سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

مغني الثورة التشيلية… فيكتور جارا

دجوار أحمد آغا  –

اختار فيكتور جارا المغني الثوري يوم السادس عشر من أيلول 1973,  أي بعد مضي خمسة أيام فقط, على وقوع الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال أوغستينو بينوشيه ضد الحكومة الشرعية المنتخبة ديمقراطياً في التشيلي حكومة الرئيس سلفادور الليندي – علماً بأنه اعتقل في اليوم الثاني من الانقلاب – كي يكتب أغنيته الاخيرة تحت اسم “استاديو تشيلي” أي ملعب تشيلي في العاصمة التشيلية سانتياغو, هذا المجمع الرياضي التي تحول إلى مكان للاعتقال والتعذيب وقضى فيه جارا أيامه الأخيرة .
تشاء الأقدار أن تكون ولادة واستشهاد جارا في نفس الشهر، أيلول, ففي الثامن عشر من أيلول عام 1932 ولد في قرية صغيرة تُدعى لونكون في ريف سانتياغو العاصمة التشيلية وفي السادس عشر من أيلول 1973 استشهد تحت التعذيب الوحشي الذي تعرض له على يد جلاوزة الطغمة العسكرية الانقلابية الفاشية بقيادة بينوشيه في أقبية المجمع الرياضي في استاد سانتياغو .
نشأ جارا وترعرع في قريته التي كان أهلها يتميزون برواية الأساطير والقصص والأغاني التراثية، حيث قضى جارا ليالي طفولته بجانب أمه يراقبها وهي تحصد الذرة مستمعًا لغنائها وعزفها على الغيتار، ثم يغفو على صوت غنائها. معظم أغاني فيكتور قصص منعكسة من أحداث وقعت له خلال حياته.
انتقلت أسرة جارا من هدوء القرية إلى صخب المدينة، أنهى دراسته الابتدائية بدرجات مرتفعة بفضل حرص أمه على تعليمه واهتمامها الكبير به, نهاية عام 1954 سافر جارا إلى شمال تشيلي مع مجموعة جديدة من الأصدقاء، كان هدفهم المشترك تجميع الموسيقى الشعبية. استمر جارا في دراسة المسرح والاهتمام به حتى عام 1962، بعدها بدأ يكتب أغانيه الخاصة، ويلحنها ويغنيها للجيران والأصدقاء.
أولى الإصدارات الفنية
أصدر جارا ألبومه الأول عام 1966 بعنوان «ترنيمة للإنسان» أظهر في بداية مسيرته موهبة خاصة في مضايقة التشيليين المتزمتين المحافظين، حيث أصدر أغنية كوميدية تقليدية تسمى «La Beata» أي (المُبارَكة)، تصوِّر خلالها امرأة تشيلية محافظة متدينة معجبة بالكاهن الذي تعترف له بخطاياها. مُنعت الأغنية من المحطات الإذاعية، وأُزيلت من محلات التسجيلات كافة.
لم يُخفِ جارا أبداً انتمائه للحركة اليسارية التشيلية بقيادة السياسي الاشتراكي سلفادور أليندي. بعد زياراته إلى كوبا والاتحاد السوفييتي أوائل الستينيات. انضم جارا إلى الحزب الشيوعي التشيلي، امتزجت أفكاره ومبادؤه السياسية بتراثه الإنساني مما أدى الى ظهور شخصيته وأغانيه الملتزمة، كانت معظم أغانيه عن الفقر الذي عانى منه شخصياً, وتُصنَّف في حركة الموسيقى التشيلية الحديثة. انتشرت أغانيه خارج تشيلي, حيث اكتسبت أغانيه شعبيةً عارمة لدى معظم شعوب العالم، سواء في أمريكا اللاتينية أو في أوروبا وآسيا وحتى أفريقيا. لحَّن جارا قصائد الشاعر التشيلي الكبير “بابلو نيرودا”، وأداها في حفل تكريم نيرودا بعد أن حصل على جائزة نوبل للأدب في 1972. ظل محتفظًا بوظيفته في تدريس المسرح في الجامعة التقنية في تشيلي وسط تذمر أعضاء حزب اليمين وغضبهم.
الاعتقال وأنشودة الانتصار
ألقت قوات الفاشي بينوشيه القبض على فيكتور جارا وتم تعذيبه بشكل فظيع، حُرِم من الطعام والنوم، ومن باب التنكيل به، ألقى ضابط فاشي عقب سيجارته المشتعلة على الأرض، وأرغم جارا على أن يزحف للوصول إليها، ثم سحق معصميْه بقدميّه. وفي لحظة ما أنشد جارا بتحدٍ واضح، ومن بين شفتيْه الممزقتين من فرط التعذيب، أغنيته الشهيرة، “سننتصر“، التي مثلت النشيد الذي تردد خلال الحملة الانتخابية للتحالف الذي قاده أليندي، لخوض الاقتراع الذي أُجري عام 1970.
وبحسب إفادة أحد رفاقه المعتقلين، طلب جارا في صباح السادس عشر من أيلول، قلماً ودفتراً وكتب بسرعة كلمات أغنية “استاد تشيلي”، التي هُرِّبَت في وقت لاحق خارج ذلك المجمع الرياضي، وتقول في بعض مقاطعها:
 “كم هو عسير أن أشدو عندما أضطر للغناء من فرط الرعب الذي أعيشه، رعب أموت في غماره”.
الموسيقا…علاج للقضايا المستعصية
ذات مرة قال جارا: “لقد سئمنا الموسيقى التي لا تعالج قضايانا، التي ترفه عنّا للحظة عابرة، ثم تتركنا خاوين من الداخل“. وأضاف: “لقد شرعنا في خلق نوع جديد من الأغنيات التي وُلِدَت من رحم الضرورة المطلقة لوجودها”.
ورغم أن جارا حظي بالمظهر الوسيم والجاذبية الشخصية اللذين ينعم بهما نجوم الروك، فقد احتقر المغنين الغربيين، ممن كانوا يقدمون أعمالاً ذات طابع احتجاجي، إذ رأى أنهم تنازلوا عن مواقفهم السياسية، مقابل أن ينالوا المال والشهرة، في إطار “الثقافة التجارية التافهة” التي تسود الغرب. وكشيوعي ملتزم، كان فيكتور جارا يفضل مصطلح “أغنية ثورية” على “أغنية احتجاجية“. وتحت وطأة التعذيب، كتب جارا آخر أغانيه حيث قال فيها:
“عيوننا تحدق إلى الموت
أنا أعيش لحظات لا نهائية
حيث الصمت
والصراخ صدى غنائي”.
نُقِل جارا إلى منطقة مهجورة بعد أيام من اعتقاله، وأطلق الجنود عليه وابلاً من النيران وكأنهم ينتقمون من أغانيه الثورية. تم بعدها نقل الجثة الى مشرحة في سانتياغو، حيث تعرفت زوجته على جثته بعد بحث استمر لأيام بين المئات من الجثث مجهولة الهوية بسبب التعذيب. سُمِح لزوجته باستلام جثته ودفنها بشرط ألا تعلن عن ذلك.
عام 1975 أجريت مقابلة مع جوان أرملة المغني الراحل حيث قالت : “لقد كانت هذه الأغنيات تُبث على أثير الإذاعة وشاشة التليفزيون. وشكلّت حركة الأغنية (الثورية) سلاحاً جباراً في الكفاح من أجل توعية الناس“.
اللافت أن شجاعة جارا وإيمانه الراسخ بأفكاره كانا هائلين، حتى في الفترة التي سبقت استشهاده مباشرة. لنرى ما قاله المغني وكاتب الأغاني الأمريكي فيل أوكس بعدما التقى جارا في تشيلي عام 1971، بقوله : “قابلت للتو فناً حقيقياً”. وأضاف قائلاً: “إننا هنا بصدد رجل يؤمن حقاً بما يقوله ويجسده”.
أما في تشيلي، فلا يزال فيكتور جارا رمزاً، ويشكل مقتله حلقة عصية على النسيان، من أحداث فترة يشكل ما جرى فيها صدمة وطنية بكل معنى الكلمة. ففي عام 2003، أي بعد 13 عاماً من ترك بينوشيه لمنصبه، تم تغيير اسم “ملعب تشيلي” ليصبح “ملعب فيكتور جارا”. وفي عام 2009، وبعد إجراء تحقيقات جديدة بشأن مقتل هذا المغني الثوري، أُعيد دفن جثمانه في جنازة شعبية حضرها مئات الآلاف من المواطنين.
لم تكن أغاني فيكتور جارا مجرد كلمات عابرة، بل كانت عبارة عن رسالة قوية للفلاح التشيلي، حين يقول جارا : “آن لك أن تستريح …”
فيكتور جارا الفنان التشيلي الثوري، كان مؤيداً لحكم الرئيس التشيلي المنتخب سلفادور الليندي، الذي فاز بالانتخابات الرئاسية من خلال ائتلاف القوى الاشتراكية ، الشيوعية، واليسارية .
فيكتور جارا غنى أغنية للشعوب الفقيرة مهنئاً إياهم بفوز الحزب الاشتراكي واليساري، فغنى لهذا الفوز المبشر بعصر جديد…
فيكتور جارا… تحول إلى أحد أهم أركان الثقافة التشيلية المعاصرة، وإلى رمز للفكر الحر في العالم أجمع  …
من أغاني جارا
“مرة أخرى يُريدون صبغ أرض بلادي
بدماء الإنسان العامل
هؤلاء الذين يتحدثون عن الحرية
كم ارتكبت أيديهم من جرائم
يفصلون الأطفال عن أمهاتهم
ويصنعون صليباً لتحمله تشيلي على ظهرها
إن رياح الشعب تنادي.. إنها تحملني وتنثر قلبي
وتعصف مارة من حنجرتي
فيُسمع شعري حتى مماتي
عن طريق الشعب الآن وإلى الأبد”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.