سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

إدلب في طريقها للنظام … فصائل المعارضة المسلحة مرتزقة تحت الطلب

دارا مرادا –
لم تكن تركيا جادة في دعم أيّ فصيل من الفصائل المسلحة, إلا في درجة محدودة تحافظ على أمنها القوميّ, وتمنع الكرد من تشكيلِ كيانٍ فيدراليّ يضم جميع مكونات الشمال السوري ,وشجعت الفصائل التي تبنتها في تدمير المصانع والورشات المتوسطة في مدينة حلب التي كانت تعتبر العاصمة الاقتصادية ليس لسوريا بل للشرق الاوسط , لضمان أن سوريا ما بعد الأزمة ستكون سوقاً للمنتجات التركية , ومشاركتها لإيران وروسيا في لقاءات أستانا هو استكمال لما هو مخطط في الأجندات التركية.
مع اشتداد القصف الذي تنفذه المقاتلات الروسيّة والسوريّة في بلدات ومدن محافظة إدلب, وحشد القوات السوريّة لبدء معركة إدلب التي تحرص تركيا ألا يغادر أيٌّ من الفصائل التي غدرت بهم وجمعتهم في ما يُسمّى بالفرصة الأخيرة للتخلص منهم, فعندما يبدأ هجوم النظام على إدلب، فإنّ نقاط المراقبة التركيّة الـ12 ستكتفي بالمراقبة، أي أنّها بلا قيمة تُذكر، وهكذا سيكون حال كلّ تقديرات المعارضة التي اعتمدت وتأملت في دور تركيّ يمنع النظام من استعادة إدلب، فكما في معركة الغوطة وبعدها درعا، تم التعويل على قوى داعمة لما يسمّى بالثورة، بدلاً من الاعتماد على قوى الثورة نفسها! مشفوعة بعبارات أصبحت من متلازمات خطاب المعارضة، تتكرر وتملأ الإعلام ضجيجاً، مثل “التوازنات الدوليّة” و”التفاهمات العالميّة”، دون استيعاب أنّ الحرب في سوريا تحسم منذ سنوات بالقوة العسكريّة، وأنّ العامل الأول في هذا النزاع الأهليّ، هو قوة الأطراف المحليّة المقاتلة وداعميها المستعدين للقتال، وليس أيّ قوة دوليّة.
فلا يمكن لأيّ قوة دوليّة، مهما بلغت قوتها، تغيير واقع دون الاعتماد على حلفاء محليين وازنين، وضمن ظروف محليّة مهيأة، لذلك لم تتمكن الولايات المتحدة من دعم فصائل معارضة أكثريّة لكنّها مفككة، بينما نجحت إيران في دعم نظام الأقلية لكنه متماسك.
وبعد اتضاح التوازنات داخل سوريا، فإنّ مصير إدلب، لن يختلف عن الغوطة ودرعا والرقة ودير الزور، وإن تمكّن الجهاديون من إطالة المعركة وإلحاق خسائر كبيرة بالنظام، حتى لو أنجزت تسوية معينة بانسحاب الفصائل ونزع سلاحها، فإنّ الطرفَ الضامن وهو غالباً تركيا، سيضع نفسه في موقف محرج، إذ أنّه سيعود لتسليم إدلب للنظام بعد إخلائها من المسلحين، لذلك فإنّ تركيا في ورطة في إدلب، فإنْ هاجم النظام فسيكون موقف أنقرة ومعها نقاط المراقبة التابعة لها محرجاً، وإن منحت تركيا فرصة للتسوية ونزع السلاح، ودخول إدلب، فإنّها ستتحوّل إلى مجرد عرّاب لتسليم مناطق المعارضة للنظام بعد استلامها من المعارضة.
منذ أن زجّت تركيا بقواتها داخل الأراضي السوريّة، لم تنفّذ قواتها أو الفصائل الموالية لها في سوريا، أيّ عملية واحدة ضد النظام السوريّ، بل أنّ وزير الخارجية التركيّ ومسؤولين أتراك صرّحوا مرتين، بأنّهم يرحبون بسيطرة «الجيش السوري الحكوميّ» على أراضيه، لذلك فإنّ أهداف تركيا في سوريا انحصرت منذ سنوات، بمحاولة التصدّي للنفوذ الكرديّ.
أما النظام السوريّ، فقد أصبح أهون الشرين بالنسبة لتركيا، وهنا افترقت أولويات أنقرة عن أولويات المعارضة السوريّة، حتى أولويات تركيا نفسها في مواجهة الكرد استغلها الأمريكيون في الحرب على مرتزقة داعش لتدخل تركيا مناطق درع الفرات، من دون محاربة الكرد أنفسهم، ودون القدرة حتى الآن على دخول أبرز وأكبر المدن هناك، وهي منبج وتل رفعت، ورغم كثرة الحديث الإعلاميّ عن اتفاق مع الأمريكيين بدخولهما، كان من الواضح منذ البداية أنّه سيبقى مجرّد حديث إعلاميّ يمنح أنقرة مجرّد طمأنة شكليّة ودوريات روتينيّة لقواتها خارج منبج، من دون أيّ تغييرٍ للقوة المسيطرة في منبج، وهي المجلس العسكريّ المنضوي في صفوف قسد.
أما في عفرين، فقد حقّقت تركيا هدفاً ضمن أولوياتها المباشرة، وهو ضرب الكانتون الكرديّ هناك، وهذا الهجوم توافق مع أهداف روسيا بضرب الكيان الكرديّ المقرّب من منافسهم الأمريكيّ شمالاً، والأهم أنّه توافق مع رغبة ملحّة لدى الإيرانيين والنظام بمنع تشكيل إقليم كرديّ خارج عن سيطرتهم شمال سوريا، حتى لا تتكرر مواجهة كركوك مع الإقليم الكرديّ في شمال العراق.
وهكذا، تبدو تركيا مكبّلة تماماً في سوريا، بقيود روسيّة وأمريكيّة، لا تستطيع الإفلات منها، إلا لتحقيق هدف لأحد هذين الطرفين، ولعل هذا يرجع لعدم قدرة أنقرة على نسج تحالفات متينة داخل سوريا، وعدم رغبتها في ذلك أصلاً، إضافة إلى تفكك وضعف الفصائل والقوى السنيّة المعارضة المرشحة للتحالف مع تركيا، وإن كانت تمثل أغلبيّة السكان، بينما تمكنت الدولة الإقليميّة المناظرة لتركيا إقليميّاً، إيران، من نسج روابط ووشائج متينة مع أقليّة دعمتها في الحفاظ على السلطة بالدم والقمع، رغم أنّها لا تتجاوز نسبتها الـ10% من السكان، بل إنّها فعلت أيضاً ما خشيت منه القوى المعارضة السنيّة، وهو الخطاب الإسلاميّ الجهاديّ، فواصلت إيران التمسك بخطاب معادٍ للغرب، ودعمت النظام بكلّ الفصائل الشيعيّة من طهران حتى بيروت حتى صنعاء، وفرضت أمراً واقعاً دفع الولايات المتحدة وروسيا للتعامل معها قوة إقليميّة مهيمنة، رغم نظامها وخطابها الإسلاميّ الفاقع، الذي ظلت المعارضة السورية تحرص على إخفائه، خشية فقدان دعم الغرب لها، فإذا بالغرب يدعم إيران القوية، وإن اكتست برداء إسلاميّ داكن السواد.
أما الفصائل السوريّة المسلحة التي تبنتها تركيا والدول الخليجية في البداية, لم تكن تحمل أي برنامج ثوريّة ,بل كانت أغلبها من اللصوص والمرتزقة ,ولم تكن تدرك أدنى المفاهيم الثوريّة, بل تحوّلت الى مجموعات مقاتلة “تحت الطلب “وهذا ما يفسر انهيارها في درعا و الغوطة الشرقية ,وتحوّلها الى مجموعات تركيّة وأخرى تقاتل في الصفوف الأماميّة لقوات النظام ,أما الرجالات التي كانت تعتبر المعارضة السياسيّة, فلم تكن افضل حالاً من هذه الفصائل, لقد تلاشى صراخها وخرست أمام المغريات والأموال التي تحصلها من تركيا ودول الخليج , ولم تستطع طوال فترة الأزمة حتى الآن من صياغة مشروع وطنيّ لمستقبل سوريا القادمة.

التعليقات مغلقة.