سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

سحر عودة؛ تجليات شعريّة في حضرة غياب الشعر النسائي

حاورها/ آزاد كردي –

روناهي/ منبج: حملت الشاعرة سحر عودة جماليات البيئة الجبلية الملتصقة بطبيعة البحر، فنهلت غيض من فيض من ذلك الجمال وعكسته على أدبها لِتُقدّم عبره؛ هموم المرأة وانعكاسات عصرنا الراهن على حياتها الإنسانية والعاطفية.
عصفت بها الأيام كي ترسوا بها في منبج؛ فتبادلتا الهوى معاً، فجعلت منها شخصًا تتراقص معه الكلمات إبداعًا وألقاً بين يديها. ورسمت رغم حداثة تجربتها الشعرية عذابات الوطن ومعاناة المرأة وجراحات ذاتها الفردية، فنطقت وأبدعت وكتبت فأطربت. وبهذا الصدد أجرت صحيفتنا “روناهي” حواراً مع الشاعرة؛ سحر عودة لتحدثنا عن تجربتها مع الشعر.
ـ في البداية، نُرحِّب بكِ في صحيفتنا “روناهي”، وهل بالإمكان أن تُعرّفي القرّاء على الشاعرة سحر عودة؟
بدايةً، يسعدني ويشرفني أن ينضم اسمي إلى قائمة المثقفين والمثقفات الراقيين المنضمين والمشاركين في صحيفتكم الكريمة؛ ممن تحاولون إلقاء الضوء على أسمائهم وحياتهم الإبداعية. بينما أنا سحر عودة من مواليد عام 1990م ومسقط رأسي قرية تير معله؛ التابعة لمدينة حمص العدية التي أعشق ترابها وأفتخر بانتمائي لها، فهي مزيج للوحة فنية ربانية، أبدع الخالق في تشكيل جمال جغرافيتها. أما بالنسبة لكلمة شاعرة، فهي المراد وأتمنى أن أكون شاعرة كبيرة يفخر بي بلدي ويعلو اسمي مع عمالقة الشعراء.
ـ متى كانت بداياتك مع الشعر، ولِما كان اختيارك له؟
في بادئ الأمر كنت أظن أن الجميع لديهم حس مرهف لما يدور حولهم وتتوارد لهم خواطر شتى، كما يحدث معي لكن فيما بعد وفي سن العاشرة، تبيّن لي أني أمتلك موهبة خاصة بالشعر، يتمناها الكثيرون. بدأت أستشعر وأتعمق الأفكار، واتخذت الشعر كهواية راقية لأنها تفصح عن مكنونات الصدر والروح التي نبوح بها بطريقة أدبية سلسة نبهر بها من حولنا أحياناً. كنت في صغري أكتب قصائد مدح لأمي بُعيدها، ولمعلمي أيضاً. وأشارك في مسابقات صغيرة على صعيد المدرسة والحي، وأُطلِعُ أخي على كتاباتي الذي شد على يدي هو وعائلتي معاً. وبدأ أخي ينشر لي قصائداً وقصصاً صغيرة بزاوية لإحدى الجرائد للهواة الأمر شجعني وشحن روحي بالإيجابية؛ لأُقدِم أكثر حتى تفخر بي عائلتي.
كيف تجعلني أهبط
ثم تجعلني أعلو
ثم أتلاشى
أنا بحة النايات في ليل الأرق
أنا مُتجذرة الشغف
تهيأ يا وطني لأهبك جذوري
ـ هناك علامة فارقة تتضح في مشاركتك الشعرية ولا سيما في عهد الإدارة المدنيّة، فهل تتحدثين عن هذه التجربة؟
لطالما أحببت أن أكتب عن الحب  لما يَكِنُّ من مشاعر فائضة، فالحب في كل حالاته؛ عبارة عن مزيج من المشاعر تشجع الشاعر على الكتابة في حالات الوجد ، والنأي، والشوق، والعذاب، والغيرة، كلها مواضيع تعنيني وتستهويني وأبرع بالكتابة عنها. لدي أيضاً شغف بالكتابة عن وطني الجريح الذي شهدت على جرحه، فلم ولن تمضي هذه الأحداث مرور الكرام، دون تدوين أرقى وأبهى الصور وأعذبها وأدفئها.
كنت حينئذٍ في العشرين من عمري، عندما تزوجت وانتقلت إلى مدينة منبج، نعم أنها منبج أم الشعراء العظماء من أمثال؛ الوليد بن عبادة” البحتري”، و”دوقلة المنبجي”، و”عمر أبو ريشة”. كنت أقرأ في السابق أن منبج جزء من دولة الحمدانيين في عهد الأمير سيف الدولة وابن عمه الشاعر الكبير المشهور” أبو فراس الحمداني”، وقد وجدت نفسي الآن أكثر في منبج على صعيد الشعر؛ لأنها متشربة من عمالقة الشعراء، احتذي بهم وأشم عبقهم بترابها.
وبالطبع، مرَّ وقت طويل، وأنا أكتب الشعر الغزلي والوطني، وكل ما يخص الحياة إلا أني كنت أنشر القليل القليل. وأحتفظ بالكثير لنفسي وبمكتبتي المتواضعة، لكن في عهد الإدارة المدنية في منبج، أصبح للمرأة صوتاً يضاهي السماء وكأنما أعطتنا قوة لكسر حاجز الصمت والخوف والاضطهاد الذي كانت المرأة تعيش في ظله، لذا لم آبه صعود الجبال وقررت أن يكون للمرأة الشاعرة دوراً في هذه المدينة المنفتحة. فالكتابة والأدب، ككل هي عصارة الفكر والوجدان وقيمة نتاج كل من الرجل والمرأة معاً.
في الصباحات.. أسمعك شجناً
في صوت فيروز
أتوضأ بالحنين إليك
فأصبح فراشة على حافة الضوء
ـ كيف ترينَ مستقبل الشعر النسائي في منبج، وما الذي يمنع من ظهور شاعرات قديرات، وما الذي تحتاج حتى تبرز شعرياً؟
إن الشعر يكمن في مدى ملامسته لتلافيف النفس والوجدان وللواقع الذي نعيش فيه، ربما الفرق الوحيد في طريقة تناول كل منهما لقضايا الجنس الذي ينتمي إليه، انطلاقاً من كون المرأة أدرى بما تعانيه المرأة، وكذلك الأمر بالنسبة للرجل، إذاً الأدب والشعر ليس أنثوي أو ذكوري، فهو أدب وإبداع سواء نُسج على أوتار شعور فكر امرأة أو رجل، ربما فقط الذي يميز أحدهما عن الآخر الجودة المتمثلة بالصدق والتعبير.
أما الشق الثاني من سؤالك، فلا شك هناك نساء موهوبات مازلن يقبعن خلف الكواليس. أقول لهن بأن الشعر ليس حكراً على الرجال، فلتخرجن من صمتكن، فنحن بحاجة إلى أحاسيس صادقة ومواهب جديدة، فالمرأة تستطيع أن تتطرق لكافة المواضيع، كما الرجل تماماً. فإذا كانت مثقفة وقارئة ومرهفة الحس وتملك الأدوات الفنية التي تُعينها على التعبير عن مشاعرها وأفكارها، تكون متواضعة، تتقبل النقد، هذه صفات المرأة الشاعرة التي نحتاجها وبشدة، إذاً آن للظلام أن ينتهي…  وآن للقيد أن ينكسر.
ـ ما الذي يُلفت اهتمام سحر عودة بالشعر دون غيره، وبمن تأثرت من الشعراء أو الشاعرات؟
أعود لأتكلم عن نفسي وعن شعري الذي أعتبره بأنه يُكمِلني، وهذا ما جعلني أنميه دون عن غيره من الهوايات الباقية؛ كالرسم مثلاً. لأني في جميع حالاتي الفرح، والحزن، والأسى، والوحدة، والشوق، ألجأ فقط للورقة والقلم وأدوّن مشاعري. دائماً يطرح عليَّ نفس السؤال وبنفس الصيغة، كيف تستطيعين أن تكتبي قصيدة أو تبدئي بها؟ أنا عندما أكتب، لا يمكنني أن أجلس وأهيأ الورقة والقلم، وأقول لنفسي؛ الآن سوف أكتب قصيدة؛ بمعنى أني لا أتعمد كتابة القصيدة أصلاً، أنا أكتب لأن القصيدة تأتي؛ كالوحي على هيئة أفكار، وعندما يأتي الوحي أهرع مسرعة لأدوّن ما يمليه عليّ بحسب حالتي ومزاجي، قد يكون هناك حدث أو مشهد أو أمر ما أثر أو يؤثر بي ويحرك إحساسي، قد يكون هذا الأمر صباحاً أو ليلاً أو خلال النهار، عندها فقط أبوح بما يجول بصدري. فالشعر- كما قلت- بوح وتعبير عن مكنونات ومشاعر بداخلنا وصياغة أفكار بصورة فنية جميلة وراقية.
أما الشق الثاني من سؤالك، لقد تأثرت في كتاباتي بالشاعر العملاق؛ نزار قباني الذي اتخذه قدوة في عالم الشعر والكلمة، وخاصة في الكتابة عن الحب والمرأة لما أظهره من براعة ورصانة في هذا المجال. أيضاً أنا من عشاق محمود درويش وبدر شاكر السياب، تأثرت بهم جميعاً. وحالياً هناك للشاعر المنبجي الكبير أحمد اليوسف دور هام وفعال في مسيرتي الشعرية، خصوصاً بالسنوات الأخيرة وأفتخر بهذا الإنسان الواعي المثقف واتخذه قدوة حسنة في حياتي الأدبية.
ـ ما هي المواضيع التي تستهوي سحر عودة، وأي شكل من أشكال الشعر تُفضل؟
أنا أفضل الشعر؛ الغني بالتعابير المزاجية والعبارات الرقيقة والمفردات والأبيات التي تُشعر القارئ بالمتعة وبموسيقا معينة عند قراءته أو سماعه، ويعالج فكره بصورة فنية معينة. إذ أنه لا يهمني كثيراً إذا كان الشعر عمودياً أو نثرياً أو غير ذلك، برأيي لا يمكن أن نحدد للشاعر أي طريقة عليه أن يبوح عن مشاعره وأفكاره. أعتقد أني بالشعر برعت وأتقنت الكتابة عن كل شيء إلا أن بلدي الجريح سوريا لم أعطها حقها، فهي أمي الثكلى التي لا أجد في كل لغات العالم ما يصف شعوري نحوها، وما يعبر عن انتمائي إليها، هي الروح والنبض والحب السامي الباقي اللا متناهي.
صامدةٌ فيك يا وطني
كنهود صبية
صامدةٌ فيك
ومن في الأرض إذا ثاروا
ستهد حصون الهمجية
في جوفي آهات الأيتام
نزيف جريح
خلف التل ينادي
يخترق كياني وفؤادي
يصرخ والآه تنازعه
هل غاب رجال الحرية
ـ ماذا تخططين لِلمستقبل في الجانب الأدبي؟
كنت أكتب القصص القصيرة لكن مع الوقت والتقدم في العمر أستهويتُ القراءة أكثر وأصبحت من رواد المكتبة بشكل دائم، وزادت خبرتي وشعرت بأن لدي مخزون أدبي جيد يؤهلني لكتابة رواية أو تأليف كتاب خاص. ولا أخفيكم أمراً بأن هناك مشروع رواية على وشك الانتهاء منها، أعمل عليها حالياً إذ أنها كانت وليدة تناغم ما بين مشاعري وأحاسيسي مع الشعر والكتابة. هي الآن في مرحلة التنقيح والتدقيق الأدبي. وأظن أن هذا الأمر سيكون نقلة مهمة في حياتي الأدبية. فالرواية بعنوان” هجرت النوم لعينيك” راقت لي كثيراً، وأتمنى أن تنال إعجابكم عندما تنشر وتَطّلِعوا على مضمونها ومحتواها.
ـ ما الرسالة التي توجهها سحر عودة لقرّاء الشعر النسائي؟
أخيراً وليس آخراً أقول، يجب علينا أن ندرك حقيقة، وهي أن العمر رحلة طويلة كانت أم قصيرة فعلينا التنزه في ربوعه بأزاهير وورود المحبة والعفوية والبساطة. ما أجمل المرأة عندما تبرع في مجال الشعر وتتغنى بحدائق العمر وتتمشى باختيال وعز في ربيع الحياة. أعود وأحث المرأة بالمطالعة الزائدة لترتقي بالمجتمع ويرتقي مجتمعها بها.
يا حلوة بلدي لا تبكي
فدموعك بلدان تسقي
عن عشق بلادك فلتحكي
كي تبقى الفرحة أبديّة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.