سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

عن مراكز الحل السوري وعن معرقلاته في مرحلة ما بعد ترامب

سيهانوك ديبو (كاتب)-

إنّ خسارة ترامب تنعش آمالاً للتغيير في سياسات واشنطن تجاه الشرق الأوسط، رغم هذا فإنّه لا يبدو في الأفق المنظور وجود حلّ قريب قادم للأزمة السورية، فقد تكون المنطقة كلها تنتقل، أو لنقل موضوعة على نقالة، من غرفة إلى أخرى، في كل غرفة حسابات ودفتر تاريخ وإحداثيات لجغرافيا أو جغرافيات، لكل منها مقاييس مناسبة للموجودين أو المسموح لهم البقاء في هذه الغرف.
مثال الغرفة، قره باخ/ آرتساخ، والحلّ الذي رسم لها فيما يمكن وصفه بالعملية الجراحية، يغلب على طابعه وسم المؤقت دون دمغه بالثابت. إنّ الدول التي دخلت سوريا الموجودة أو المحتلة نالها التعب، والاصفرار يبدو على وجوههم، إذْ لا يمكنهم إدارة الملفات بكليتها وفق السوية التي تريدها كل عاصمة، إذ تريد كل واحدة أن تحجز مقعداً أمامياً في النظام العالمي الجديد، فتراهم يميلون إلى المقايضة بدلاً من فعل الاتفاق، بالأساس لا يملك أحدهم القوة اللازمة لحلّ كل المشاكل والأزمات المنخرطة فيها، منفردة أو مجتمعة.
حلول الشرق الأوسط بشكل خاص لها مواعيد معينة، ومن يتحلّى بالجهوزية والاستعداد يؤذن له بالبقاء، شيء أشبه بمواعيد الشروق والغروب، المطر والقحط، وفي مثل هذه الجزئية فإنّ تصريح نائب وزير خارجية السلطة السورية القاضي إلى وجوب مراجعة الدول لدمشق دون غيرها – يقصد الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا – في ملف تسليم مواطنيها إن كانوا أطفالاً أو غيرهم، لا يعتبر سوى مثالاً على إصرار السلطة في الانخراط بالمزيد من الأزمة بدل الالتفات إلى الحل المتمثّل بالحوار السوري السوري وفق أرضيّة الثوابت الوطنية وميكانزيم الحل الديمقراطي. كما أنّه كل الظن بأنّ الأعوام الثلاثة القادمة ستكون ثقيلة جداً على سوريا والمنطقة ومن مختلف المستويات.
هذا لا يعني بأنّ فرص فرض تسويات للأزمة السورية غير ممكنة، أما إذا وجدت وكانت ممكنة فإنّها لن تحظى بالثبات، فالثابت في سوريا وربما في عموم المنطقة هو المؤقت، وتصريح المبعوث الأممي لحل الأزمة السورية “غير بيدرسن” في إحاطته الأخيرة لمجلس الأمن الدولي، بأنّ الآمال يجب أن لا تستقر كلها على أعمال اللجنة الدستورية إن كان في تعديل جديد للدستور السوري أو حتى وضع دستور جديد لسوريا يؤكد ذلك، وما يؤكده مؤتمر اللاجئين المنعقد مؤخراً في دمشق كخطوة إعلامية ربما لا علاقة لها بقضية اللاجئين بكليتها، إنما بمحاولة أخرى لن تكون الأخيرة على ما يبدو مفادها تعويم السلطة السورية كسلطة شرعية، وهي غير ذلك في نظر الغالبيّة العظمى من السوريين، مهجرين كانوا أم موجودين، سوريين كانوا أم إقليميين وفي معظم دول العالم. الأزمة السورية هي حرب أهلية يجب حلّها جذرياً على مبدأ السلة المتكاملة المسترشدة بالقرار الأممي 2254، تتحول من خلالها سوريا إلى دولة مواطنة عصرية في نظام لا مركزي ديمقراطي.
المرحلة الترامبية السورية تركت وراءها تواريخ تتسم بالتناقض؛ أقلّها في شمال سوريا وشرقها، من تحرير الرقة بيد قوات سوريا الديمقراطية وبدعم التحالف الدولي بقيادة أمريكا ضد الإرهاب، في 17 أكتوبر 2017، أعقبها احتلال تركيا الأردوغانية لعفرين في 18 آذار 2018. في 23 آذار 2019 يتم إنهاء داعش كقوة ميدانية ظاهرة، أعقبها هجوم تركيا الأردوغانية على منطقتي رأس العين وتل أبيض، في 9 أكتوبر من العام ذاته، هجوم تحوّل إلى احتلال يمارس اليوم بمختلف أنواع الجرائم المصنّفة وفق القانون الدولي ضدّ الإنسانية، ناهيكم عن جرائم التغيير الديموغرافي ونهب مقدرات الأهالي الأصلاء لهذه المناطق.
لكن الأكثر تميزاً في المرحلة الترامبية، أنّ إجماعاً إقليمياً وربما دولياً يتشكل مفاده تحجيم تركيا الأردوغانية في سوريا، وتحجيم الموالين لأنقرة المصنّفة بدورها في صفِّ المعارضة السورية والجماعات المسلحة المحسوبة عليها، لنرى بعكس هذا التوجه الصحيح، الخطوة التي قام بها حديثاً تحت اسم جبهة السلام والحرية إلى أنقرة، التي تنمّ عن أهداف غير معلنة، قد يكون أبرزها ملء الفراغ الذي ينجم عن انسحاب كامل لتركيا الأردوغانية من المناطق التي احتلتها في شمال سوريا، وحجم المخالفات المرتكبة من قبلها أو من قبل جماعاتها السورية، إضافة للتقارير الأممية التي توثّق جرائم هذه الجماعات بحق الأهالي ومدنيي هذه المناطق، وبشكل كبير ضد الكرد.
ومن السهل هنا قياساً بالتجارب السابقة تخلّي أنقرة الأردوغانية عن مشغليها واستبدالهم بجدد، علماً ومن الناحية التنظيمية لا شيء في هذه الجبهة صحيح إلى اللحظة. جزء أساسي منه في حوار كردي كردي كجزء من الحوار السيادي السوري الذي ينتمي لإنجاحه كل وطني سوري، وفي الوقت نفسه موجود في الائتلاف، وأيضاً في علاقة تنظيمية مع شخصيات أخرى غادرت الائتلاف ولم تستقر عندها البوصلة إلى اللحظة، إنّها لا تبدو كمسألة معقدة إنّما عدم امتهان أو دوران بحسب إملاءات لا تنتمي إلى الأجندة السورية في التغيير الديمقراطي، وإلى كيديّة ملحوظة جلّ همومها خلق الأسباب التي تناسب أنقرة كجهة ظاهرة العداء لتجربة الإدارة الذاتية، ومحاولة لم تنجح بتحويل هذه الأسباب إلى وسائل.
الحلول كما هي موجودة وظاهرة.. الخلاصة
بإمكان مجلس سوريا الديمقراطية أن يتحوّل إلى مركز جذب وطني للمعارضة السورية، بشقيها الخارجي والداخلي، والمذكرة التي وقعها نهاية آب الفائت مع حزب الإرادة الشعبية وتبنتها منصّة موسكو كانت الخطوة الأكثر أهمية في هذا المسار، ومباحثات مسد الوطنية وحواراتها مع أطراف المعارضة السورية (الرسمية) مستمرة مع هيئة التنسيق الوطنية ومع غيرها. ما يؤخذ على هذه الخطوات، أنّها يجب ألّا تبقى في خانة النظري إنما تتحصّن من قبل اللجان المشتركة كإحدى أهم أشكال إنتاج مراكز الحلول والخلاص من معرقلي الحلول، فمغادرة وتحجيم مثبطات الأزمة السورية وجعلها معَلّقة فقط بما يمليه الخارجي فقط، علماً أنّ العامل الوطني هو الأهم، وكل مشروع وطني هو الأساس بما يؤكد بأنّ سوريا جزء من محيطها الإقليمي والعربي والعالمي، أما المجموعات التي تصرّ على التغريد وحيدة وهم بالأساس شخصيات، فهم من يرسمون دوائر حولهم يبقون فيها، وحتى الخطوات التي يخطونها تبقى مجرد قفزة ضمن الدائرة ذاتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.