سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

طاهية مخيم سري كانيه: “لا بُدَّ للأرض أن تعود لأصحابها ولو بعد حين”

تبتسم طاهية مخيم “سري كانيه” لوهلةً وتحاول أن تعود بذاكرتها إلى اللحظات التي سبقت هجوم المحتل التركي قبل عام، حين كانت منهمكةً بتدبير أمور منزلها استعداداً لاستقبال الشتاء، وتؤكد بأن الحياة كانت هانئةً في مدينتها قبل احتلالها.
دفع الهجوم الذي شنّه الاحتلال التركي بمشاركة مرتزقة ما يسمى بالجيش الوطني السوري في التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر من العام الفائت على سري كانيه/ رأس العين وتل أبيض/ كري سبي إلى تهجير نحو /250/ ألف شخص، وفقاً لبيانات منظمات حقوقية.
في ظروف إنسانية واقتصادية صعبة، تعمل فاطمة محمد (40 عاماً)، في مطبخ بمخيم يعيش فيه آلاف المهجرين من سري كانيه/ رأس العين، في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا.
“القصف كان وحشياً”
تذكر فاطمة لوكالة “نورث برس” بأن الهجوم على المدينة كان مفاجئاً رغم التهديدات شبه اليومية التي كان يطلقها “أردوغان” عبر وسائل الإعلام بشنِّ هجومٍ على المنطقة.
وتضيف فاطمة، وهي أمٌّ لستة أطفال: “لقد كنت أنظّف المنزل تحضيراً للشتاء. شاهدت في الصباح طائرتين تحلّقان في سماء المدينة، في البدء ظننت أنهما مألوفتان، لكني قلت لاحقاً لجارتي إن هاتين الطائرتين تبدوان غريبتين، يبدو أنهما تابعتان لتركيا”.
“وبعد ذلك بساعات بدأ القصف التركي على المدينة وبدأ دويّ أصوات القصف يطغى على هدوء المدينة. في هذه الأثناء كان السكان قد بدؤوا بالفرار تاركين وراءهم كل شيء” على حد تعبيرها.
تقول فاطمة إن زوجها لم يكن في المنزل حينها، ما دفعها للدخول إلى المنزل وإقفال الباب على نفسها وأطفالها بسبب الذعر الذي انتابهم.
وتابعت: “بقينا محبوسين حتى ساعات المغيب، حينها كان أكثر من نصف سكان المدينة قد نزحوا، اتصلت بزوجي لكن لم يكن بوسعه إخراجنا من المدينة، فاضطررنا لمغادرة المنزل بسرعة تاركين كلَّ شيء خلفنا”.
وأضافت أن القصف كان وحشياً، وأن معظم السكان، وخاصةً المسنين والأطفال، كانوا فزعين جداً، وأردفت حيال ذلك: “حيث طغت أعمدة الدخان والصرخات على المدينة التي كانت هادئة قبل لحظات”.
وتتحدث فاطمة عن خلّو المدينة من معظم سكانها، وتقول إنها كانت تبكي بفزعٍ حين كان دويُّ القصف يطرق أذنيها.
وأشارت: “في نهاية المطاف خرجنا. رأيت بعض المدنيين في الشوارع، بينما كان هناك مقاتلون من قوات سوريا الديمقراطية يتمركزون في الخنادق وفي مواقع داخل المدينة للدفاع عنها”.
وأثناء رحلة النزوح القسري إلى مدينة الحسكة، شاهدت فاطمة عائلات كانت تفترش الطرقات والعراء وأخرى تنام بين الأراضي الزراعية، بحسب تعبيرها.
وزادت: “بينما كان آخرون يقفون مدهوشين وهم يراقبون مدينتهم التي تلوح من بعيد وهي تتلقى القذائف دون أن يكون في يدهم حيلة لإنقاذها، فكانت لحظات عصيبة”.
في مدينة الحسكة، لجأت فاطمة وأطفالها إلى مدرسة كانت قد جُهِّزت على عجلٍ لإيواء المهجرين قسراً، لكن زوجها الذي بقي في المدينة وانضمَّ إلى المدافعين عنها، لم يغب عن تفكيرها.
لفتت فاطمة: “مضت ستة أيام دون أن نسمع عنه شيئاً، كنّا نعتقد أنه قد فارق الحياة، كانت أياماً كالحة”.
“عائلات المرتزقة تقطن دارنا”
وعلمت العائلة من بعض جيرانها الذين عادوا إلى المدينة، أن المرتزقة التابعة للاحتلال التركي سرقت جميع محتويات منزلها، وختموه بالشمع الأحمر ومنعوا أيّ شخصٍ من الاقتراب منه، وقالوا إنه باتَ مِلكاً لهم.
أكدت فاطمة حول ما جرى لمنزلها قائلةً: “الآن، ووفقاً للمعلومات التي حصلنا عليها، فإن عائلات المرتزقة هي من تقطن دارنا”.
ومضت فاطمة في حديثها وهي تعدُّ الطعام: “إحدى جاراتي حاولت إخراج أغراضها، لكن المرتزقة منعوها من إخراج أيّ شيء وقالوا لها إن محتويات المنازل أصبحت لهم، وطردوها من المدينة”.
وإلى جانب عائلة فاطمة، تقطن نحو /700/ عائلة أخرى في مخيم “سري كانيه” الذي أنشأته الإدارة الذاتية مؤخراً في حي الطلائع شرقي مدينة الحسكة.
ويعيش معظم المهجرين قسراً في المخيمات ومراكز الإيواء بعد أن تقطعت بهم السبل وعجزوا عن استئجار منازل في ظل الوضع الاقتصادي السيئ، بينما لا يزال احتمال العودة مجهولاً.
وأشارت فاطمة بحزنٍ إلى إحدى الخيم: “أحد جيراننا توفي إثر سكتة قلبية من شدة حزنه بعد تردي الأوضاع في المخيمات”.
تتوقف الأم الأربعينية فاطمة محمد قليلاً عن الحديث لتنظر إلى طفلها ذي السنوات الستة، وتقول: “نؤمن بالعودة مجدداً للعيش في كنف مدينتنا التي ترعرعنا فيها، فلا بُدَّ للأرض أن تعود لأصحابها ولو بعد حين”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.