سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

انتخابات لم يربح فيها أحد!

بشار جرار (كاتب) ـ واشنطن-

كم أضحكنا “الزعيم” وصحبه في “مدرسة المشاغبين” عندما جاءت النتيجة في ختام عام دراسي: لم ينجح أحد! وكم أبكانا من الضحك عندما لم تسلم حتى سيارة “رئيس جمعية مكافحة سرقة السيارات” من السرقة!
لن يرهبني المتنمرون بالقول وبالفم المليان إن الانتخابات الأمريكية هذا العام كانت “أم الفضائح”.. انتخابات لم ينجح فيها أحد بما في ذلك الفائز الحقيقي وهو الرئيس دونالد ترامب. ما جرى خسائر بالجملة مُني بها الجميع. الخاسر الأكبر كان معظم القائمين على أمن الانتخابات. فهم أحد ثلاثة: إما مغفلون وإما مخترقون وإما متآمرون.. ولا يقولن أحد باستحالة كل ما يرد في نظريات المؤامرة. وحده المعاند لغاية ما، من ينكر وجود شكل من أشكال الدولة العميقة قطرياً وإقليمياً وعالمياً. ترامب الذي تعهد قبل أربع سنوات بـ “تجفيف المستنقع” والتصدي للجميع بمن فيها قوى “المؤسسة” و”الدولة العميقة”، لم يكن واهماً أو مبالغاً. على اختلاف الفوارق، كلما لاح أمل بتغيير حقيقي في أي مكان في العالم قام المستفيدون من الوضع الراهن بوضع العصي في العجلات، وفي حال الخوف من انكشاف أمرهم لا يتوانون عن قلب العربة وقتل الحصان واغتيال فارسه إن لزم الأمر.
ما أقول لا ينطلق من باب تأييدي لترامب رئيساً أو مشروعاً أو حركة، ما أقوله عرفته عن قرب في أكثر من دولة عشت بها مواطناً أو زائراً أو طالباً أو صحفياً أو سياسياً. هناك توحش لقوى الوضع الراهن غاية في الإجرام والخبث والانتهازية، توحّش يجمع الأنقاض بلا حرج، تحقيقاً لهدف ما في مرحلة ما.
الخاسر الثاني هو العنوان العلني الرسمي لمؤسسات الدولة كافة، بل والمجتمع نفسه. ثمة فشل كبير في دور البيروقراطية الخاصة بتنظيم الانتخابات، وكذلك دور قوى المجتمع الرسمي والأهلي في التعامل مع ما اعتراها من عيوب فاضحة، لو وقعت في إحدى دول العالم الثالث، لصدَّعوا رؤوسنا تقريعاً وتنظيراً!
أما الخاسر الثالث والأكبر فهم من يسمون قادة الرأي والمجتمع من صحافيين مترفين متعجرفين بلغ متوسط دخولهم الشهرية نحو مليون ونصف المليون دولار. هؤلاء ليسوا ممن كانوا يعرفون بعشاق مهنة البحث عن المتاعب. هؤلاء صاروا نجوماً أخذهم الغرور والنرجسية والخيلاء والاستعلاء إلى حد العمى السياسي والأخلاقي فاتخذوا مواقف سافرة في الانحياز لأولياء نعمهم أو لمن يشاطرونهم أجنداتهم الليبرالية أو أي شيء آخر سوى أمانة المهنة ورسالتها حتى تليق بلقب “فرسان الكلمة” أو “صاحبة الجلالة – السلطة الرابعة”.. لا أقول هذا كمتطفل على المهنة أو ذلك العالم، فقد خدمت في هذا الميدان قرابة أربعة عقود بقطاعيه، العام والخاص، في ثلاث قارات. تعلمت ألف باء التغطية الإخبارية التلفزيونية في مدارس غربية لا شرقية وتحديدا البريطانية والأمريكية. ما شهدته الصحافة الأمريكية منذ عهد الرئيس السابق باراك حسين أوباما ليس صحافة نزيهة وإنما محابية منحازة له ولإدارته وحزبه. لكنها منذ اقتحام ترامب عالم السياسة ومجتمع واشنطن، استنفرت وحاربته على نحو سافر غير مسبوق انساقت إليه مؤخراً حتى فوكس نيوز التي كانت حتى قبل أسبوعين المفضلة لدى الجمهوريين والمحافظين.
إن كان من رابح في هذه الانتخابات، فهي الأمة الأمريكية وشعوب العالم كافة التي عرفت الوجه الحقيقي للدولة العميقة والصحافة وهوليوود والمؤسسات الثقافية والدينية المتواطئة معها. صار من حق الناخبين في العالم كله، التحقق من أدوات “لعبة” الديمقراطية التي يعرف البعض كيف يغيروا قواعدها لربح المعركة.. هل نجح من نجح فعلاً؟ من يدري؟ قد يكون نظام احتساب الأصوات وفقا برنامج “دومنيون” الحاسوبي الذي زور انتخابات عدة وليس في أمريكا وحدها قد صنع قادة مزورين وأطاح قادتنا الحقيقيين.
المعيار هو: انظر لنتائج سياساتهم وأعمالهم لا لما يصدر عن أفواههم، “من ثمارهم تعرفونهم” كما قال السيد المسيح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.