سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

العبودية المستحدثة

آلدار خليل-

تظهر الملامح الأولى للعبودية في تاريخ البشرية إلى ما قبل 10000 سنة وبالتحديد مع مصادرة إرادة المرأة وسلبها من قبل الرجل. وتشير بعض المصادر إلى إنه حوالي عام 3500  قبل الميلاد ترسخت العبودية بشكل واضح في الحضارة السومرية وآنذاك كان ينُظر للمرأة وكأنها سلعة.
سادت عملية التمييز  لفترات طويلة إلى أن وصلت إلى يومنا هذا، حيث باتت تتمثل في شكل التفكير والتعاطي مع الوقائع والمتغيرات وكأنها الشكل المستحدث من العبودية التي كانت تتسم بشكلها العام بوجود السيد والعبد لكن ليس كأشخاص، بل كسلب واضح للقيم والحقوق، نجد اليوم بأن البذور ذاتها تتواجد لدى فئات عدة تفضل في أن تكون تابعة ومؤتمرة لا تمتلك ناصية أمرها وتفتخر بما تقدمه لا، بل تحاول إقناع الآخرين بأنه الطريق الصائب.
في الحديث عن هذا الموضوع؛ يتحدث الكاتب الفرنسي إيتيان دو لا بويسي في كتابه “العبودية الطوعية” عن الصنوف القاتلة منها وهي التفضيل السلبي، أي تفضيل التبعية العمياء مع التخلي عن الحرية الطبيعية حتى. لا بل يسمي بأن هناك من يتوارث العبودية ولا يتنازل عنها وكأنها حق من حقوقه غافلاً عن حقوقه الأساسية والتي أهمها تكمن في ألا يتقبل العبودية.
هذه الخصال والإيمان المطلق بها تسبب أزمات كبيرة للشعوب، بتبني العبودية يتم القضاء على القيم والحقوق الطبيعية. الأبشع منها هو الشكل الذي يقوم على أن يكون الإنسان ذليلاً أمام من يغتصب حقوقه بدلاً من أن يكون حراً، لا بل يجد في هذا الاغتصاب وكأنه من بديهيات الحياة لديه، وحينما يسعى أحد في أن يناضل أو يتجه نحو الدفاع عن حقوقه المغتصبة؛ فهو يقف بكل فخر إلى جانب المصادر لحريته والمهين لكرامته ضد من يناضل من أجل أن يكون هو حراً. مفارقات عجيبة!
حالياً تتبدل الوقائع ولم تعد تلك الهيمنة بشكلها المفصل موجودة، حيث ومع الحراك الشعبي في ساحة الشرق الأوسط اختزلت الكثير من المفاهيم والمصطلحات حول القوى المستعبدة للشعوب في شكل واحد وهو بأنهم كأنظمة “غير صالحة على الاستمرار” تأثرت بهذه التطورات كل الأنظمة والأشكال التي كانت تستعبد الفرد وتهيمن على فكره فأتى وقت النضال العلني ليثمر مع ما كان خفياً من النضال في فترة نشاط الأنظمة المستعبدة المصنفة بأنها غير صالحة للبقاء نتاجات تاريخية تعكس مدى التعطش للحرية والعيش بكرامة.
الأمر الذي يقف عنده المرء هو أن هناك من يتعامل مع الواقع وكأنه لم يتغير، يستمر بذات الوتيرة المستعبدة، يفضل في ألا يكون حراً. يتعامل مع بقايا هذه الأنظمة ومن فلت منها من الزوال بكل اعتزاز لا بل يطلبون منها أن تمنحهم شكل البقاء والحياة فيتم فرض الاستعباد السياسي والفكري والثقافي والتاريخي عليهم ويقبلون.
لو تحدثنا عملياً عن واقعنا سنجد بأن العودة للفترة التي سبقت عهد التحرر من أشكال القمع والهيمنة والاستعباد غير ممكنة، لا يمكن أن يقبل من قام ببناء إرادته الذاتية وقراره الحر في أن يكون تابع ومؤتمر، لا يمكن التنازل عن المبادئ التي تم الدفاع عنها مقابل استرضاء الآخرين على خيارات أفضلها هي سلب للحرية. لا يمكن للمرأة التي تحررت من قيود المجتمع القاسية ومن الذهنية الذكورية ونظرية الفرض أن تعود لما كانت عليه، لا يمكن لمن بات يتعلم بلغته ويتعرف على تاريخه كما هو دون زيف أو خداع من أن يعود ويقبل بأن يتلقى ما يتم تجهيزه له دون أية مراعاة لخصوصيته.
نعاني وفي ظل كل هذه التطورات في أن هناك من يرى في كل من يصادر حريتنا الأمل والسبيل نحو الحرية، سياسياً لا مانع في أن يكون هناك علاقات مع كل الأطراف والجهات ولكن مع ضرورة ألا يتم التنازل عن المبادئ التي من أجلها تمارس السياسة. إلا إذا كانت ممارسة السياسة أصلاً هو لتكريس واقع ديمومة فكر الهيمنة والاستعباد من قبل من يسلب الحرية ويدمرها. العبودية مرض أخطرها من تتخذ من الفكر مكاناً والتحرر لا يبدأ إلا مع من يتحرر بفكره من هذه الآفة ويميز حق تمييز بين من يكرس العبودية المستحدثة وبين من يناضل من أجل القضاء عليها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.