سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

شنكال… بين أطماع تركيا وكماشة بغداد وهولير

رفيق إبراهيم-

 قبل أيام وقِّع اتفاق بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان التي يقودها الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتفاقية تقوم على أساس إدارة شؤون شنكال من دون أن يكون للشنكاليين أي دور فيها، مما أثار الكثير من ردود الأفعال السلبية حولها، وبخاصة من قبل أهالي شنكال الذين رفضوا الاتفاقية جملةً وتفصيلاً، وكانت الاتفاقية مثار جدل كبير حيث وجهت لها الكثير من الانتقادات.
تهميش أهالي شنكال فرمان آخر بحقهم
الاتفاقية تتجاهل أهالي شنكال الذين دافعوا عن ترابها وحموها وأخرجوا داعش منها، من خلال تضحياتهم بمئات الشهداء، وهذه الاتفاقية تقصي أصحاب الأرض والتاريخ عن بناء ورسم مستقبلهم في كافة مجالات الحياة، وكان لا بد من أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار سياسياً ومجتمعياً وإدارياً، يتحتم مشاركة أبناء شنكال في رسم المستقبل الأمني والسياسي والإداري لمنطقتهم، لأنه من الاستحالة بمكان إدارة أي منطقة بمعزل عن مشاركة أهاليها في إدارتها. وأهالي شنكال هم من تعرضوا لشتى أشكال الإبادة الجماعية التي سيذكرها التاريخ، وستبقى وصمة عار على جبين البشرية التي وقفت وقفة المتفرج أثناء هجوم داعش، في الثالث من آب عام 2014.
وما يثير الجدل حول تلك الاتفاقية ورفض أهالي شنكال لبنودها، هو تذكرهم الأيام الأولى من الفرمان، ولا زالت صور التغريبة الشنكالية ماثلة أمام أعينهم وكيف أن قوات الحكومة العراقية وبيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني تخلوا عنهم بغمضة عين، تركتهم لقدرهم أمام هجوم داعش الذي ارتكب بحقهم مجازر بشعة لا يمكن نسيانها أبداً، فقتلوا حوالي ثلاثة آلاف إيزيدي شنكالي، وسُبيت الآلاف من النساء من مختلف الأعمار بيعوا في أسواق النخاسة، وهُجّرَ أكثر من  من 400000 أرضهم. في ذلك الحين ترك من كان يقع على عاتقهم حماية الإيزيدين في شنكال أماكنهم وفتحوا الطريق أمام احتلالها وكانت هذه بمثابة خيانة للتخلص من الإيزيدين وتهجيرهم وإفراغ المنطقة من أهلها الحقيقيين، ولكن كان هناك من وضع على عاتقه الدفاع عن القيم والمبادئ والأخلاق، حزب العمال الكردستاني هو الذي تكفل بالتدخل ووقف هذه المجزرة، حيث تكفلوا بالدفاع عن الإيزيدين وترابهم المقدس، فكانوا السباقين لنجدة الشنكاليين والتصدي لفلول مرتزقة داعش، وحملوا أرواحهم على أكتافهم، وبالفعل نجحوا وانتصروا، ووقفوا إلى جانب أهالي شنكال في تشكيل وحدات حماية تدافع عنهم كيلا يتعرضوا لفرمان جديد فكان تشكيل وحدات حماية شنكال التي كانت ولازالت تدافع عن قيم الإيزيديين.
من تخلى عن شنكال لا يحق له إدارتها
 وفي أواخر العام 2015 تم إقرار تحرير شنكال من مرتزقة داعش وجاءت بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستان وبعد تحريرها من داعش، لتتدخل في شنكال بهدف السيطرة عليها وكسر إرادة الأيزيديين، إلى أن جاء الاستفتاء وما تلاها من أحداث سيطرت بموجبها الحكومة العراقية والحشد الشعبي على الكثير من المناطق المتنازع عليها، كشنكال وكركوك وخانقين ومخمور وغيرها، وبعد الهزيمة النكراء التي ألحقت بداعش واستتباب الأمن والاستقرار نوعاً ما، كان قرار حزب العمال الكردستاني الانسحاب في آذار 1918، وبخاصة أن دولة الاحتلال التركية اتخذت من وجودها حجة للتدخل في شؤون شنكال، واحتلال المدن والمناطق الكردستانية.
وهناك دراسات تاريخية تقول بأن الدولة العثمانية وفي منتصف القرن الثامن عشر وضعت خطة للقضاء على الإيزيديين في شنكال وتشتيتهم وإجبارهم على الهجرة من مناطقهم، ومن أهم هذه الخطط تنظيم حملات إبادة واسعة ضدهم، والتدخل العسكري لاحتلال مدنهم وقراهم، وإرسال بعض شيوخ الدين وتبشريين كي يغيروا من ديانتهم التي تربوا عليها، وتحويل مراقدهم ومزاراتهم إلى مدارس عثمانية، وكل ذلك الهدف منه إحداث التغيير الديمغرافي في تلك المناطق من خلال المجيء بالعرب وغيرهم وإسكانهم هناك، واغرائهم بالمال ومنحهم الهبات والأراضي وبيوت الإيزيديين، وكانت السلطنة العثمانية تعتبرهم كفرة ومرتدين عن الدين الإسلامي، لذلك كان يجب قتلهم وتصفيتهم ونهب أموالهم وسمحت بارتكاب المجازر والفرمانات بحقهم. وهذه السياسة أدت إلى تعرض الإيزيديين إلى العزلة الكاملة عن محيطهم، كما أدى إلى حرمانهم من الكثير من الامتيازات حيث تعامل العثمانيون معهم على أنهم خدم وكفرة لا يحق لهم العيش، واستمرت هذه الحالة حتى سقوط الدولة العثمانية وانهيارها بعد الحرب العالمية الأولى.
لا تزال تلك السياسة القمعية والديكتاتورية مستمرة، حيث لم تتغير نظرة الدولة التركية المحتلة إلى شعوب المنطقة ككل، وإلى الإيزيديين بشكل خاص، وعلى العكس تماماً فتركيا تفضل التعامل مع الإرهابيين وبقائهم على التعامل مع الأيزيديين، وعندما تصدى حزب العمال الكردستاني لإرهاب داعش في شنكال وحررتها من رجسهم، حاولت تركيا غير مرة التصعيد والتهديد للقيام بعملية عسكرية في شنكال، وهي قامت بعمليات اغتيال للكثير من القيادات التي حررت شنكال، وقصفت أماكن كثيرة ليتم إفراغ المنطقة من أهلها.
التدخل التركي بشكل صريح لتوقيع الاتفاق
 لهذا كان الدور التركي هو الأبرز الذي دفع باتجاه توقيع تلك الاتفاقية التي تركت العديد من إشارات الاستفهام حولها، وما يؤكد ذلك هو إعلانها كأول دولة تعترف بها، وتصريح السفير التركي في بغداذ فاتح يلدز لا يترك مجالاً للشك بأن اليد التركية هي التي ساهمت بتوقيع تلك الاتفاقية، حيث قال: (الاتفاق يهدف بالدرجة الأولى إلى إخراج القوات الإرهابية من شنكال، في إشارة لحزب العمال الكردستاني، والاستعداد للتعاون مع بغداد لعقد اتفاقات مماثلة في شمالي العراق)، وتركيا لها المصلحة الكبرى من توقيع مثل هكذا اتفاقية، وهناك جملة من الأهداف تحاول تركيا تحقيقها عبر هذا الاتفاق، ومن أهمها: إبعاد الإدارة المدنية في شنكال عن لعب أي دور في مستقبل شنكال، تفكيك القوات المدافعة عن شنكال كوحدات حماية شنكال التي تدعي تركيا بأنها مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، إبقاء المنطقة ساحة مفتوحة أمام تركيا وتدخلاتها لتكون جسر الربط بينها وبين مناطق تواجد التركمان، زيادة النفوذ التركي هناك وبخاصة أن إيران تتمدد في المناطق المجاورة لشنكال كالموصل ومناطق باشور كردستان، إقامة المزيد من القواعد العسكرية وبخاصة في شنكال لتكون على أهبة الاستعداد للتدخل بشكل مباشر في أي طارئ قد يحدث، لا سيما أن هناك قاعدة تركية كبيرة في بعشيقة المجاورة لها، قطع الطريق على تواصل الإدارة الذاتية في شنكال مع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وإحداث إدارة جديدة توالي تركيا وتعادي تلك الإدارة. هذه الأسباب وغيرها هي التي أدت إلى التدخل التركي بشكل صريح لتوقيع الاتفاق، ولتكون هي من شجعت وساهمت ووضعت بنودها، وهي تسعى لتطبيق مثل هذا الاتفاق في أماكن أخرى حسب تصريح المسؤولين الأتراك.
إرادة أهالي شنكال فوق كل اعتبار
لا يوجد أوجه مضيئة ضمن بنود الاتفاق لأنها تسعى لتهميش وإقصاء أهالي شنكال عن إدارة أنفسهم، وتحاول تسليم شنكال لإرادة الغير لتكون مرتهنة لقرارات الآخرين، وهي محاولة لكسر إرادة الشنكاليين الذين دافعوا عن أرضهم وإدارتهم بكل بسالة، والآن عندما يتدخل الآخرون بشؤون شنكال وهم من تركوهم لمصيرهم إبان هجوم داعش، هذا ما يترك أسئلة كثيرة حول هذا الاتفاق الذي يتحدى إرادة شنكال وأهلها، هنا لا بد من طرح العديد من الأسئلة، لماذا تم تهميش وإقصاء دور المؤسسات القائمة في شنكال من المشاركة في توقيع الاتفاق وهم المعنيون بها؟ ولماذا تم استبعاد وحدات حماية شنكال والقوى الأمنية التي تدافع وتحافظ على الأمن هناك عن المشاركة؟ وماذا بخصوص الحشد الشعبي الذين أتوا بهم؟ ماذا عن موقف إيران التي لها جماعات مسلّحة هناك؟ ماذا عن الدور الحقيقي لتركيا في هذا الاتفاق في ظل التصريحات التركية التي نشهدها بين الحين والآخر؟ وهذه الأسئلة جميعها تنتظر الرد، وهناك أمر خطير جداً هو كيف ستكون النتائج في ظل رفض الشنكاليين للاتفاق في ظل إصرار حكومتي بغداد وأربيل على تنفيذ الاتفاق دون إشراك أهالي شنكال في تقرير مصيرهم؟ وجميع هذه الأسئلة لابد أن تكون لها إجابات منطقية وشافية مع الأخذ بعين الاعتبار تأثير الدول الإقليمية وعلى رأسها تركيا، وأيضاً هناك دور أمريكي فعال باتجاه تطبيق بنود الاتفاق، والأيام القادمة سترد على الكثير من الأسئلة التي بقيت دون أجوبة، مع العلم أن أهالي شنكال مصرون على البقاء خارج الحسابات المحلية والإقليمية، لذلك هم أدرى بحلّ قضاياهم وعلى الجميع أخذ ذلك بعين الاعتبار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.