سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

عاملات القطن في الرقة يستقبلنَ موسم القطن بحماس

تقرير/ غزال العمر –

روناهي/ جل آغا ـ يبقى للريفيين طقوسهم الجميلة التي ترافق الزراعة؛ ففي هذا الشهر يبدأ الفلاحون بتجهيز أراضيهم لزراعة القطن من فلاحة وتنظيف خلال شهر نيسان؛ ليجنوا ثمرة تعبهم خلال أربعة أشهر من انتظار نمو القطن وسقايته والعناية به ودعمه بالسماد، وقد بدت علامات الفرح بادية على وجوههم؛ فالموسم يُبشر بالخير والدودة لم تنل منه هذا العام، والعاملات مستبشرات به خيراً.
تستعد النسوة لدخول حقول القطن وجمعه وذلك بالتجهيز الكامل والتأهب، فلا مجال للتهاون فالميزان جاهز لإعلان  نتيجة تعبهن النهائية مع غياب الشمس فعملهن بالكيلو.
الذهب الأبيض بين يَدي العاملات
استطعنا التواصل مع عاملات الذهب الأبيض؛ الذي نفتقده في منطقتنا بسبب قلة الموارد المائية وظروف الحرب؛ لنستعين بدرة الفرات الرقة التي تلبس حقولها ثوباً قطنياً ناصع البياض. لكن؛ كيف يقضين تلك العاملات يومهن الطويل هذا ما تعرفنا عليّه من خلال حديثنا معهن لتخبرنا العاملة سعاد المسهوج ابنة الخمسين سنة من أهالي مزرعة الرافقة التابعة لمدينة الرقة؛ بأنّها وبنتاها تنتظران موسم القطن في كلّ سنة، حيث يستعدنَ لاغتنام هذه الفرصة الموسمية.
وقالت سعاد: “الوقت الأفضل للإنتاج  بالنسبة لنا كعاملات؛  لجمع القطن هو في الساعات الأولى من الصباح. حيث تكون التيلة رطبة ومليئة بقطرات الندى التي تعطيها ثقلاً؛ فأوج النشاط يجب أنّ يكون في الساعات الأولى واغتنام الفرصة”.
وعبّرت سعاد عن حماسها للعمل مؤكدة بأنّ القطن ومردوده أفضل بالنسبة إليهن من بقية المواسم الزراعية؛ فهو يعتبر عملاً شخصياً حيث يرجع ذلك للعاملة وطاقتها فلا أحد يفرض عليّها العمل؛ لأنّ الناتج في آخر النهار لها.
متاعب عاملات القطن
أما العاملة فدوى المحمد ذات الخمسة والأربعين عاماً؛ تتحدث عن صعوبة عملهن قائلة: “ساعات الظهيرة صعبة جداً؛ حيث نضطر للنوم أحياناً تحت شُجيرات القطن لتحمينا من أشعة الشمس الحارقة”.
وتابعت: “بالرغم من صعوبة الظروف الجوية الحارة إلاّ أنّنا نستمتع بفترة الغداء الجماعي، والأحاديث المتبادلة على عجل؛ لنكملها بعد مباشرتنا للعمل ثانية. عملنا من ساعات الفجر الأولى إلى وقت الغروب”.
أما عن الأوزان التي يحققنها في أخر اليوم فتقول: “الأوزان غير ثابتة فلكل إنسان طاقة تختلف باختلاف ظروفه الجسدية والنفسية”.
وأضافت: “اليوم الذي أجمع فيه مئة كيلو ربما لا أصل لهذا الرقم في اليوم الثاني؛ كما أن جودة القطن تلعب دوراً في ذلك، فالموسم يختلف بين سنة وأخرى بحسب الظروف الجوية والأوبئة التي تصيبه من دودة وغيرها”. أما عن الأجرة وفيما إذا كانت مناسبة للتعب والمجهود المبذول تقول فدوى: “الكيلو بـ 75 ليرة سورية لكنه لا يتناسب مع غيابنا عن بيوتنا وتعبنا”.
وأشارت فدوى المحمد بأنّهن يقمن بحمل أكياس القطن المملوءة من وسط الحقل وبين عيدان القطن إلى الميزان؛ وهذا لوحده متعب فمن الصعب أن تحمل 30 كيلو مسافة لا تقل عن 70 متراً.
لحوش القطن أغانيه وجوِّه الخاص
ثم ما أن تكسر الشمس من حرارتها حتى يعود النشاط مع الأغاني الحماسية التي تشجعهن على متابعة العمل خاصة وأن النهار اقترب من النهاية وهذا ما تحدثت عنه سارة الخلف: “نبدأ بالرد على بعضنا في الأغاني الشعبية التي نرددها سوية وتبعث على الحماس كالموليا والعتابا واللالا؛ وهذا ما يعرف بالسجال”.
كأن تبدأ إحداهن مثلاً: “هذاك علي غرب أوف يمة غرب وعاف ديارو أوف يمة”.
أما علي اسم الشاويش صاحب الورشة الذي ينظم عملهن ويتعاقد لهن مع المزارعين ويضمن لهن حقوقهن في إعطائهن لأجرهن بعد الخلاص من جني القطن؛ والذي يرد مازحاً بعامية جميلة: “لا بالله ما غرب موجود اشتغلن”. لترد أخرى: “طابت نفسي ومعد أحوش وكلو من حكي الشاويش”. لترد أخرى: “يا حواشين القطن عاللالا حوش القطن بجراسو عميانة رماني وتفاحة وقليبي يحب الفلاحة”.
القطن ساحة للتواصل الاجتماعي
وفي هذه الفترة يتم تناول ومناقشة قضايا الورشة من أصغر عاملة لأكبرها وهذا ما عبّرت عنه سارة الخلف ذات الخامسة والعشرين عاماً قائلة: “إنّها ساعة العمل والفضفضة؛ حيث أصبحنا كعائلة واحدة؛ فنحن من قمنا بزراعة بذار القطن وتعشيبه وها نحن اليوم نقطفه”.
ونوهت سارة بأنّ القطن هذه السنة جيد عكس العام الفائت؛ حيث قضت ما تعرف بالدودة الشوكية عليّه؛ نتيجة فساد الأدوية التركية التي صدم الفلاحين بها.
ومن بعيد يأتي شباب الدحي  أو “الدحاية “حسب لهجة أهل المنطقة الذين يملؤون أكياس القطن الصغيرة التي تستعملها العاملات بشلول كبيرة ويقومون بخياطتها.
وأضافت سارة الخلف بأن إنتاج الدونم يكاد يصل لـ 500 كغ هذا العام مما ينعكس إيجاباً على العاملات والمزارع.
يحملون إبريق الشاي الذي صنعوه على النار؛ ليستلذوا به قبيل إفراغ العاملات لما بحوزتهن من قطن قبل الذهاب للبيت.
نقابة العمال والكادحين تضمن حقوق العمال
وأجمعت العاملات بأنّ أمورهن أصبحت أكثر تنظيماً بعد إحداث نقابة العمال والكادحين من قبل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا؛ التي ضمنت حقوق العامل؛ حيث يتم عقد رسمي بين المزارع والشاويش “رئيس الورشة” تحت رعاية النقابة التي تتدخل في حال امتنع صاحب الملكية عن سداد الأجور بالوقت المناسب.
النقابة فتحت أبوابها لأصحاب المهن ذات المجهود العضلي الكبير؛ علّها تستطيع إعطاء العامل بشكل عام والمرأة بشكل خاص الثقة بأنّ عملها تتبناه جهة رسمية فلا مجال لاستغلال تعبها لا من أصحاب الورش ولا من قبل المزارعين، وحقوقهن مضمونة.
هكذا عبّرت العاملات عن رأيهن باستحداث نقابة للعمال والكادحين. ومع أصوات أغانيهن الجميلة أوشك الغروب أن يخيم؛ ليودعن الحقل حالمات بوزن أكثر من الذي حققنه في هذا اليوم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.