديّة أفرين هاوار (اسم مستعار) وهي صاحبة حقل زيتون قالت للصحيفة: كان جني هذا الموسم كابوساً. وتضيف: “والله، سُرق معظم الموسم”، “أنا محرومة من رزقي”، “إنّها أبشع من السرقة مما لو كانوا يسرقون ويصدرون الزيتون”. “لكن كل شيء سُرق من الكردي – العمل الجاد والمعيشة والجهد والكرامة، الحقوق من الأصغر إلى الأكبر”. يقول هجار سيدو، وهو مواطن سوري- دنماركي وتمتلك عائلة هجار سيدو أشجار زيتون في عفرين: “زيتنا الذي يأخذونه من أشجارنا يباع أمام أعيننا، ونحن محرومون منه، وعندما أرى أيَّ رجل أعمال يأخذ الزيت من عفرين، أشعر أنه ثروة مسروقة”.
وفقاً للناشط الحقوقي حسن حسن، الذي فقد بساتين الزيتون والرمان الخاصة به بعد فراره من المنطقة ويدير الآن منظمة حقوق الإنسان في عفرين من مكان آخر في سوريا، حيث كتب في رسالة نصية، “لقد كان إرثاً عائلياً ورثته عن أبي، الذي ورثه بدوره عن أسلافنا منذ قرون”، مدعياً أن والده “مات لاحقاً بسبب الحزن”.
واكتشفت الباحثة المستقلة ميغان بوديت عبوة أخرى تاريخ إنتاجها أبريل 2019 في متجر في لويل، ماساتشوستس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.