سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

استغلال الطب الشعبي فهل من حسيب؟!

تقرير/ غزال العمر –

روناهي/ جل آغا ـ يبقى للطب الشعبي أثره على المواطنين في مناطقنا، ولكن هناك من يتاجر بهذا الاسم ويظهر بأنه يمارس الطب التقليدي أو البديل والحقيقة هي عكس ذلك تماماً، وخاصةً في الأرياف، فهل تدرك الجهات المعنية بمناطقنا مدى خطورة ما يفعلونه؟
الطب التقليدي (الشعبي) هو مجموعة المعارف والمهارات والممارسات القائمة على النظريات والمعتقدات والخبرات الأصيلة التي تمتلكها مختلف الثقافات والتي تُستخدم، سواءً أمكن العلم تفسيرها أو لا، للحفاظ على الصحة والوقاية من الأمراض الجسدية والنفسية أو تشخيصها أو علاجها أو تحسين أحوال المصابين بها، ولكن الكثير من الأشخاص استغلوا هذا الطب ليحرفوه عن مساره عن جهل معرضين حياة الكثيرين للخطر.
الطب التكميلي/ البديل
يُشار إلى الطب التقليدي (الشعبي)، في بعض البلدان، بمصطلح “الطب البديل” أو “الطب التكميلي”. ويشير هذان المصطلحان إلى مجموعة من ممارسات الرعاية الصحية التي لا تدخل ضمن تقاليد البلد ولا تندرج ضمن نظام الرعاية الصحية الرئيسي.
في أرياف جل آغا بإقليم الجزيرة هناك من يمارس تحت عباءة الطب الشعبي أمور تختلف في بعضها عن الطب الشعبي وبدون حسيب أو رقيب؟! ومنهم الحجة “ف- ط” ذات السبعين عاماً، من أهالي ريف جل آغا، والتي تمارس هذا الأمر منذ أربعين سنة.
حيث تقول: “أفحص الطفل قبل البدء بالعلاج”، هكذا عبرت عن خطوات علاجها للأطفال الذين يأتون بهم أهاليهم من كلّ حدب وصوب حسب تعبيرها. “منهم من يكون مُصاباً بالعين “الحسد” ومنهم من يعاني أهله من بكائه المتواصل”.
تتحدث الحجة عن طريقة تشخيصها للحالات المرضية التي تأتيها، فتارةً تسكب الرصاص؛ لأنّ الطفل يعاني من حسدٍ أو نظرة عين، وتذكر أنه قد يكون سبب البكاء خلعٌ فتطببه عن طريق غسله بماء دافئ وصابون، ودهنه بالزيت، وتتابع قائلةً: “أقوم بوصف العسل مع حبة البركة وبعض الأعشاب في بعض الحالات”.
طب شعبي أم عادات بالية؟
وتذكر الحجة بخصوص الحالات الصعبة: “هناك حالات مستعصية تحتاج فيها إلى الكي بالنار أو لف الطفل بسبع أغطية ليتعرق ويخرج منه المرض!”.
وعن كيفية الكي بالنار الذي نهى عنه الأطباء وكذلك الأديان، أوضحت بأنّ الكي بالنار العلاج الحاسم لبعض الحالات التي تعاني من النفخة واليرقان (أبو صفار)، بالمفهوم العامي؛ حيث تجرح الأذنين والجبين والرأس، والبطن بلكعات صغيرة وحارة وسريعة، وبذلك يخرج الألم والداء من جسم الطفل، حسب قولها.
أما عن لف الأطفال بسبع أغطية سواءً بالصيف أو بالشتاء ولمدة تتراوح بين أربع وخمس ساعات! فقد أكدت بأنّ هذه خطوة ضرورية تتبعها في علاج مرضاها، وأكدت: “من خرج من تحت هذه الأغطية فقد نفذ من المرض، وإلا فالموت مصيره لأنّ لا أمل من شفائه”!!
دواء حار وحارق!
تصنع الحجة خلطة دوائية على يدها وتدهن به الطفل قبل لفه، هذا الدواء يكون حاراً وحارقاً ولكنها تبرر أنه شديد النفع، ولم تصرح بمكوناته حفاظاً على أسرار مهنتها!
ووضحت مكونات تستخدمها بحالات أخرى، وأضافت مثلاً: “أستعين بجبنة من حليب العنزة السوداء وحبة البركة، ومواد أخرى لصنع لصقات طبية أضعها على رأس الطفل لتسحب الألم”.
مشيرةً إلى أن هذا لعلاج طفل يعاني من مرض تسميه “أختو”. وأردفت: “فكم من طفل يشتد صراخه بشكل غير مبرر لأن معه أختو أي (مس شيطاني من الأرض)، مما يقلق راحة الطفل وينغصه”.
هل تتحمل مسؤولية علاجها؟
وأخلت “ف – ط” مسؤوليتها لأهل جهلاء سلموها وأمثالها حياة أولادهم بقولها: “لا علاقة لي لا من قريب ولا من بعيد في حال توفي الطفل بين يدي نتيجة العلاج”!!!
كما والتقينا في السياق ذاته بأحد المراجعين “م- أ” ذي الأربعين عاماً الذي أحضر ابنه الصغير  والذي بدا مقتنعاً بإرثٍ موروث ومسلماً به بالمطلق حتى ولو كان خاطئاً؛ معبراً عن ذلك بقوله: “عالجتني أمي بهذه الطريقة الشعبية، وها أنا ذا لم أصب بشيء”.
ويسكب الرصاص الذائب فوق الأطفال نتيجة حدة العين التي أصابتهم بحسب أهاليهم، لتلم بأجساد بعضهم حروق قاسية بالخطأ أحياناً، ولكن لا ذنب لهؤلاء الأطفال سوى أنهم وجدوا بمحيط لا زال يؤمن بالكثير من الخرافات.
أطباء يطالبون بالمحاسبة
وبهذا الصدد توجهنا لأصحاب العلم والدراسة، ونقصد الأطباء، لعلنا نجد جواباً ناجعاً لهذه  الخُرافات والعمل تحت مسمى الطب البديل أو الشعبي.
“مفاهيم شعبية خاطئة وأعرافٌ بالية لا مكان لها في الطب”؛ هذا ما أجمع عليه نخبةٌ من الأطباء الذين استنكروا مثل هذا النوع من التعامل مع المرضى الذي يعد أقرب لمورثات سابقة، بحسب تعبيرهم.
كيف لم يستطع الزمن محو تلك الترهات رغم كلّ ما حققه الطب من إنجازات؟ هكذا يقول أحد الأطباء الذي فضل عدم ذكر اسمه، ولفت: “إن هذا الأمر معيب ونحن في أبواب الألفية الثالثة؛ فما أصعب أن نخسر حياة أطفال على أيدي هؤلاء الناس”.
وارتأى طبيب آخر بضرورة الحد من هذه الحالات من قبل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وخاصةً في الأرياف التي تعاني من تخلف في التفكير من خلال إنزال العقاب اللازم والقيام بحملات توعية لنشر الوعي بين الناس.
يتحدث هذا الطبيب بأنّه شاهد بعينه بعد قيامه بمعالجة إحدى الفتيات اللواتي، وحسب تعبير أهلها، كانت “تعاني من تعب إرهاق مستمر”، ليجدوا الحل الناجع عند إحدى النساء اللواتي يمارسن ما يرونه الطب البديل، وقد ثبت بعد فحصها للشابة بأنها تعاني من “وقوع صرتها” وبدأت تلك المرأة التي تسمى طبيبة بجلسات “العلاج” والضغط القاسي على بطن الفتاة مما سبب لها مشاكل واختلاطات ونزيف لا مبرر له وساءت حالة الفتاة.
واختتم الطبيب حديثه بنصح الأهل الذين يظنون بأنهم بذلك يوفرون المال والجهد على أنفسهم وأبنائهم، بأنهم مخطئون ويفاقمون المشاكل أكثر، مؤكداً بأن ما كان احتمال علاجه بيوم يتضاعف إلى أيام.
إن استغلال اسم الطب الشعبي من قبل الكثيرين قضية هامة يجب الوقوف عليها من قبل الجهات المعنية على الفور، لأن حياة الكثيرين في خطر وخاصةً الأطفال، نتيجة جهل الأهل وقناعاتهم بالاعتماد على أناس لا يفقهون الطب الشعبي، وهم ليسوا أكثر من أشخاص تعلموا القليل من الطب الشعبي وحرفوه عن مساره، والدليل الكثير من الطرق الخاطئة التي يستخدمونها، لذا من الضروري متابعة الموضوع ووضع حد لهؤلاء لأنهم يستهترون بحياة البشر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.