سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

التراث… والإنسان

تقرير/ آزاد كردي –

يواجه التراث الثقافي في دول منطقة الشرق الأوسط عدداً من المخاطر والتحديات التي أفرزت الحروب والصراعات الكثير منها، والتي تستوجب التوجه المباشر نحو هذا التراث وتوفير الحماية المناسبة له، مع كل ما يتضمنه من آليات ووسائل وأدوات، وضمان الحفاظ عليه لما يشكله من أهمية للمجتمعات كافة.
ويعني التراث عموماً ما تركته الأجيال السابقة للأجيال اللاحقة في مختلف المجالات الفكرية والدينية والتاريخية والأدبية والأثرية والمعمارية وغيرها، وبالشكل الذي يعكس طبيعة حياة مجتمع ما وسلوك أفراده وطريقة عيشهم؛ إضافة إلى ما أنتجه مجتمع ما من أفكارٍ في ماضيه وحاضره. وبهذا الصدد، التقت صحيفتنا “روناهي” بالخبير الأثري في مديرية الآثار التابعة للجنة الثقافة والفن في مدينة منبج وريفها؛ عبد الوهاب شيخو.
ماهية التراث

بداية وحول معنى التراث، حدثنا عبد الوهاب شيخو عن ذلك بالقول: “هو مجموع خبرات الإنسان في حياته وتنبثق هذه الخبرات من تجاربه مع البيئة المحيطة به، وبمن هم حوله من الأفراد والجماعات، ويرتبط التراث بماضي الإنسان ارتباطاً وثيقاً، كما يرتبط بالواقع الذي نعيشه وبمستقبله. ويعد التراث حجر الأساس الذي تقوم عليه ثقافة الأمم في تاريخها وحاضرها”.
الهوية الثقافية
التراث الإنساني في مجمله يدل على هوية الأقوام وماهيتها ويكون كالدليل والبطاقة التعريفية به، يدل عليها ويعرَف بها ويكون كالعلامة الفارقة، “إن التراث يمنح كل شعب هويته التي تميزه عن غيره من الشعوب، كما يمنحها قيمتها الاجتماعية والفنية والعلمية والتربوية. كذلك يعد المكون الأساسي للحضارة، وذلك لكونه مجموعة من الخبرات المتراكمة على مر العصور، حيث يؤدي تراكم الخبرات وتجمعها إلى تكوين الذاكرة التي تجعل الأفراد يربطون بين خبراتهم السابقة والحالية. فإنه حري بكل شعب أن يحافظ على تراثه ويحميه حيث يؤدي فقدانه وزواله إلى زوال هويته وفقدان ذاكرته”.
ويرى شيخو أن التراث يتنوع بشكل كبير، فمنه ما هو مرتبط بالعلم، ومنه ما يرتبط بالفن والأخلاق والعادات، كما يرتبط التراث بالصناعات والمهن، ومنه ما هو مرتبط بالمعتقدات. وينتقل التراث من الماضي إلى الحاضر بجميع أشكاله وأنواعه عن طريق اللغة والتعليم وأنظمة المحاكاة الحديثة.
إحياء التراث
وأوضح أن الدول العربية تعاونت منذ عام 1947م على إحياء التراث العربي وتنشيطه والحفاظ عليه، كما استخدمت الوسائل المختلفة لنشره بين الناس على قدر استطاعتها. وفي عام 1970م أُنشئت المنظمة العربية للتربية والعلوم التي تواصل عملها حتى اليوم في الحفاظ على التراث العربي، وذلك من خلال مجموعة من البرامج والمشاريع المختلفة إضافة إلى المؤتمرات التي تبحث في شؤون التراث الثقافي والآثار.
اتفاقيات دولية للحفاظ على التراث
التعاون والتوافق الدولي في مجال حماية التراث أمر أساسي وحتمي لأنه يتطلب جهوداً جبارة وإمكانات كبيرة، ويضيف شيخو قائلاً: “لقد اهتمت منظمات عالمية عديدة بالتراث على المستوى العالمي، فقد شجعت منظمة اليونسكو على حماية التراث الثقافي والطبيعي من خلال عقد اتفاقية دولية عام 1972م والتي عرفت باسم اتفاقية “حماية التراث العالمي الثقافي الطبيعي”. كما انبثقت عنها اللجنة الحكومية الدولية لحماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي، بالإضافة إلى وضع سياسات وشروط للمساعدات الدولية الخاصة بحماية التراث والحفاظ عليه.
وتابع قائلاً: “يتجسد العمل على حماية التراث من خلال تنفيذ العديد من الأنشطة بتعاون منسق بين المنظمات العالمية. ومن الأمثلة على طرق حماية التراث والحفاظ عليه؛ نشر الحروف التقليدية القديمة من جديد وعمل برامج خاصة تعترف بالحرفيين التقليديين وترفع من قيمتهم. وتنظيم وإعداد مشاريع وورش عمل تسعى لتعليم التراث وتحافظ عليه من الاندثار وعقد وإنشاء الدورات التدريبية في دور خاصة؛ بهدف مناقشة القضايا المتعلقة بالتراث وإعادة تأهيل التراث والنهوض به من خلال تنظيم العلاقة بين السياسة الوطنية وخطة العمل وتنفيذ المشاريع”.
بنود اتفاقية حماية التراث الثقافي والطبيعي
بنود الاتفاقية المذكورة سابقاً تؤكد على المحافظة على التراث ونقله بأمانة وروح المسؤولية الإنسانية، وتوفير ما يلزم لذلك، وقد تضمنت ما يلي: “ينبغي على كل دولة تمثل طرفاً من الاتفاقية أن تتعهد بحماية كل ما على أرضها من تراث وتنقله من جيل إلى جيل كما وأن توظف كل ما لديها من موارد من أجل هذه الغاية إضافة إلى تقديم أي مساعدات تقنية وفنية يمكن أن تعود بالفائدة على التراث والحفاظ عليه، ودمج حماية التراث في برامج شاملة وإعطاء التراث الطبيعي والثقافي أهميته على أكمل وجه وتوظيفه بشكل فعال في المجتمع، وإعداد خدمات تهدف إلى حماية التراث وعمل أنشطة تهدف إلى عرض وتقديم التراث إلى الأفراد مع توفير جميع السبل والمواد اللازمة لذلك”.
كما أكدت بنود أخرى فيها على ضرورة وضع خطط مستقبلية للمحافظة على ذلك وديمومته: “إنشاء مراكز وطنية أو إقليمية تسعى لتدريب الأفراد على حماية تراثهم وتشجيعهم على إقامة الأبحاث المتعلقة به. ووضع خطط قانونية وعلمية ومالية وإدارية تخدم حماية التراث والحفاظ عليه ونقله من جيل إلى آخر. واتخاذ الإجراءات اللازمة في حال تعرض التراث للتهديد، كما ويجب على الدولة أن تضع دراسات علمية وتقنية من شأنها أن تواجه الأخطار التي قد يتعرض لها التراث. وتتعهد الدول الأطراف في الاتفاقية بعدم التعرض بشكل سلبي لتراث دولة أو إقليم يعد طرفاً في الاتفاقية أيضاً”.
الجانب المادي والمعنوي للتراث
إن جميع أنواع التراث نتاج الحياة البشرية، فهي خبرات تنتقل من السلف إلى من يخلفهم على الأرض، وللتراث جانبان أساسيان، هما: الجانب المعنوي: ويشتمل على العلوم والأدب والقيم والعادات. والجانب المادي: ويشتمل على أشياء ملموسة مثل الآثار والمباني، كما يشتمل على الأحداث التي تقع وتتناقل بين الناس. وبذلك فإن للتراث تأثيراً كبيراً في صنع الحاضر، وهو يتدفق نحو المستقبل أيضاً، بحسب تعبير شيخو.
التراث الثقافي – التراث الطبيعي
وأكد شيخو أن اتفاقية اليونسكو لعام 1972م المذكورة أعلاه، حددت التراث العالمي بنوعين، هما: التراث الثقافي – التراث الطبيعي: الذي يشتمل على المعالم الأثرية والمباني الفنية والتاريخية والمواقع الأثرية أو الأعمال الأثرية عن عمل الإنسان أو المشتركة بين الطبيعة والإنسان. أما التراث الطبيعي: فيشتمل على التشكيلات الجيولوجية والمناطق التي تحتوي على الحيوانات والنباتات المهددة بالانقراض والتي تحمل قيمة عالية ومتميزة والمناطق الطبيعية والتي لها جمال طبيعي يجب الحفاظ عليه.
ارتباط الإنسان بماضيه وحاضره
ويربط شيخو علاقة الإنسان الوطيدة وبين تراثه في أنه المحدد الأساسي لهويته والرابط لحاضره بتاريخه وماضيه، وبذلك أصبح الإنسان ينتمي إلى تراثه انتماءً كبيراً ويتباهى فيه ويمنع المساس به أو تشويهه لما له من قيمة كبيرة تشغل تفكيره وعاداته وتقاليده، حيث يؤكد د. محمد عابد الجابري – رحمه الله – في كتابه الذي يحمل عنوان “نحن والتراث” أن الإنسان العربي مرتبط بتراثه ارتباطاً وثيقاً كارتباطه بالحياة فهو يتلقى تراثه ويتشبع به منذ لحظة ميلاده من خلال المفاهيم والكلمات والخرافات والقصص والحكايات وطريقة التعامل مع الأشياء من حوله كما يظهر ارتباطه بتراثه من أسلوب تفكيره المستمد من التراث؛ وبذلك انقطاع الإنسان العربي عن تراثه يمثل له الموت.
وأضاف شيخو على حد قول الجابري: “إن جميع شعوب الأرض ترتبط بتراثها بنسب مختلفة إلا أنه يوجد فارق كبير بين من يفكر بتراثه على أنه وصلة ممتدة إلى الحاضر والمستقبل ومن يفكر بتراثه على أنه شيء منقطع عن الماضي”.
كما ويستشهد شيخو بقول د. فريدريك معتوق في كتابه “مدخل إلى سيسيولوجيا التراث” بالقول: “إن علاقة العربي بتراثه تتغذى وتكبر من التراث حيث يتعلق عقله بما يحتويه ماضيه من إنجازات على مستوى العلم والأدب والفلسفة، ويعتقد أنه من الممكن قطع الإنسان الإفريقي عن تراثه بينما لا يمكن فعل ذلك بالعربي، إذن إن التراث بالنسبة له عبارة عن حياته الماضية والحاضرة وهو ما يعطيه مدلولاً اجتماعياً ودينياً فيها”.
 وعي الإنسان بالتراث
واختتم الخبير الأثري في مديرية الآثار التابعة للجنة الثقافة والفن في مدينة منبج وريفها؛ عبد الوهاب شيخو حديثه قائلاً: “يعد التراث جزءاً من الوعي السياسي والوعي الاجتماعي حيث يعتقد الفرد أن ما كان صحيحاً ويهتدى به في الماضي هو صحيح الآن ويمكن الاهتداء به أيضاً على المستويين السياسي والاجتماعي. وبذلك يشكل التراث مثالاً يحتذى به حيث يتطابق مع الحياة الاجتماعية في الماضي والحاضر. كما يتطابق من حيث السياسة المعاصرة، فهو يشكل مرجعاً موثوقاً لا يقبل البحث والمناقشة. ويتميز التراث بأنه أقوى من الحاضر حيث فيه استمرارية الأمة ويحقق التوازن بين الماضي والحاضر والمستقبل ويوازن بين عطاء الشعوب وفكرها”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.