سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

مزمار الحي لا يُطرِب… عمر حمدي مالفا نموذجاً

إعداد/ دجوار آغا –

لست أدري لماذا نحن شعوب الشرق الأوسط عامة؛ والشعب الكردي على وجه الخصوص لا نتذكر عظماءنا إلا بعد رحيلهم؟ فكم من مبدع وعظيم في مجالات الحياة المختلفة الفنون والآداب والعلوم بأنواعها (الرسم – الغناء – المسرح – الفن التشكيلي – الإخراج – الكتابة – الشعر – الرواية – البحث العلمي – التاريخ – اللغة…). يتكرر الشعور ذاته حالما نسمع بوفاة شخصية اعتبارية ما، كأن الخيبة تتملكنا بأن مقدار الحزن والتأثر لن يبلغ ما يكفي هذه الشخصية حقها, لا سيما في بلادنا التي تفقد يوميًا أعدادًا متزايدة من الشهداء والضحايا العظماء في اليوم الواحد.
البارحة مرت الذكرى السنوية الخامسة لرحيل أحد عمالقة الفن التشكيلي في العالم؛  الفنان التشكيلي الكردي السوري عمر حمدي مالفا، هذا الفنان العظيم والمتألق الذي سجل اسمه في قاموس الفن العالمي على مر العصور، وهو الكردي الوحيد والقادم من الشرق.
ولد الراحل الكبير في قرية تل نايف سنة 1951م الواقعة في ريف الحسكة في روج افاي كردستان, تلك القرية التي خرج منها الشاعر الكبير سيداي تيريج, عاش طفولة قاسية كسائر أبناء الشمال, وبعد الانتهاء من مراحل التعليم الابتدائية توجه إلى دمشق حاملاً معه آلام وآمال شعب يعيش غريباً على أرضه, محروم من أبسط مقومات الحياة, ورغم ذلك متمسك بأرضه, يُعاني نزيفاً داخلياً وهو صامت, صابر يعبر من خلال ريشته عن هذا السر الأبدي للحياة، سر لا يمكن الوصول إليه بدون أن تمنحه كل ما عندك.
لدى وصوله دمشق, حاول أن يعرض لوحاته في معارض وصالات الفن التشكيلي، لكنه لم يلقَ تجاوباً من القائمين على المعارض فقام بإحراق لوحاته في أحد أحياء دمشق.
يتحدث مالفا عن بداياته الصعبة مسترسلاً في حديثه:
“اللون.. اللون.. كل شيء هو لون.. يولد مع فتحة العين، وينتهي في المكان الذي ولدت فيه”.
كتبت عنه الناقدة الألمانية سابينه شوتس: “نجح مالفا في البقاء خارج سرب الإطار الحداثي للفن الأوروبي، مكتفيًا ببوح غنائي يعكس معاناته الداخلية، وإرثه المحلي. وهو ينهل من ذخيرة فنية وحياتية واسعة التنوع، ومنفتحة على منعطفات تجريبية وتفسيرات فردية، لا تبرح تتخلل أعماله في جميع ثناياها”.
رحل موسيقار اللون، كما سمّته بعض الصحف التشكيلية، بعد أن كتب على موقعه الرسمي العبارات التالية: “خمسون سنةً من التفرّغ، وأنا أحمل في داخلي قصةَ شعبٍ، قصةَ بحثٍ عن سر اللون وقدسيّة التفاصيل، في زمن يحكمه النفاق بدلًا من العدالة؛ أحمل ملامح أطفالي وذاكرة جسدي في جواز سفر مزوَّر من مكان إلى آخر في هذا العالم. لم أملك سوى المنفى في لوحتي، لغةً أو وطنًا يرسم مكان موتي.. خمسون سنةً وأنا ما زلت هذا المتأمّل الفاحش بصمتٍ لجسد الإنسان والشجر والصخر، أكتب رسائلي إلى ساحات القتل وأقبية الاستبداد… أجلس بجانب امرأة أحبها تشبه الشمس، وأنتظر”.
وهكذا في الثامن عشر من تشرين الأول عام 2015م وبعد صراع مرير مع مرض عضال ترجل الفارس المغوارعن صهوة جواده في المنفى ودفن في فيينا التي عشقها وقضى معظم حياته فيها. ترجل سفير اللون بقوسه وقزحه دون أيّ ضجيج، ترجل مالفا الذي أبى إلاّ أن يقول كلمته، وإن صمتاً، بأن عالمنا لم يعد يكفيه، ولهذا حمل ريشته وألوانه وقماشه الأبيض إلى عالم آخر قد يجد ضالته فيه أكثر.
أقيمت له معارض فردية في بيروت وأربيل وجدة وفلوريدا ودبي وفيينا ونيويورك وباريس وبيرلي. كما شارك في معارض جماعية في نيويورك وطهران وبولندا وفيينا والقاهرة والعديد من المدن الأوروبية والعربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.